"الروح الإنسانية لا يمكن قهرها" ننطلق معا بكل تلقائية بما يراه "انتوني روبنز" ونستقل أول رحلة نحو الروح وترميمها أو تهيئتها للقادم، والذي يشبه بطريق أو بآخر إعادة ترتيب بيت قديم تسلّل إليه غبار عبر سنوات الصمت، فاستقامت عملية تبدأ من الإصغاء، والاقتراب الهادئ إلى الشقوق الصغيرة التي تركتها موجة الأيام على تلك الجدران الخفيّة في أعماق الإنسان، ولعلنا نتفق أولاً أن "الروح لا تهرم"، ونعم قد تتعب من الضجيج ومن تراكم الأصوات المتناقضة وضوضاء الجوار وحروب المحيط، ومن هنا يتعين تهيئتها وترميمها وإعادة توازنها وإصلاح المعوج ومنحها عمر أطول في حياض السلام وسلام الداخل. في داخل كل إنسان مدينةٌ غير مرئية، شوارعها ذكريات، وأبوابها اختيارات، ونوافذها أحلام مؤجلة، وحين يختلّ إيقاع هذه المدينة تتشوّه ملامحها، فيشعر المرء بثقلٍ غامض يلازمه في خطواته، وأول الطريق انتباه يعقبه استماع واستماع يورث تلمس الصوت وماهيته، وتلك الحروف المبعثرة التي تنطلق في أعماقك، وهذا كفيل بمعرفة محل النزاع بين ما يفترض وما هو كائن فتمسك الخيط الأول ليتسنى أن تخاطبك روحك باسمك الصريح وتخاطبه بالقول الفصيح. الفلسفة ترى الروح كائن لغويّ، ينمو بما يُقال له وما يُقال عنه، والكلمات المهملة أو ما يُظن أنها مهملة قد تتحوّل إلى ندوب، والعبارات القاسية تصير حجارةً مثقِلة مثقَلة، لهذا يصبح إصلاح الداخل تمرينًا على اختيار لغةٍ جديدة خاصة تفهم ما تريد أن تفهمه وتنغلق أمام مالا يستحق أن يفهم، وكأنها لغة تحرس الكرامة وتوقظ الطمأنينة، وتفتح نافذةً لمرور الضوء فقط، وتعجز أي طوفان يبعث الضد ويستهلك الحد ويقتل الود. يقال إن "الصمت الواعي يعيد ترتيب الفوضى" ويمنح القلب فرصةً للتنفّس، وهنا فرصة جديدة -بعد تجربة اللغة الخاصة - فالماضي وما حُمّل والمستقبل وما يقل، ورسائل العمل وصور الأصدقاء والتواريخ المكتنزة بالذكرى قد تعبث بحصيلة الروح، والصمت الواعي في مقعد خلفي أو أمام موجة البحر قد يخرج نسخة من تهيئة الروح أكثر نضجاً وأنضج متناً وأكثر اتزاناً. الجراح القديمة رغم أنها في حقل الذكريات إلا أنها تستحق أن تفرد بالقول ونتنصَف بالمقول، فهي تمتلك صورة العناد في أبهى صورة، وكلما أحسست أنها توارت إلى الأبد تملكتك إلى الأبد وليس لها دواء إلا أن تصنع منها مادة للبناء ومعلم يسوقك بحكمته حيث تريد أن تكون، وقد تُبارك هذا رغم مثاليته، إلا أنه ليس عن جرحك القديم منجاة إلا بذلك، على الأقل في وجهة. ترميم الروح وإصلاحها فعلٌ أخلاقي أيضًا، من خلال احترام الإنسان لضعفه فهو شرطٌ لاحترام قوته، ومن يعترف بهشاشته يفتح بابًا لشجاعته، فليس هناك كمال أسطوري، بل ضعف يوقظ قوة وقوة تحيي روحا. المشي دون هدف، وملامسة التراب، وكتابة رسالة للذات، وتمزيق رسالة الماضي، واختيار الصباح، وقهوة العزلة، وساعات المساء الهادئ، طقوس تبدو عادية إلا أنّها تشبه خيوطًا دقيقة ترتق ما تمزّق، فهذا إيقاعٍ آخر أكثر إنسانية يناسب الروح وتناسبه. العلاقة الاجتماعية جزءٌ من شفاء الداخل، ومرآتك البشرية تكشف مناطق لا تراها، فالصداقة الصادقة حديقةٌ لإعادة التوازن، والحوار العميق جسرٌ نحو فهم الذات، والمشاركة الواعية تفتت ذلك المثقل، وقل كذلك في كل علاقة متوازنة قادرة على تمزيق السواد بخيط البياض. متلازمة الروح وحياتها عدم استعجال الثمرة فالزمن شريكٌ أساسي فيما تخطو، والعجلة قاتلة الخطوة، وبارك الله الخطى الثابتة المتواصلة. ختاماً.. ستبقى رحلة ترميم الروح طويلة ولكل روح فلسفتها في تنقيتها، ولكن لعل ما مررنا به نافذة تفتح الأفق وبداية في مدارج السمو، ولا ننسى أن الروح تتعامل مع العالم بمرونة العارفين وكل تجربة نواة للحكمة وهذا كفيل باستحالة قهرها وصعوبة كسرها.