في النصف الثاني من شهر شعبان، تشهد الأسواق الغذائية في المملكة حالة من النشاط الاستثنائي، حيث تتوافد الأسر بكثافة على "السوبر ماركت" ومحلات التموين، وسط سيل من الإعلانات والعروض الترويجية، في مشهد يتكرر كل عام ويثير التساؤل حول دوافعه الحقيقية وجدواه. وعلى الرغم من وفرة المنتجات الغذائية في الأسواق، وعدم وجود أي نقص يذكر في المواد الأساسية، إلاّ أن هذا الزحام يتحول في كثير من الأحيان إلى عبء على المستهلكين والعاملين على حد سواء، دون أن تكون هناك حاجة فعلية لكل هذا التكدس والشراء المسبق. وترى نورة القحطاني أن الزحام في نهاية شعبان يمثل فرصة للاستعداد النفسي والعملي لشهر رمضان، قائلةً: أحب أن أجهز كل شيء مسبقاً حتى أتفرغ للعبادة والعبادات الاجتماعية في رمضان. وأشار خالد الزهراني إلى أن كثيراً من الأسر تبالغ في الاستعداد، ونلاحظ أن الزحام يختفي تقريباً في اليوم الثاني أو الثالث من رمضان، وهذا دليل على أن الكميات التي تم شراؤها قبل الشهر كانت كافية وربما زائدة عن الحاجة. وقالت سارة الحربي: لا يوجد نقص في أي منتج، والأسواق تعمل على مدار الساعة، ومع ذلك نجد أنفسنا نندفع للتسوق وكأننا سنواجه أزمة تموين، أعتقد أن هذا السلوك يحتاج إلى وعي أكبر وتغيير في الثقافة الاستهلاكية. من الناحية الاقتصادية، أوضح د. فهد الشمري -أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك سعود- أن هذا الزحام الموسمي يعود إلى عدة عوامل متداخلة، من بينها الحملات التسويقية المكثفة التي تطلقها المتاجر الكبرى في هذه الفترة، إضافةً إلى العادات الاجتماعية المتوارثة، مضيفاً: من الناحية الاقتصادية، يستفيد تجار التجزئة بشكل واضح من هذا الإقبال، حيث ترتفع المبيعات بشكل كبير، لكن على مستوى الاقتصاد الكلي، لا يمكن اعتبار هذا السلوك مثالياً، لأنه يؤدي إلى تركز الإنفاق في فترة زمنية قصيرة بدلاً من توزيعه بشكل متوازن. وشدّد د. الشمري على أن التخطيط المالي الأسري يلعب دوراً مهماً في ضبط هذا السلوك، مشيراً إلى أن الشراء بكميات معتدلة وعلى فترات متقاربة يسهم في تقليل الهدر الغذائي، ويخفف الضغط على سلاسل الإمداد، حتى وإن كانت هذه السلاسل قوية وقادرة على تلبية الطلب. من جانبه، فسّر د. عبدالله السهلي -أستاذ علم الاجتماع- هذه الظاهرة من منظور اجتماعي ونفسي، موضحاً أن المجتمع يتعامل مع شهر رمضان باعتباره حدثاً اجتماعياً وثقافياً كبيراً، وليس مجرد فترة دينية، مضيفاً أن الاستعداد لرمضان لا يقتصر على الجانب الروحي، بل يمتد إلى نمط الحياة اليومي، بما في ذلك الطعام والضيافة واللقاءات العائلية، وهذا يجعل الناس يشعرون بحاجة إلى الاستعداد المسبق بشكل مكثف، حتى وإن لم تكن هناك حاجة موضوعية لذلك، مؤكداً على أن تعزيز ثقافة الشراء حسب الحاجة، والتخطيط المسبق للوجبات، والتقليل من الهدر الغذائي، كلها خطوات يمكن أن تسهم في الحد من هذه الظاهرة دون الإضرار بمظاهر الفرح والاستعداد التي تميز الشهر الكريم.