تخيّل، عزيزي القارئ، موظفًا حكوميًا يبدأ يومه أمام شاشةٍ أو بين ملفاتٍ تتكدّس فيها الأنظمة واللوائح والتعاميم؛ كل مهمة جديدة ليست مجرد إجراء، وكل قرار يتطلب تفكيك طبقات وخيوط متشابكة من الإجراءات والصلاحيات والسوابق. الآن تخيل المشهد ذاته، لكن المعرفة لا تنتظر أن يبحث عنها؛ بل تأتي إليه، منظمة، محللة، ومقترحة. الفرق بين المشهدين ليس فرق سرعة فقط. إنه الفرق بين مؤسسة تملك بيانات... ومؤسسة تملك عقلًا. في مقال سابق بعنوان "المنظمات المتعلمة: من الجودة إلى الريادة العالمية" المنشور في جريدة الرياض، أكّدنا أن التميز الحقيقي لا يُبنى على تحسين الإجراءات فقط، بل على قدرة المؤسسة على التعلم من خبرتها وتحويل التجربة إلى معرفة تراكمية تقود قرارها القادم. كان الطرح آنذاك فكريًا واستراتيجيًا: كيف ننتقل من الامتثال للمعايير إلى صناعة الريادة؟ أما هذا المقال فيأتي ليجيب عن سؤال "الكيف" عمليًا؛ فبناء المنظمة المتعلمة في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكتمل بثقافة التعلم وحدها، بل يحتاج إلى آلية تشغيلية تحافظ على الذاكرة المؤسسية وتفعّلها. وما أقترحه هنا هو أن أنظمة إدارة المعرفة المدعومة بالذكاء الاصطناعي (Knowledge Management Systems) تمثل الحل الأمثل للمنظمات المتعلمة، لأنها تحوّل التعلم من سلوك فردي متقطع إلى عقل مؤسسي متصل، يحفظ الخبرة، ويربط السوابق، ويحلل الأنماط، ويعيد توظيف المعرفة في القرار التالي بثقة واستدامة. لقد دخلنا عصرًا لم تعد فيه الكفاءة الإجرائية كافية. العالم يتحرك بسرعة الضوء، والميزة التنافسية لم تعد في عدد الموظفين أو حجم الميزانيات، بل في قدرة المؤسسة على تحويل المعرفة إلى قرار في الزمن الحقيقي. قبل سنوات كان السؤال: هل نرقمن خدماتنا؟ واليوم السؤال أعمق: هل نجعل مؤسساتنا تفكر؟ أنظمة إدارة المعرفة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ليست برنامجًا إضافيًا يُركَّب فوق الأنظمة القائمة. إنها إعادة تعريف لفكرة الذاكرة المؤسسية نفسها. كل إجراء، كل سابقة، كل اجتهاد إداري، كل خطأ تم تجاوزه، يمكن أن يتحول إلى خلية في جهاز عصبي رقمي. جهاز لا يكتفي بالحفظ، بل يحلل، ويربط، ويقترح، وينبّه. في هذه اللحظة ينتقل الموظف من دور الباحث عن المعلومة إلى صانع قرار مدعوم بالتحليل. خذ مثالًا بسيطًا: موظف مكلف بملف يتطلب الرجوع إلى نظامٍ تشريعي، والتحقق من الصلاحيات، ومراجعة حالات مشابهة، والتأكد من عدم تعارض القرار مع سياسة قائمة. في النموذج التقليدي، يقضي وقتًا طويلًا في البحث والاستفسار، وربما يعتمد على خبرة شخصية أو ذاكرة زميل. أما في ظل نظام إدارة معرفة ذكي، يكفي أن يصف المهمة ليحصل على خريطة إجرائية واضحة، والأنظمة ذات العلاقة، والتنبيهات النظامية، وخيارات مدعومة ببيانات سابقة. هنا لا نوفر وقتًا فحسب؛ نحن نوحّد منطق القرار ونرفع جودته. المؤسسات لا تتعثر عادة بسبب نقص الموارد، بل بسبب تشتت المعرفة وتكرار الأخطاء وبطء الاستجابة. المنظمة المتعلمة هي التي لا تكرر خطأها مرتين. لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، التعلم البشري وحده لا يكفي. المعرفة تتضاعف بوتيرة متسارعة، وإذا ظلت موزعة بين الأفراد، ستتبدد مع انتقالهم أو تقاعدهم. المطلوب هو تحويل التعلم من جهد بشري متقطع إلى نظام مؤسسي مستدام. المملكة قطعت شوطًا كبيرًا في التحول الرقمي. الخدمات أصبحت أسرع، والأنظمة أكثر تكاملًا، والمنصات أكثر شمولًا. لكن التحول الرقمي كان الخطوة الأولى. الخطوة التالية هي التحول المعرفي: أن لا تقتصر المنصات على تنفيذ الإجراء، بل أن تدعم صياغة القرار نفسه. كما رسخت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي حضورًا دوليًا متقدمًا في مجال حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي، وحققت هيئة الحكومة الرقمية قفزات انعكست في تقدم المملكة في مؤشرات الحكومة الإلكترونية، بينما عززت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات البنية التحتية الرقمية حتى أصبحت المملكة ضمن الدول المتقدمة في التنافسية الرقمية وانتشار شبكات الجيل الخامس. هذه المسارات ليست إنجازات منفصلة؛ إنها عناصر معادلة واحدة. هذه الإنجازات ليست جزرًا منفصلة. لكنها حتى الآن تعمل غالبًا في مسارات متوازية. الانتقال من حكومة رقمية إلى حكومة معرفية ذكية يتطلب أن تتقاطع هذه المسارات في نقطة واحدة. سدايا تملك الإطار والسياسات الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي. هيئة الحكومة الرقمية تملك معايير التكامل والتشغيل الحكومي. وزارة الاتصالات تملك البنية الممكنة والبيئة التقنية. بناء ذاكرة مؤسسية مدعومة بالذكاء الاصطناعي هو المشروع الذي يجمع هذه الأدوار في هدف واحد: أن تفكر الدولة بصوتٍ واحد. ولا أستبعد أن يكون توجهنا في بلدنا الغالي يسير بالفعل في هذا المسار. فحين تضع الدولة حجر الأساس لأكبر مركز بيانات حكومي في العالم بطاقة 480 ميجاواط، فهي لا تبني خوادم فحسب، بل تبني قدرة على التفكير. «هيكساجون» ليس مشروعًا تقنيًا بقدر ما هو إعلان عملي عن السيادة الرقمية؛ عن امتلاك القدرة على استضافة البيانات وتحليلها وتشغيل نماذجها الذكية داخل حدودها. وعندما يلتقي هذا الممكن مع الإطار الوطني للبيانات، ومع معايير التكامل الحكومي، ومع البنية الرقمية المتقدمة، يصبح الحديث عن "العقل الحكومي الذكي" انتقالًا طبيعيًا لا قفزة مفاجئة. تخيل الأثر في القطاع الصحي. مستشفى يتعلم من كل حالة علاجية، لا عبر تقارير سنوية، بل عبر نظام حي يحلل الأنماط، ويقترح بروتوكولات محدثة، وينبّه إلى المخاطر المحتملة. ليس ليحل محل الطبيب، بل ليجعل الطبيب أكثر قدرة على اتخاذ التشخيص الصحيح. وتخيل الأثر في مدينة بحجم الرياض، حين تُحلل بيانات الحركة المرورية لحظيًا، فتُقترح حلول مباشرة للازدحام خلال ثوانٍ، سواء بإعادة توجيه المسارات أو ضبط الإشارات الذكية أو إدارة التدفقات بكفاءة أعلى، قبل أن يتحول الاختناق إلى أزمة. تخيل الأثر في التعليم، حين تتحول نتائج الطلاب، وأساليب التدريس، وتجارب المدارس، إلى قاعدة معرفة ذكية تدعم صانع القرار. وتخيل الأثر في القطاعات التنظيمية، حين لا يُعالج كل ملف بمعزلٍ عن غيره، بل ضمن ذاكرة مؤسسية حيّة تستدعي السوابق، وتكشف الأنماط، وتوجّه القرار بوعيٍ تراكمي لا باجتهادٍ منفصل. لكن، وكما هو الحال دائمًا، التقنية ليست الحل السحري. الذكاء الاصطناعي لا يصحح سوء التنظيم. إذا كانت البيانات ضعيفة أو مبعثرة، ستنتج أنظمة ذكية قرارات مضللة. إذا غابت الحوكمة، قد يتحول النظام إلى مصدر مخاطر بدل أن يكون مصدر قوة. لذلك فإن مشروع أنظمة إدارة المعرفة هو في جوهره مشروع حوكمة قبل أن يكون مشروع تقنية. إنه إعلان بأن المعرفة المؤسسية يجب أن تُنظَّم وتُضبط وتُدار قبل أن تُؤتمت. العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها المعرفة أسرع من اللوائح، وأذكى من الإجراءات، وأكثر تأثيرًا من التسلسل الإداري التقليدي. المؤسسات التي تدرك هذا التحول مبكرًا تنتقل من إدارة الحاضر إلى تصميم المستقبل. أما التي تتردد، فستجد نفسها تحاول اللحاق بركبٍ لا ينتظر أحدًا. في النهاية، السؤال ليس: هل نملك الذكاء الاصطناعي؟ لقد أثبتت المملكة أنها تملك الرؤية والبنية والاعتراف الدولي. السؤال الحقيقي هو: هل سنربط هذه الممكنات لنصنع عقلًا حكوميًا موحدًا، يحفظ خبرتنا، ويتعلم منها، ويقود قرارنا القادم بثقة؟ الفرق بين دولة تُراكم البيانات وأخرى تُراكم الحكمة لا يظهر سريعًا... لكنه يظهر في لحظات التحول الكبرى. والسؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة بسيط في صياغته، عميق في أثره: هل نكتفي بأن نُدير المستقبل... أم نختار أن نصممه؟ أ.د.عبدالحكيم بن عبدالمحسن بن عبدالكريم أبابطين قسم الإحصاء وبحوث العمليات – كلية العلوم – جامعة الملك سعود