يُعدّ مفهوم الفضاء العام من المفاهيم المحورية في الفكر السياسي والاجتماعي الحديث، إذ يمثل المجال الذي يلتقي فيه الأفراد بوصفهم أعضاء في مجتمع واحد، لا باعتبارهم ذواتاً خاصة فقط، بل بوصفهم فاعلين في حياة مشتركة. ويقوم هذا المفهوم على قاعدة يمكن وصفها بكونها علاقة تناسب عكسي بين حجم الفضاء ودرجة الحرية الفردية. فكلما اتسع الفضاء العام، بوصفه مجالاً مشتركاً، تقلصت حرية الفرد المطلقة، وكلما ضاق هذا الفضاء واقترب من المجال الخاص، اتسعت دائرة الحرية الشخصية. ففي المجال الخاص، كالمنزل أو الحيز الشخصي الضيق، يتمتع الإنسان بأعلى درجات الحرية في السلوك والتعبير، ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين. أما حين ينتقل الفرد إلى الفضاء العام -كالشارع، ووسائل النقل، والمؤسسات العامة، والاجتماعات المفتوحة- فإن حريته لا تُلغى، لكنها تُقَيَّد بضوابط التعايش واحترام الآخر. فالمكان هنا مشترك، والحقوق متداخلة، ولا يمكن لأي فرد أن يتصرف وفق ما يراه مناسبًا من وجهة نظره الخاصة فقط، متجاهلًا أثر فعله أو قوله في الآخرين. وتحضرني هنا مقولة الفيلسوف جون ستيوارت ميل في كتابه عن الحرية أن حرية الفرد تنتهي عند النقطة التي تبدأ فيها حرية الآخرين، مؤكدًا أن المجتمع من حقه أن يقيد بعض الأفعال الفردية إذا ترتب عليها ضرر عام. هذا التصور ينسجم تماماً مع فكرة التناسب العكسي؛ فكلما زاد عدد المتشاركين في الفضاء، زادت احتمالات الضرر المتبادل، وبرزت الحاجة إلى التنظيم والضبط الذاتي.. فالإنسان في الفضاء العام لا يمثل نفسه فقط، بل يعكس مستوى الوعي الأخلاقي والثقافي للمجتمع الذي ينتمي إليه.. ومن هنا، يصبح ضبط السلوك واحترام التنوع والاختلاف شرطًا أساسيًا لاستمرار هذا الفضاء دون صراع أو فوضى. وتكمن أسباب هذا التقييد النسبي للحريات في الفضاء العام في عدة عوامل؛ أبرزها: حفظ السلم الاجتماعي، وضمان شعور الجميع بالأمان والاحترام، ومنع هيمنة ذوق فرد أو قناعة شخصية على المجال المشترك. فالحرية في بعدها الاجتماعي ليست فعلًا فرديًا معزولًا، بل علاقة متبادلة تتطلب قدرًا من التنازل المتبادل. وفي تقديري، لا يُعدّ هذا التقييد انتقاصاً من الحرية وقيمتها، بل هو تعبير عن نضجها.. فالحرية الحقيقية لا تُقاس بقدرة الفرد على فعل ما يشاء في أي مكان وزمان، بل بوعيه بحدود فعله وبمسؤوليته تجاه الآخرين. وكلما أدرك المجتمع هذه القاعدة، ازداد اتساع فضائه العام أمناً، وإن ضاقت فيه الحرية الفردية المطلقة، لكنها اتسعت أخلاقياً وإنسانياً.