الاستقطاب البشري إرادي وغير إرادي.. هكذا تتشكل المدن المعاصرة، فهي لا تعبأ بمن تكون بل بما تملك.. فنحن لسنا مثل الطيور التي تجتمع بعفوية وتطير في أسراب جماعية وتبني حدودها الإقليمية وتحميها بشكل جماعي، بل تحولنا إلى "أفراد"، وصرنا نصنف أنفسنا في سلم طويل، وصار البعض يبني جدرانًا عالية حتى لا يستطيع من في أسفل السلم الصعود للأعلى.. يشير العنوان إلى مثل عربي قديم، غالبا ما يوظف للتعليق على حالة درامية اجتماعية عندما يجتمع الأشرار والخبثاء مع بعضهم البعض، ولا أعلم لماذا لا يستخدم عندما يجمع الأخيار مع بعضهم، أو ربما أنه يقال في حاله اجتماع الأخيار لكن في نطاق ضيق جدا. في الحياة الاجتماعية العربية تولد الأمثال التي تصف الحالة السلبية بشكل واضح فيقال "وافق شن طبقه"، هو قول مشابه تقريبا لاجتماع الأشباه الذين يملكون نفس الخصائص الأخلاقية. أحد الأمثلة المصرية المعروفة هو "أتلم المتعوس على خايب الرجا"، ويبدو أن فكرة تجمع الأشباه هي ظاهرة إنسانية عميقة لا تتطلب سعيا وتخطيطا؛ بل إن المتشابهين سوف يجتمعون مهما طال الوقت لأنهم يملكون نفس الخصائص التي تجعلهم يتناغمون مع بعضهم البعض. لفت نظري لهذه الملاحظة زيارتي مؤخرا لمحمية طيور، خصوصا عندما وجدت أن الطيور ذات الفصيلة الواحدة تتجمع مع بعضها البعض، وهذا أمر طبيعي نشاهده كل يوم. الطيور المحمية مهاجرة في الأساس وهي في حديقة كبيرة مغطاة بشبك، أي أنها لا تستطيع مغادرة المكان لكن تستطع الطيران داخله، وكل مجموعة متكتلة في مكان خاص بها، أي أنها خلقت مكانها الخاص، وهذا معروف في عالم الحيوان فكل مجموعة تحدد أقاليمها Its Territory، لكن اللافت في الموضوع أن الطيور المهاجرة في الخارج صارت تتوقف عند فصائل الطيور المشابهة لها داخل المحمية، رغم أنها لا تستطيع الدخول، وتقف فوق الشبك وتتجاذب النظرات وربما الحديث مع تلك التي في الداخل. فعلا "الطيور على أشكالها تقع"، إذ يبدو أن المخلوقات كلها تملك فطرة داخلية للتجمّع في مجموعات متشابهة وتشعر أن حياتها مستمرة بوجودها مع تلك المجموعة المشابهة لها. عندما فكرت في الإنسان كمخلوق يملك "الفطرة" ويملك "العقل" ولديه "إرادة الاختيار"، كيف شكل حضارته وفق الرغبة في العيش مع الشبيه، وجدت أن هذه الظاهرة أساسية تبناها البشر الأوائل في تنظيم حياتهم. يمكن أن نشير هنا إلى الآية الكريمة في سورة الحجرات "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"، فهذه الآية تشير بوضوح أن البشر لديهم رغبة فطرية في خلق "السلالات" وهذه السلالات إما أن تتكون عن طريق الدم أو عن طريق التحالف، وهي ذاتها المسؤولة عن تكوّن الأعراق. إذا البشر لا يختلفون كثيرا عن باقي المخلوقات الحية في رغبتهم الدائمة في العيش مع "الشبيه"، وهذه ظاهرة بُنيت حولها الحضارات الإنسانية ودفعتها إلى التنوّع، فالبشر مجبولون أولا على خلق مجموعات متشابهة، وثانيا على خلق ثقافة خاصة بكل مجموعة، وهذا التلازم هو الأساس الذي قام عليه التنوع البشري. إذا عندما تقع الطيور على أشباهها، فهذا أمر متوقع وليس فقط كما يصوره البشر، أن الأشرار هم الذين يجدون بعضهم بعضا، بل إن كل مخلوق وكل إنسان يبحث عن شبيهه الذي يأمن له ويمكن أن يتعايش معه. هل يمكن أن نقول إن البشر لا يزالون يبحثون عن أشباههم مع تطور المجتمعات الإنسانية وتحوّلها إلى مجتمعات كونية؟ هذا السؤال، يمثل أحد التحديات التي تواجه دراسات "مجتمع المدينة"، بعض الدراسات أثبتت أن المدن الكبرى القائمة على وجود مجموعات اجتماعية متنافرة تحدث داخلها حالات استقطاب هادئة، فعند مرور برهة من الوقت، قد تصل إلى عقود، يعيد مجتمع المدينة ترتيب نفسه وتتشكل مجموعات اجتماعية متناغمة نتيجة للهجرات الداخلية في المدينة، فالطيور البشرية على أشكالها تقع. فمثلا حي "هارلم" في منهاتن بنيويورك كان حيا عاديا في المدينة، ثم حدثت حالة استقطاب من قبل الأميركيين الأفارقة واشتهر الحي بوجودهم، رغم أنه في الأصل يتبع منهاتن الهولندية، لكن ارتفعت أسعار العقارات قليلا فحل محلهم تدريجيا "الهسبانك" المهاجرون من أميركا اللاتينية، وقد كان استقطابا تدريجيا، والآن تعمل جامعة "كولمبيا" على امتلاك أكبر مساحات من الحي لأنه يمثل الساحة الخلفية للجامعة ومسرح حركة الطلاب ويمكن تحويله إلى مشروع استثماري مجدٍ. لعلنا نضيف عنصرا آخر مهما في حالة الاستقطاب الاجتماعي البشري، وهو "الاقتصاد"، إذ يبدو أن التشابه بين البشر ليس فقط في "العرق" أو "الثقافة" أو "الدين"، بل إن الحالة الاقتصادية تلعب دورا مهما. في المدينة العربية التاريخية كان الاستقطاب قبليا عائليا، لكنه كان كذلك حرفي فمجموعات الحرفيين كانوا يسكنون نفس الحي، وهذا يجعلنا نقول إن البشر يبحثون عن أي "خيط" يمكن أن يجمعهم بالآخر ليشكلوا مجموعة بشرية متجانسة. من الواضح أن البشر، خلافا للمخلوقات الأخرى، لديهم أسبابهم الخاصة للانخراط في المجموعات البشرية الشبيهة لهم، فالعرق أحد الأسباب وكذلك الثقافة والدين والحرفة وغيرها، لكن هناك أسبابا خارجة عن إرادتهم وهي مرتبطة بالحالة الاقتصادية، إذ غالبا ما يُجبر الفقراء على العيش في أحياء فقيرة غير مخدومة، وغالبا ما يتم رفع أسعار الأحياء الغنية حتى لا يخترقها أحد من الطبقات الفقيرة. الاستقطاب البشري إرادي وغير إرادي.. هكذا تتشكل المدن المعاصرة، فهي لا تعبأ بمن تكون بل بما تملك.. فنحن لسنا مثل الطيور التي تجتمع بعفوية وتطير في أسراب جماعية وتبني حدودها الإقليمية وتحميها بشكل جماعي، بل تحولنا إلى "أفراد"، وصرنا نصنف أنفسنا في سلم طويل، وصار البعض يبني جدرانا عالية حتى لا يستطيع من في أسفل السلم الصعود للأعلى.