في ذكرى يوم التأسيس الذي تستحضر فيه المملكة العربية السعودية جذور دولتها الممتدة لثلاثة قرون، تتجلى ملامح الهوية الوطنية في تفاصيل الحياة اليومية التي شكّلت وجدان المجتمع، ومن أبرز هذه الملامح تبرز الأزياء التقليدية التي لم تكن مجرد كساء، بل وثائق مادية تعكس أنماط الحياة والقيم السائدة، ويأتي «ثوب النشل النجدي» كشاهد حي على الأناقة والحرفية التي ميّزت وسط الجزيرة العربية منذ بدايات الدولة السعودية، حيث كان يعكس رفاه المجتمع واعتزازه بهويته البصرية. سياق تاريخي: زيّ الفرح والوجاهة تميّز الزي النسائي في نجد باتساع القصّات والاحتشام وضمن هذا الإطار، ظهر ثوب النشل كزي احتفالي ارتبط بالمناسبات الكبرى كالأعراس والأعياد، ولم يكن النشل لباساً يومياً عادياً، بل كان رمزاً للرقي والوجاهة، إذ شاع ارتداؤه بين نساء الأسر الميسورة نظرًا لتكلفته العالية وما يتطلبه من أقمشة فاخرة وتطريز يدوي دقيق. لم يكن تصنيع ثوب النشل عملية محلية معزولة، بل كان جزءاً من حراك اقتصادي عالمي قادته القوافل التجارية السعودية إلى قلب نجد: * طرق البخور والحرير: كانت نجد بموقعها الاستراتيجي تستقبل الأقمشة الفاخرة مثل «الحرير المخطط» و»المخمل» عبر مسارات تبدأ من موانئ الهند وتمر بالبحرين والأحساء وصولاً إلى أسواق الدرعية وعنيزة وبريدة. * خيوط الزري (الذهب والفضة): تاريخياً، كانت أفضل أنواع الخيوط المعدنية (الزري) تُجلب من فرنسا (المعروف بالزري الفرنسي) ومن الهند. كانت الحرفيات في نجد يميزن بين «الزري الأصلي» الذي لا يتغير لونه بمرور الزمن، وبين «التقليد»، وهو ما جعل ثوب النشل استثماراً حقيقياً يورث من الأم لابنتها. * مسميات الأقمشة التاريخية: عرفت المرأة النجدية أنواعاً من الأقمشة التي يُبنى عليها النشل مثل (أبو ليرة، والثلايج، والمزهر)، وهي أقمشة تتميز بلمعة خاصة تتناغم مع خيوط الذهب. ثوب النشل في عيون الرحالة والمستشرقين.. شهادات تاريخية لم تغفل كتب الرحالة والمستشرقين الذين جابوا الجزيرة العربية عن وصف أزياء المرأة السعودية، حيث لفت «ثوب النشل» أنظارهم كأحد أرقى الثياب التي تبرز ترف المجتمع النجدى وحرفيته. * وصف الرحالة «لويس بيللي» (1865م): في مذكراته أثناء زيارته للرياض، أشار بيللي إلى الأقمشة الحريرية الفاخرة التي كانت تصل إلى قلب نجد، واصفاً ملابس النساء في المناسبات بأنها تتسم ب «الأناقة المهيبة»، حيث تبرز التطريزات الذهبية التي تعكس ضوء المصابيح في المجالس، في إشارة ضمنية إلى ثياب النشل التي كانت تميز نساء الطبقة الرفيعة. * شهادة «آن بلنت» (1879م): في كتابها «رحلة إلى بلاد نجد»، وصفت الليدي آن بلنت أزياء النساء في حائل والرياض، منوهةً إلى الأكمام الطويلة والواسعة التي تلامس الأرض، وهي السمة البارزة في «ثوب النشل» و»المرودن». وذكرت أن هذه الأثواب تُصنع من الحرير الرقيق المزين بخيوط الذهب، مما يضفي صبغة «ملكية» على مظهر المرأة العربية. * رؤية المستشرقة «جيرترود بيل»: أشارت في رسائلها إلى التباين الجمالي في نجد، حيث يطغى الاحتشام في المظهر العام، بينما تنفرد «ثياب الأفراح» (مثل النشل) بتفاصيل فنية معقدة، ووصفت خيوط «الزري» بأنها فن يحول الثوب إلى «قطعة من المجوهرات» ترتديها المرأة. الدلالات الرمزية والاجتماعية (التحليل السيميائي المبسط) لم يكن النشل مجرد زي، بل دخل في الموروث الشعبي والأدب الشفهي النجدي. في القصائد التاريخية، كان يُشار إلى المرأة ذات المكانة بأنها «لابسة النشل»، مما يربط بين نوع الزي وبين الرفعة الاجتماعية. الثوب «السحابي»: في بعض المراجع التاريخية المحلية، يُطلق عليه أحياناً «الثوب السحابي» نظراً لطوله الذي يجر خلف المرأة على الأرض، وهي صفة ارتبطت قديماً بالتدلل والوجاهة، حيث كانت المرأة في نجد تفتخر بطول ذيل ثوبها الذي «يمسح أثر خطوتها». التأثير الحضاري: تؤكد الباحثة «ليلى البسام» في دراساتها أن ثوب النشل النجدي يمثل نقطة التقاء حضاري؛ فبينما استوردت نجد خاماتها من الهند وعبر موانئ الخليج، إلا أنها طوعت «التفصيل» ليتناسب مع البيئة النجدية المحافظة، فجاء أكثر اتساعاً وأقل شفافية من النسخ الساحلية، ما يجعله «نسخة نجدية خالصة» في هويتها. الخصائص الفنية: هندسة الذهب والحرير تتجلى القيمة الجمالية لثوب النشل في خاماته وتصميمه، حيث يُصنع عادةً من: * الأقمشة الفاخرة: مثل الحرير والمخمل بألوان زاهية تعبر عن البهجة. * التصميم: يتميز بأكمام واسعة وطويلة تضفي عليه هيبة وحضوراً لافتاً. * تطريز «الزري»: يُنفذ يدويًا بكثافة باستخدام خيوط الذهب أو الفضة، ويتركز غالباً في منطقة الصدر والأكمام. * الزخارف: تعكس مهارة الحرفيات النجدية في استلهام الوحدات النباتية والهندسية من البيئة المحلية. هندسة التطريز: أسرار الغرز اليدوية النجدية (التفصيل الفني) تميز ثوب النشل النجدي في الحرفية الدقيقة والتنفيذ اليدوي الذي يتطلب مهارة استثنائية في توزيع وحدات الزري والتي تعرف بفن التقصيب اليدوي، حيث تندمج خيوط الذهب مع القماش في نسيج فني متلاحم، وهنا تفصيل لأهم الغرز والتقنيات التي كانت تستخدمها «الخياطة» أو «المطرزة» النجدية: 1. غرزة «السلسلة» (المفتولة): وتُستخدم لرسم الهياكل الخارجية للأوراق والزهور، وتتميز بكونها تعطي خطاً بارزاً وقوياً. 2. غرزة «الحشو» (الدق): وهي أصعب التقنيات، حيث يتم ملء الفراغات داخل الرسمة بخيوط الزري بشكل متراص جداً حتى يبدو وكأن الذهب قد صُب صباً فوق القماش. 3. تقنية «المنشور» أو «المنثور»: وهي توزيع وحدات زخرفية صغيرة جداً تشبه النجوم على كامل مساحة الثوب، مما يجعل المرأة تبدو وكأنها ترتدي سماءً مرصعة بالذهب عند الحركة. 4. تطريز «الكرسي» (العنق): هو الجزء الأكثر تعقيداً، حيث يتم تطريز فتحة العنق بشكل مكثف جداً يثقل القماش ويجعله ثابتاً، وغالباً ما يستغرق العمل على هذا الجزء وحده أسابيع. المقارنة الثقافية: لماذا يختلف النشل النجدي عن غيره؟ رغم وجود «النشل» في مناطق أخرى، إلا أن للنسخة النجدية خصائص لا تخطئها العين: * من حيث القصة والاتساع: النشل النجدي يتميز ب «البنيقة» (وهي قطعة قماش جانبية تعطي اتساعاً كبيراً للثوب)، وأكمامه تصل أحياناً إلى الأرض، مما يعطي مشية المرأة هيبة ووقاراً. * لغة الزخارف: في نجد تميل الزخارف إلى الوحدات الهندسية (المثلثات والمعينات) المستوحاة من العمارة النجدية، والوحدات النباتية (السنابل والنخيل)، بينما في مناطق الساحل قد نجد تأثيراً أكبر لزخارف بحرية أو ألواناً صاخبة أكثر (النشل المفحح). * الألوان الرزينة: يفضل في نجد الألوان الداكنة (الأسود، العنابي، الأخضر الغامق) لتكون خلفية قوية تبرز جمال لمعة الذهب (الزري). ثوب النشل كوثيقة اجتماعية وتراث غير مادي في السوسيولوجيا التاريخية لنجد، كان النشل يمثل «مستوى الرفاه». كانت النساء في «الجمعات» والاحتفالات يعرفن مكانة السيدة وحرفية بيتها من خلال دقة «زري» ثوبها. واليوم، يُصنف هذا الثوب ضمن التراث الثقافي غير المادي للمملكة للأسباب التالية: * استمرارية الحرفة: انتقال مهارة التطريز بالزري من الجدات إلى الحفيدات عبر قرون. * الرمزية الوطنية: تحوله من زي للمناسبات الخاصة إلى «زي وطني» رسمي يُرتدى في يوم التأسيس للتعبير عن الانتماء. معجم مصطلحات ثوب النشل * البنيقة: قطعة القماش الجانبية التي تزيد من عرض الثوب. * المكموم: الجزء المطرز من الأكمام. * الخوار: وهو التطريز الذي يمتد على جوانب الثوب أو نهاياته. * الصقال: عملية تلميع خيوط الذهب بعد الانتهاء من الخياطة باستخدام أداة صلبة. الأثر الاقتصادي لحرفة «المقصب» في الدولة السعودية تاريخياً، ساهم الطلب العالي على ثوب النشل في نشوء طبقة من «المقصبين» و»الحرفيات» المتخصصين في فن الزري. كان شراء ثوب نشل يُعد بمثابة «مهر» أو هدية ثمينة تُقدم في الزواج، وتذكر المصادر التاريخية أن العروس النجدية قديماً كانت تبدأ في تجهيز ثوب نشلها قبل عام من زفافها، نظراً لما يتطلبه من وقت في التطريز اليدوي الدقيق الذي كان يتم في بيوت متخصصة أو دكاكين حرفية مشهورة في أسواق نجد الكبرى. شهادات الرحالة الأوروبيين توثق حضور النشل كرمز للأناقة والوجاهة دلالات اجتماعية وتراث عريق يحمل ثوب النشل النجدي دلالات تتجاوز كونه قطعة من القماش، فهو يمثل المكانة الاجتماعية والممارسات الجماعية للمرأة النجدية. ويُصنف اليوم كأحد عناصر التراث الثقافي غير المادي، نظراً لارتباطه بحرفة يدوية متوارثة عبر الأجيال تسهم في حفظ الذاكرة الوطنية. النشل النجدي في يوم التأسيس: استعادة الرمز إن استحضار ثوب النشل النجدي في فعاليات يوم التأسيس ريمثل توظيفاً واعياً للزي التقليدي بوصفه رمزاً بصرياً يستحضر ملامح المجتمع في بدايات الدولة السعودية إن العودة لارتداء هذا الثوب في المحافل الوطنية يؤكد أهمية الأزياء التقليدية بوصفها وثيقة ثقافية تعبّر عن هوية المكان والإنسان، وتُبرز مهارة الحرف اليدوية النسائية التي ساهمت في تشكيل تاريخنا الاجتماعي. الباحثة جوزاء السبيعي