هي مجال أكاديمي حديث يجمع بين العلوم الإنسانية التقليدية والتقنيات الرقمية الحديثة. هذا الحقل لا يستبدل العلوم الإنسانية المعروفة، مثل: التاريخ والأدب والفلسفة واللغويات وعلم الاجتماع وبحوث الإعلام والاتصال، بل يعيد طرح أسئلتها وقضاياها في ضوء الحوسبة والبيانات والشبكات الرقمية. ظهر مصطلح العلوم الإنسانية الرقمية في صورته المؤسسية مع بداية القرن الحادي والعشرين، رغم أن جذوره تعود إلى ستينات القرن الماضي فيما عُرف آنذاك باسم (الحوسبة الإنسانية). في تلك المرحلة المبكرة، استخدمت الحواسيب لتحليل النصوص الأدبية والتاريخية، مثل: فهرسة الكلمات ودراسة التكرارات اللغوية. لاحقاً، ومع تطور الإنترنت وقواعد المعلومات الضخمة وأدوات التصوير البصري للبيانات، توسع المجال ليشمل أنماطاً جديدة من البحث والتفكير. العلوم الإنسانية الرقمية تقوم في أساسها على توظيف الأدوات الرقمية لتحليل الظواهر الإنسانية والثقافية، التي تشمل على سبيل المثال: تحليل النصوص باستخدام النماذج الحاسوبية، ودراسة المحتوى الإعلامي عبر كميات هائلة من المصادر، ورسم الخرائط الرقمية للتاريخ والهجرة والثقافة، وبناء الأرشيفات الرقمية، وتحليل الشبكات الاجتماعية والثقافية. هنا، لا يكون النص أو المحتوى مجرد مادة للقراءة التفسيرية، بل أيضاً بيانات قابلة للمعالجة والتحليل الكمي والكيفي معاً. من الناحية المنهجية، لا تقوم العلوم الإنسانية الرقمية على منهج واحد، بل هي فضاء متعدد التخصصات يجمع بين التأويل الإنساني التقليدي والمفاهيم والنماذج الحاسوبية. فالباحث في هذا المجال يحتاج إلى حس نقدي إنساني من جهة، وإلى فهم عملي لأدوات البرمجة وقواعد البيانات والتصوير البصري من جهة أخرى. لذلك يُنظر إلى هذا الحقل بوصفه تحولاً في ثقافة البحث الإنساني أكثر من كونه مجرد إضافة تقنية. من أمثلة التطبيقات في الدراسات الأدبية ما يعرف بتحليل النصوص واسع النطاق، فبدلاً من قراءة رواية واحدة قراءة تأويلية معمقة، يقوم الباحث بجمع مئات أو آلاف الروايات في قاعدة بيانات رقمية، ثم يستخدم أدوات تحليل لغوي لاستخراج أنماط التكرار، وتحولات المفردات، وبنى السرد عبر فترات زمنية مختلفة. بهذه الطريقة، يمكن مثلاً تتبع تطور تمثيل المدينة أو القرية في الروايات عبر عقود، أو قياس تحولات صورة البطل بين حقبة وأخرى. هنا يتحول النص الأدبي إلى مادة قابلة للتحليل الكمي إلى جانب التحليل الكيفي، مما يسمح بإنتاج معرفة تركيبية عن الاتجاهات العامة في الأدب، وليس عن عمل منفرد فقط. أما في بحوث الإعلام، فيمكن، على سبيل المثال، تطبيق المنهج ذاته على تحليل الخطاب الرقمي عبر المنصات الاجتماعية. فيقوم الباحث بجمع آلاف المنشورات أو التغريدات المتعلقة بقضية عامة محددة، ثم يستخدم أدوات تحليل الشبكات لاكتشاف البنى الاتصالية بين الحسابات، وتحديد الأشخاص الفاعلين، وأنماط إعادة النشر، والمفردات الأكثر شيوعاً. كذلك يمكن استخدام تقنيات تحليل المشاعر ورصد الانفعالات للكشف عن اتجاهات الرأي العام عبر فترة زمنية محددة. في هذا السياق، لا يكتفي الباحث بقراءة عينة صغيرة من المحتوى، بل يعالج حجماً ضخماً من البيانات الاتصالية، مما يسمح بفهم آليات الانتشار والتأثير في بيئة الاتصال الرقمي على نحو منهجي ودقيق. ورغم أهميته، يواجه حقل العلوم الإنسانية الرقمية انتقادات معرفية ومنهجية، من أبرزها الخوف من هيمنة المنطق التقني والقياس الكمي على حساب العمق التفسيري والنقدي، إضافة إلى إشكاليات السلطة المعرفية المرتبطة بالمنصات والبرمجيات، ومن يملك البيانات ومن يتحكم في أدوات التحليل. لذلك، تؤكد الأدبيات النقدية على أن العلوم الإنسانية الرقمية يجب أن تظل إنسانية في اسئلتها، ناقدة في منطلقاتها، وواعية بالتحيزات الضمنية للتكنولوجيا.