أثناء دراستي في قسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود، كان الدكتور صالح المانع يلفت انتباهنا إلى كتاب «الإنجيليون والسياسة الأمريكية»، والذي يتناول صعود «الإنجيليين الجدد» وتأثيرهم على السياسة الأمريكية، بوصفه قراءة مبكرة لفهم كيف يمكن للعقيدة الدينية أن تتحول في الولاياتالمتحدة إلى عنصر مؤثر في القرار السياسي، لا مجرد قناعة شخصية، في ذلك الوقت وهذا الاعتقاد كان واضحاً بتفاصيله أمامي، وأنا أتابع مقابلة الإعلامي الشهير تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي. اللقاء لم يكن عابرًا في توقيته ولا في منصته، فكارلسون يمثل مساحة إعلامية واسعة التأثير، تتجاوز الأساليب الإعلامية التقليدية، وتتيح للضيوف قول ما لا يُقال عادة عبر القنوات الرسمية، من هذا المدخل، ظهر هاكابي في المقابلة، ليس بصفته ضيفًا يشرح موقفًا سياسيًا تقليديًا، بل حاملًا خطابًا فكريًا حاول من خلاله إعادة تفسير ما يجري في المنطقة بلغة عقائدية، تُقدَّم كمنطق طبيعي للأحداث. يشرح الكتاب كيف ينظر التيار الإنجيلي إلى السياسة الخارجية من زاوية دينية، وهو تيار أعتقد أنه ينتمي إليه السفير الأمريكي، وهو ما كشفه في حديثه خلال المقابلة عن تحديد حدود لإسرائيل على نحو يتجاوز القانون الدولي ويمس سيادة الدول وكياناتها المستقلة، هذه الإشارة جاءت ضمن سياق فكري يعيد رسم الجغرافيا وفق تصور عقائدي..! التحول الحقيقي في المقابلة جاء حين انتقلت لغة الحوار من توصيف سياسي عام إلى تفسير ديني مفتوح يمس حدود الدول وسيادتها، هنا خرج الحوار من إطار الرأي الشخصي إلى دلالة سياسية قابلة لأن تُفهم خارج سياقها الإعلامي بلا لباقة إعلامية تراعي حساسية الموقع الدبلوماسي للمتحدث، وهو ما جعل المقابلة تتحول من رأي إلى رسالة عامة..! بعد بث المقابلة، جاء بيان وزارة الخارجية السعودية جزءًا من المشهد الإعلامي ذاته، لا بوصفه ردًا على برنامج أو شخصية، بل تثبيتًا لموقف واضح تجاه لغة تجاوزت حدود التعبير إلى دلالات تمس السيادة، البيان رفض التصريحات رفضًا قاطعًا، ووصفها بغير المسؤولة، باعتبارها خرقًا صريحًا للقانون الدولي وميثاق الأممالمتحدة، ومساسًا بالأعراف الدبلوماسية والعلاقات الدولية، محذرًا من الطرح المتطرف وما يحمله من تبعات خطيرة على أمن المنطقة واستقرارها، وداعيًا الخارجية الأمريكية إلى توضيح موقفها من هذه التصريحات المرفوضة، ولم يكن هذا الموقف الوحيد وإنما، إذ تبعته بيانات وتعليقات رسمية من دول عربية وإسلامية، إضافة إلى منظمات إقليمية، أكدت جميعها رفض هذا الخطاب واعتبرته مساسًا بالسيادة وتهديدًا للاستقرار. ما حدث بعد المقابلة يسلّط الضوء على أهمية عدم التعامل مع هذا النوع من الحوارات الإعلامية بوصفها محتوى عابرًا أو رأيًا شخصيًا، فالمقابلات التي تُبث عبر منصات واسعة التأثير قادرة على تمرير أفكار تحمل دلالات سياسية وقانونية تمس الدول وكياناتها، لذلك كان التفاعل الرسمي والإعلامي القوي مع هذه المقابلة تعبيراً عن وعي بخطورة التساهل مع الرسائل الإعلامية التي قد تتحول إلى أداة لبث أفكار وسياسات تتجاوز الأعراف الدولية، خصوصًا مع خطورة الدور الإعلامي في وقتنا الحاضر في تحديد المسار السياسي أحيانًا، وليس العكس.