يقضي بحث صيام أبينا آدم أن ندرس قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». فمن هم الذين من قبلنا؟ إن حديث المفسرين ينتهي بنا إلى أمرين: الأول يجعل «العموم» غير مقيد، فيعتبر الصيام فريضة مشروعة على كل من كان قبلنا من عهد أبينا آدم. والثاني يتجه اتجاهاً «منطقياً» بحتاً، فيعتبر أن الصيام كان فرضاً على الذين من قبلنا مباشرة، أي في شريعة المسيح. والآية احتملت كلا التفسيرين، ويعني ذلك أن صيام آدم يحتاج إلى دليل خاص يتناوله صراحة. ومن الحق أننا لا نجد إجابة عن صيامه -عليه الصلاة والسلام- وكيف صام وما مقدار صيامه وحدود تشريعه وأنواعه؟ صحيح أننا نجد أول قرار بتحريم أبدي لنوع من الطعام يصدر لآدم وزوجه في الجنة، وهو قرار بالكف الدائم عن أكل نتاج الشجرة التي نهاهما الله عنها في قوله سبحانه: «ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين». وإنما نجد ذكر صيامه حيث نجده -خبراً لا تقوم به حجة، ولا يستقيم به علم- حديثاً أقرب إلى خيال القصاصين منه إلى علم ينتفع به. فهذا موسى بن نصر البغدادي أجرى على ألسنة كبار التابعين أحاديث منكرة كان من رجال هذا الخبر: «افترض الله -تعالى- على أمتي الصوم ثلاثين يوماً، وافترض على سائر الأمم أقل وأكثر، وذلك لأن آدم لما أكل من الشجرة بقي في جوفه ثلاثين يوماً، فلما تاب الله عليه أمره بصيام ثلاثين يوماً بلياليها». والخبر يجمع إلى كذبه ركاكة في اللغة والتركيب. وليس يعني ذلك أننا نذهب إلى عدم صيامه، إنما أطرح الأخبار الواردة في صيامه معقباً بالحكم العلمي عليها، فأما صيامه فلا ننفيه ولا نثبته فأي الجانبين في حاجة إلى برهان. الصيام من البداية حتى الإسلام - د. علي الخَطيب - المكتبة العصرية*