في السياق السعودي، حيث تتسارع برامج التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، تبرز الحاجة إلى مقاربة مزدوجة باستثمار الفرص التنموية والاقتصادية التي توفرها التقنية، بالتوازي مع بناء جاهزية مهارية ومؤسسية تواكب التحول، بالتدريب المستمر، إعادة التأهيل، تحديث المناهج، وتعزيز ثقافة التعلم مدى الحياة كأدوات صمودٍ وازدهار واستدامة.. في منشورٍ مطوّل –كمقالة- نشره رائد الأعمال الأميركي Matt Shumer "مات شومر" في 10 فبراير عبر منصة (X)، قدّم قراءةً لافتة لما يجري في عالم الذكاء الاصطناعي، مستعيدًا تشبيهًا زمنيًا ذكيًا: "فبراير 2020، حين بدت أخبار فيروسٍ بعيدٍ مبالغًا فيها، قبل أن يتحول إلى واقعٍ أعاد تشكيل العالم خلال أسابيع!". يرى شومر أننا نعيش لحظة مشابهة لموجة فيروس كورونا، لكنه اليوم في سياق مختلف؛ لحظة يظنّ كثيرون أنها ضجيج تقنيّ عابر، بينما هي مقدمة لتحول اقتصادي ومهني واسع النطاق!". "شومر" الذي أمضى سنوات في تأسيس شركات ناشئة في الذكاء الاصطناعي والاستثمار فيه، يوضح أن تسارع التطور خلال عامي 2025 و2026 فاق كل المراحل السابقة. لم تعد التحسينات تدريجية يمكن استيعابها، بل قفزات واسعة بفواصل زمنية قصيرة. كما يذكر أن نماذج حديثة باتت قادرة على تنفيذ مهام برمجية معقدة من الوصف النصي فقط، مع اختبار ذاتي وتحسين تلقائي، بما يشبه دورة العمل الكاملة لمطور محترف. ويشير إلى أن تركيز المختبرات أولًا على البرمجة لم يكن مصادفة؛ فالبرمجة هي الأداة التي تُبنى بها النماذج التالية، ما يخلق حلقة تسارع ذاتي حيث يسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير نسخته الأحدث! وينتقد شومر الانطباع الشائع أن "الذكاء الاصطناعي غير دقيق"، معتبرًا أن هذا الحكم يستند غالبًا إلى تجارب قديمة أو استخدام نسخ مجانية متأخرة تقنيًا. ويستشهد بقياسات من مؤسسات بحثية تُظهر ارتفاع مدة المهام الواقعية التي يمكن للنماذج إنجازها باستقلالية، مع اتجاه تصاعدي سريع في القدرة على العمل دون تدخل بشري مباشر. الأثر، في رأيه لن يقتصر على قطاع التقنية، وسيذهب إلى القانون، التمويل، الطب، المحاسبة، الإعلام، الاستشارات، خدمة العملاء.. كلها قطاعات تتأثر بالفعل. ويستند فيها إلى تصريحات لقادة شركات كبرى في المجال تتوقع انكماشًا ملموسًا في وظائف المبتدئين خلال سنوات قليلة، مع تحوّل جذري في طبيعة العمل المعرفي القائم على القراءة والكتابة والتحليل واتخاذ القرار عبر الشاشات. هذه القراءة، وإن بدت تحذيرية، لا تخلو من جانبٍ تمكيني. فكما يحمل التحول مخاطر على أنماط التوظيف التقليدية، فإنه يفتح أبوابًا غير مسبوقة لرواد الأعمال والمبدعين، مقرونة بتكلفة بناء تطبيق، أو اختبار فكرة، أو إعداد دراسة تحليلية، والتي باتت أقل من أي وقت مضى، فاليوم الوصول إلى المعرفة المتخصصة لم يعد حكرًا على المؤسسات الكبرى، ومن يجيد توظيف الأدوات مبكرًا سيصبح الأكثر قيمة داخل مؤسسته وفي سوق العمل والاقتصاد بأسره! غير أن النقاش، من زاوية أوسع، لا ينبغي أن يُختزل في سؤال "هل ستختفي الوظائف مع الذكاء الاصطناعي؟" بل في سؤال "كيف نعيد تعريف القيمة المهنية؟". فالتاريخ الاقتصادي يبيّن أن كل موجة تقنية كبرى –من الثورة الصناعية إلى الإنترنت– أزاحت أنماطًا وخلقت أخرى. الفارق اليوم أن وتيرة التحول أسرع، وحجمه أوسع، وتأثيره يمسّ جوهر العمل الذهني ذاته. في السياق السعودي، حيث تتسارع برامج التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن مستهدفات رؤية 2030، تبرز الحاجة إلى مقاربة مزدوجة: استثمار الفرص التنموية والاقتصادية التي توفرها التقنية، بالتوازي مع بناء جاهزية مهارية ومؤسسية تواكب التحول. التدريب المستمر، إعادة التأهيل، تحديث المناهج، وتعزيز ثقافة التعلم مدى الحياة كأدوات صمودٍ وازدهار واستدامة. مقال "شومر" -الذي بلغ عدد مشاهداته حتى كتابة هذا المقال 81 مليون مشاهدة- يُبيّن ويثبت أن هذا التفاعل مع المنشور كان بمثابة جرس تنبيه، لم يقتصر على النقد أو المناقشة التقنية داخل مجتمعات متخصصة فقط، بل لقي اهتمامًا واسعًا في وسائل الإعلام والمناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي وتأثيره على العالم. ختامًا وبخاتمة "شومر"، دعوة بسيطة وعملية للمجتمعات والأفراد نحو عوالم الذكاء الاصطناعي، لا تنتظر حتى يُفرض التغيير عليك؛ ابدأ بالتجربة اليوم. فالنافذة التي تمنح ميزة السبق قصيرة، ومن يفهم التحوّل مبكرًا ويسايره سيسهم حتمًا في تشكيل مساره المستقبلي المستدام.