مما ينشر السكينة في المجتمع المسلم اصطفافه خلف ولي الأمر، والتزامه بواجب السمع والطاعة، والاستعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن الوطن في كل المجالات، والابتعاد عن البدع والتحزّبات التنظيمية؛ فإنها أول سهمٍ غُرز على أيدي الخوارج في جسم الاستقرار المجتمعي لهذه الأمة.. النفسُ البشريَّة محورُ الحياة وقوامُها؛ فأولى الأولوياتِ العنايةُ بنقائها وسلامتِها، وإبعادُ جميع الآفاتِ عنها حسب القدرة والإمكانِ، وهذا أساسٌ لصلاحِ المعاش والمعادِ، فمن صان نفسَه كما ينبغي أفلح في مساعيه، وانساقت مصالح الدارين له، ومن امتهنَها ولم يعرف قيمتَها كانت الخيبة حليفه، ولم تخل أحواله من الخلل والاضطراب، ومصداق ذلك قوله تعالى عن النفس: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها)، وقول النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)، متفق عليه من حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله تعالى عنهما، والعناية الروحية والمعنوية التي تحتاج إليها النفس لا تعارض بينها وبين العناية الماديّة التي يحتاج إليها البدنُ، بل إن الأولى شرطٌ لحصول الجدوى المرجوّة من الثانية، فمن حُرم الاستقرارَ النفسيَّ، وطمأنينةَ البال لم يذق حلاوة الحياة، ولم يزل تتقاذف به هواجس القلق، وسيطول بحثه عما يدفع به تلك الهواجس ما لم يهتد إلى وسائل السعادة النفسيّة، وصدق من قال: يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَسْعَى لِخِدْمَتِهِ أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ فِيمَا فِيهِ خُسْرَانُ أَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا فَأَنْتَ بِالرُّوحِ لَا بِالْجِسْمِ إنْسَانُ ولي مع الاستقرار النفسي ووسائله وقفات: الأولى: الاستقرار النفسيُّ هو المنطلق الذي ينطلق منه الإنسانُ إلى سائر أنواع الاستقرار، فكلٌّ من الاستقرار الأسريِّ والوظيفيِّ والماديِّ بحاجةٍ إلى استقرار الفردِ نفسيّاً؛ أما الاستقرار الأسري والوظيفي؛ فلأنَّ الفرد إذا استقرت نفسيّتُه، انضبطت تصرّفاته، وكان أهلاً لتحمُّل مسؤوليات الحياة، وعرف كيف يوازن بين المصالح والمفاسدِ، وأدرك أنَّ الحسناتِ تُذهب السيّئاتِ، وبهذا يمكنه أن يؤدّي ما عليه من المهامِّ، وأن يستوفيَ ما له من الحقوق، وبهذا تسكن إليه نفوسُ الذين يخالطونه، ويشعرون أنّهم مع الشخص المناسبِ، ومعلومٌ أن هذا الشعور مما تحتاج إليه الأسرة لتكون سعيدةً آمنةً منتجةً، ومما تتطلّبه الوظيفة لتستقرَّ، وأما الاستقرار الماديُّ فلأنَّ كسبَ المالِ بوسائلَ سائغةٍ شرعاً ونظاماً يحتاج إلى فطرةٍ نقيَّةٍ، وإجمالٍ في العملِ، وضبط النفسِ عن أن يزجَّ بها الجشعُ، ومحبةُ الكسب السريع في مخالفاتٍ تُفضي بصاحبها إلى تبعاتٍ كبيرةٍ، وأنّى يستطيع هذا من لم يعوِّد نفسَه على الطمأنينة والاستقرار، ثم إن الكسبَ النظيف يجب أن يوازيه حفظٌ للموجود بدونِ تضييعٍ له، ولا تقتيرٍ على النفسِ والأسرةِ يكون به الكاسبُ المليء كأنه فقيرٌ، وتكون أسرتُه في ضيقٍ ونكدٍ، ويتحوَّل ما يظنّه الناسُ سعادةً إلى شقاءٍ، ومعلومٌ أنَّ من الصعبِ سلوكَ الطريق الوسط بين الإسراف والتبذيرِ؛ لأنّ في ذلك ترويضَ النفس على الاعتدالِ، وهذا من الصفاتِ الحميدةِ التي وصف الله تعالى بها عبادَه في قوله: (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً). الثانية: من المهم أن يعرف الإنسان جوالبَ الاستقرار النفسيِّ، وأن يجتهد في الأخذ بها، وألا يفرِّط فيما قَدَرَ عليه من ذلك، وأهمّها الإيمانُ باللهِ تعالى وإخلاصُ العبادةِ له، فلا نقاءَ ولا طمأنينةَ لنفسٍ إلا بهذا، والسكينة النفسيّةُ جزءٌ من الأمن الذي وُعدَ به المؤمنون في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)، كما أنَّ من جوالبِ الاستقرار النفسيِّ ذكر الله تعالى، فإنَّه حصنٌ من الشيطانِ الخنّاس الذي يبتعد عن الذاكرِ؛ ولهذا قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، ومنها عدم مقارنة المرءِ نفسه بمن فوقه؛ فإن تفاوتَ الناس قدرٌ كونِيٌّ، ومن ربط سعادتَه بعدم امتياز غيرِه عليه جعلها عرضةً للقلق، وقد أرشد النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ما يجلب الاستقرارَ في هذا الصدد، ففي حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) أخرجه مسلم. الثالثة: الاستقرار النفسيُّ كما هو مطلوبٌ على مستوى الفرد فهو مطلوبٌ على مستوى المجتمع، ومما ينشر السكينة في المجتمع المسلم اصطفافه خلف وليِّ الأمر، والتزامه بواجب السمع والطاعة، والاستعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل الدفاعِ عن الوطنِ في كلِّ المجالات، والابتعاد عن البدعِ والتحزُّباتِ التنظيمية؛ فإنها أول سهمٍ غُرز على أيدي الخوارج في جسم الاستقرار المجتمعي لهذه الأمة، كما أن من أسباب الاستقرار المجتمعي تحلي الموظفين بروح الوطنيّة والبعد عن الفساد؛ فإنه سُوسٌ ينخر في جسد الدول التي يستشري فيها، وإذا تغلغل في مؤسسات دولة فقدتْ تدريجيّاً صفة الدولة الحقيقيّة، وكذلك من أسباب الاستقرار المجتمعيِّ تكاتُف المجتمع وقيامه في صف الدولة في مكافحة انتشار المخدراتِ؛ فإنّ انتشارها كارثةٌ على المجتمع، وهو من أخطر المعضلاتِ الأمنية.