نحن نعيش في مجتمع يُجيد التصفيق، ويتقن الاحتفاء، ويبرع في رفع الناجحين إلى الواجهة. الأضواء جاهزة، والكلمات محفوظة، وصور التهنئة تُصاغ بسرعة مدهشة. لكن السؤال الذي يستحق الوقوف عنده: هل يجيد المجتمع بالقدر ذاته الوقوف مع الإنسان حين يتعثر؟ في لحظة الإنجاز، يصبح الفرد محاطًا بالإعجاب، تتضاعف قيمته الاجتماعية، ويُعاد تعريفه من خلال نجاحه فقط. يُحتفى به لا لكونه إنسانًا اجتهد، بل لأنه وصل. وكأن الطريق، بما فيه من تعب وخوف ومحاولات فاشلة، لا يستحق الذكر. هذا الاحتفاء السريع يحمل في ظاهره دعمًا، لكنه في العمق مشروط؛ دعم مرهون بالاستمرار في القمة. المشكلة لا تكمن في التصفيق ذاته، فالاحتفاء بالنجاح سلوك صحي، بل في غياب الثقافة التي تفهم أن السقوط جزء أصيل من أي إنجاز حقيقي. نحن نحب القصة المكتملة، النهاية السعيدة، الصورة اللامعة. أما الكواليس، فلا مكان لها في خطابنا الاجتماعي. حين يتعثر الناجح، يتغير المشهد فجأة. تختفي الأصوات، يقل الاهتمام، وتبدأ الأسئلة القاسية: ماذا حدث؟ لماذا فشل؟ هل كان النجاح مستحقًا؟ وكأن الخطأ يلغي التاريخ، وكأن التعثر ينسف كل ما قبله. هنا يتحول المجتمع من جمهور مشجع إلى قاضٍ صامت، يراقب من بعيد، وربما يحمّل الفرد ذنبًا مضاعفًا لأنه لم يبقَ كما كان. هذا السلوك لا يخلق بيئة صحية للنجاح، بل يصنع خوفًا جماعيًا من الفشل. يصبح الإنجاز عبئًا، لأن الحفاظ عليه أصعب من الوصول إليه. ويصبح السقوط تهديدًا للهوية الاجتماعية، لا مجرد مرحلة إنسانية. في مثل هذا المناخ، يتردد كثيرون في المحاولة، لا خوفًا من الفشل ذاته، بل خوفًا من نظرة المجتمع بعده. الأخطر من ذلك أن المجتمع حين يربط قيمة الإنسان بإنجازه فقط، فإنه يختزل البشر في نتائج. ينسى أن الإنجاز لحظة، بينما الإنسان مسيرة. ينسى أن بعض النجاحات العظيمة وُلدت من رحم إخفاقات متكررة، وأن أكثر القصص إلهامًا لم تكن مستقيمة، بل مليئة بالمنعطفات. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الدعم المجتمعي. الدعم لا يعني التصفيق عند القمة فقط، بل يعني الحضور في منتصف الطريق، وفي لحظات الشك، وعند أول سقوط. يعني أن نقول: التعثر لا يُنقص منك، بل يضيف إلى خبرتك. أن نُطبع الفشل كخبرة، لا كوصمة. المجتمع الذي يحتفي بالإنجاز دون أن يتسامح مع السقوط، مجتمع يصنع نجاحات هشة، تخاف من الريح. أما المجتمع الذي يفهم أن السقوط جزء من الحركة، فإنه يصنع أفرادًا أكثر ثباتًا، وأكثر صدقًا مع ذواتهم. لسنا مطالبين بتبرير الأخطاء، ولا بتجميل الفشل، لكننا مطالبون بأن نكون أكثر إنسانية في تعاملنا مع التجربة البشرية. أن نفرق بين الخطأ والتقصير، وبين التعثر والانكسار، وبين النهاية المؤقتة ونهاية الطريق. في النهاية، الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد التصفيقات، بل بقدرة الإنسان على النهوض حين يخفت الصوت. والمجتمع الناضج ليس ذاك الذي يصفق فقط، بل ذاك الذي يبقى... حتى بعد أن تسكت الأيدي.