«وباعتقادي إن أول الأعداء الواجب التصدي لهم في هذه المواجهة ليسوا الأعداء الخارجيين، إذ يتمثل العدو الأخطر فيما يستشري في كثير من بلداننا العربية من أزمات اقتصادية واجتماعية كالفقر والجهل والبطالة ونقص الخدمات» {جوهر السياسة لدى شميت هو التمييز الحاسم بين الصديق والعدو ومواجهة هذا العدو، حيث يمثل العدو كل جماعة تشكل تهديداً وجودياً} تشهد المنطقة العربية حالةً من السيولة الاستراتيجية والجيوسياسية التي تتزايد يوماً بعد آخر وتنتقل من دولة إلى أخرى، والتي تصنع على أعين الولاياتالمتحدة الأميركية،التي يبدوا تماهيها تماماً مع مخططات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، حتى قد لا نكاد نلمح أرضاً صلبة تقف عليها الأرجل بثبات بالعديد من دول المنطقة. ولا يخفى على المتابع ما تتسم به هذه الفترة من تحولات سريعة وعدم استقرار لدى العديد من دول المنطقة وتداخل الأزمات الإقليمية والدولية، بما قد يمهد لإعادة تشكيل المنطقة بأثرها، وهو ما يحوج دول منطقتنا العربية إلى الاقتراب من بعضها البعض والاتحاد والترابط واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها وإيثار ذلك على رهانات خاصة وزعامات متوهمة قد تسبب أضراراً كبيرة تمس مصالح الإقليم بأكمله وأن تحدد منطقتنا مَن عدوها الحقيقي ومَن الصديق. في كتابه الشهير «مفهوم السياسي»، يخرج المفكر الألماني كارل شميت عن التعريف التقليدي لمفهوم السياسة من كونها مجرد إدارة شؤون الناس أو المنافسة بين الأحزاب ليشدد على أنها في حقيقتها هي لحظة القرار الحاسم، اللحظة التي تدرك فيها الجماعة أن هناك «آخر» يهدد بقاءها فتقرر مواجهته، فجوهر السياسة لدى شميت هو التمييز الحاسم بين الصديق والعدو ومواجهة هذا العدو، حيث يمثل العدو كل جماعة تشكل تهديداً وجودياً، وهذا التمييز هو الأساس للحفاظ على هوية الجماعة وسلامتها ضد «الآخر»، فالعدو هو من يمثل النفي الوجودي لوجودنا، وقد يصل بالجماعة التدرج في مواجهته إلى الذروة عبر الحرب والقتال، وهنا السياسة تكمن في القدرة على تحديد هذا العدو، وعلى كل حال فتمييز شميت بين الصديق والعدو يظل أداةً تحليليةً قوية لفهم السياسة كصراع وجودي، لكنه يحمل مخاطر كبرى إذا أُسيء استخدامه. وفي هذا السياق، فدولنا العربية بحاجة إلى التكتل ورسم سياسات خارجية للدفاع عن مصالحها وإدارة خلافاتها وتأمين نفسها من التهديدات والمخاطر وتحديد خصومها ومعايير ودرجة ذلك وتقييم تهديداتهم وأولويات مواجهتهم وتعدد مداخل هذه المواجهة، وكيفية إدارة العلاقة معهم، واستغلال كافة الوسائل والإمكانات لخفض التوترات وتحقيق الأهداف وتوظيف المصالح المشتركة كجسر لتجاوز الخلافات السياسية. وباعتقادي إن أول الأعداء الواجب التصدي لهم في هذه المواجهة ليسوا الأعداء الخارجيين، إذ يتمثل العدو الأخطر فيما يستشري في كثير من بلداننا العربية من أزمات اقتصادية واجتماعية كالفقر والجهل والبطالة ونقص الخدمات، والذي تلجأ معه كثير من أنظمة هذه الدول إلى خلق أعداء خارجيين أو داخليين وهميين ليتحول مفهوم العدو إلى أداة للإلهاء يحقق لهم أهدافاً متعددة كتعزيز التماسك الوطني، وتبرير تجاوز القوانين باسم الأمن، وإسكات كل صوت مخالف وتغطية الفشل في الإدارة. هذا هو العدو الحقيقي والذي أشارت إليه أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة بالعدو الداخلي والمتمثل في الفقر، الجوع، ضعف الصحة والتعليم، عدم المساواة بين الجنسين، البطالة، والفساد. ففي المنطقة العربية يعاني ملايين الشباب من نقص الفرص، ما يجعل عدم تحقيق هذه الأهداف مثل «القضاء على الفقر» أو «السلام والعدالة» هو التهديد الأكبر للاستقرار، ويكون خطره أعظم كثيراً من خطر الأعداء الخارجيين، هذا فضلاً عن الأعداء والمخاطر الطبيعية من الجفاف والفقر المائي والنزاعات حول الأنهار الدولية ،وكذلك مخاطر التصحر وتدهور الأراضي والزحف الصحراوي وتغير المناخ وموجات الحرارة المتطرفة والفيضانات والعواصف المفاجئة بما يهدد الأمن المائي والغذائي. في هذا المضمار، استبقت المملكة العربية السعودية جيرانها نحو استراتيجية شاملة للتنويع الاقتصادي والإصلاحات الاجتماعية، إذ أحدثت السعودية قفزة نوعية غير مسبوقة منذ عام 2016 من حيث شمولية الإصلاحات الاجتماعية وتمكين الشباب والمرأة وسرعة وتيرة التحول الاقتصادي المعتمد على التقنية والصناعات الثقيلة والسياحة العالمية والخدمات المالية واللوجستيات والتجارة الدولية بدلاً من الاعتماد الكلي على النفط، مع ما تطلبه ذلك من تغيير هيكلي في القوانين والمنظومة الثقافية عبر توفير نموذج منفتح تقليدياً ومستقر اجتماعياً في إطار رؤية المملكة 2030، مما جعلها اليوم في طليعة هذا الحراك الإقليمي، إدراكاً من قيادتها الحكيمة أن هذا التحول وهذه الإصلاحات باتت ضرورة لاستدامة الدولة وتلبية تطلعات وطموحات الأجيال الشابة الحالية مع المحافظة على موروثنا الثقافي وهويتنا. وعلى الصعيد السياسي، تقود المملكة حراكاً لا يهدأ بهدف إطفاء الحرائق المشتعلة في المنطقة وتصفير المشكلات نحو استقرار المنطقة من لبنان إلى سورية واليمن والسودان والصومال، بل واتخاذ مواقف حازمة في مواجهة بعض المخططات الهادفة إلى التمدد الانفصالي وتقسيم دول الجوار وتهديد أمنها القومي، كما نجحت خلال الأيام الماضية في إثناء الولاياتالمتحدة حتى الآن عن توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، مخيبةً أمل نتنياهو في إدخال المنطقة بأثرها في الفوضى وتدفق اللاجئين وتشجيع الحركات الانفصالية، إدراكاً منها لمخططاته في محاولة تفتيت العالم العربي ما بين الاستقواء على سورية وتوجيه الضربات العسكرية لها بحجة حماية الأقليات من الدروز وغيرهم فضلاً عن دعمهم عسكرياً، إلى محاولة تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه بغزة والضفة أو دعم مليشيات الدعم السريع بالسودان أو الزبيدي في جنوب اليمن وليس أخيراً اعترافها بإقليم «أرض الصومال» كدولة ذات سيادة. ختاماً وفي سياقنا العربي، فباعتقادي أن المنطقة العربية بحاجة إلى التوحد خلف قيادة المملكة في جهودها لتحقيق الاستقرار بالمنطقة وإلى تبني سياسة مسؤولة تعيد ترتيب الأولويات نحو التنمية المستدامة والإصلاح، فلسنا بحاجة إلى الإجابة على تساؤل «مَن العدو؟» فحسب، بل «كيف نحدده بمسؤولية؟»، فحين تتداخل التحديات الإقليمية مع الضغوط الداخلية بالعديد من دول المنطقة، يجب أن يركز الفعل السياسي على «العدو الحقيقي» وهو الفقر المزمن، والتفاوت الاجتماعي، وضعف المؤسسات والفساد، لنكون حينها جاهزين للتصدي لأعدائنا الخارجيين، ومحاربة هذه التهديدات ليست واجباً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية للاستقرار طويل الأمد وبناء مجتمعات أقوى لا أكثر انقساماً. * أستاذ زائر في جامعة أريزونا، توسان، الولاياتالمتحدة، ومستشار في الجامعة الأميركية ببيروت. مؤلف كتاب تحول المملكة العربية السعودية: عدم اليقين والاستدامة (رودليج)