تبدو قصة المنحرف الأميركي "جيفري إبستين" للوهلة الأولى وكأنها فيلم إثارة هوليوودي، لكنها في واقع الأمر كانت مرآةً كاشفةً لجانب مظلم من حياة بعض النخب من ذوي الشهرة والسلطة والمال. إذ اتضح -مع نشر ملفات إبستين- كيف سقطت أقنعتهم، وفضحت الأضواء الرقمية مستوى الانحطاط الأخلاقي الذي يمارسونه في الجزيرة الفاخرة والمنازل والطائرات واليخوت الباذخة. هنا، لم يعد السؤال: كيف أصبح شخص تافه، قادم من أحياء نيويورك المتواضعة وبلا تعليم كافٍ، مركز استقطاب عالمي لزعماء سياسيين وعلماء حائزين على جائزة نوبل ومشاهير وأثرياء يملكون نصف كوكب الأرض؟ الإجابة لا تكمن في عبقريته المزعومة أو ثروته المشبوهة فحسب، بل تكمُن في "الخدمة" التي كان يقدمها هو ومن يقف وراءه لشركائه وضحاياه؛ وهي خدمة "الاستثناء من كل القواعد". لقد بات واضحًا استغلال إبستين لحقيقة أن بعض أصحاب النفوذ، الذين يملكون كل شيء، يميلون غريزيًا وبشكل أناني للبحث عما هو استثنائي وحصري من الخدمات والمُتع حتى ما هو مُحرم أو مُجرم، وهذا بالضبط كان الفخ الذي نصبه إبستين ومن يدعمه لهم ببراعة فائقة. لقد أدرك مشغلو إبستين مبكرًا أن القوة الحقيقية في عصرنا لا تُقاس بالأرصدة البنكية أو المكانة والمنصب فحسب، بل بحجم "رصيد الأسرار" الخفية وقيمتها. وعندما فُتحت ملفات إبستين، خاصة تلك التي كُشف عنها مؤخرًا، تبين أن الرجل كان يدير ما يشبه "بورصة عالمية للخطايا" والذنوب المعفاة -حسب معتقدات مرتكبيها- من حساب الضمير والقانون. والعجيب أن إبستين حول جزيرته الخاصة وطائرته ومنازله، تحت أنظار وكالات القانون في العالم، إلى فضاءات معزولة عن القيم والأعراف والقوانيين، حيث أمكن "للكبار" بادعاء الهروب من أعباء مناصبهم وصورهم العامة اللامعة ممارسة نزواتهم البدائية في أحقر مستويات انحطاط النوع البشري. وقد حرص هذا المنحرف أن تكون "الخطايا المشتركة" هي الرابط الأقوى بين مرتادي شبكته؛ فحين يشاركك شخص ما سرًا مُظلمًا، فإنه لا يصبح صديقك فحسب، بل يصبح "رهينة" لديك أو شريكًا معك في مصير واحد. وهذا هو "الابتزاز الناعم" الذي منح إبستين حصانة لسنوات طويلة، بل لقد استمر أغلبهم في التواصل معه حتى بعد إدانته الأولى عام 2008. ومن الواضح أن إبستين لم يكن يبيع الجنس واستدراج القاصرات فحسب، بل كان يبيع وهم عضوية "النخبة النقية" التي تملك القدرة على فعل كل شيء وكسر محرمات "الأغلبية الغبية" دون عواقب. ولهذا، بدت تقنيات "الهندسة الاجتماعية" فعالة في تفاصيل عمله؛ فقد غلف نشاطاته المريبة بطبقة من الاهتمامات العلمية والفلسفية، مما جعل شخصيات مثل بيل غيتس ومفكرين كبارًا مثل تشومسكي يشعرون أن الجلوس معه هو "استثمار فكري". وتتجلى المأساة التي كشفتها الوثائق المسربة، في حقيقة أن هؤلاء "الجبابرة" سقطوا في فخ إبستين بشكل أسرع وأسهل مما نتخيل. إذ أثبت إبستين أن النخبة العالمية، بكل إمكاناتها وجيوش مستشاريها، يمكن استدراجها تحت إلحاح وحش إشباع النفوذ، ومن ثم بيعها وشرائها بقدر استسلامها لنزواتها الخفية. والمخيف في ظاهرة إبستين أن تداعياتها قد تهز ما بقي من ثقة الشعوب في مؤسساتها، حين يرى الناس أن بعض من يرسمون سياسات العالم كانوا ضيوفًا دائمين في "جزيرة الرذيلة". لذا، فإن قضية إبستين ليست مجرد ملف جنائي أُغلق بموته عام 2019، بل هي "شاهد حي" على السقوط الأخلاقي لنخبة كُشف أنها تنشط وتتواصل وتتوسع بلا بوصلة إنسانية. في النهاية، سيبقى لغز إبستين تذكيرًا دائمًا أن الظلال الغامضة التي تتركها النخبة خلفها قد تُصبح يومًا ما هي السجون التي تُحبس فيها ماديًا ومعنويًا. ومع استمرار التحقيقات وظهور ارتباطات جديدة، يظل السؤال المعلق: هل تعلمت النخب الدرس، أم أن هناك أكثر من "إبستين" ينسج الآن خيوطه حول نخبة جديدة في زوايا النفوذ العالمي؟ * قال ومضى: أقسى أنواع الاحتقار والمهانة يراها الخائن في عيون من "وظفه" في حرفة الخيانة.