دائمًا للأشياء الأولى وهجها وعذوبتها ونعيمها، فهي لم تتجاوزنا بصمت بل سكبت علينا ضجيجًا من العاطفة والحنين والأمان، الأشياء الأولى تلتصق بالذاكرة، تتربص بالشعور، وتعانق الأشياء بعمق، البيت الأول لم يكن جدرانًا صامتة، والطريق الأول لم يكن مسافة، والصديق الأول لم يكن مصادفة، كل تلك البدايات وغيرها تبدو متفردة ومختلفة لأنها وُلدت قبل الحذر، وقبل الحسابات، وقبل أن تعبث بنا الأحداث، الأشياء الأولى تعد وسائط ثقافية يتم من خلالها نقل القيم والمعاني والمعرفة، تعد الدروع التي نواجه بها شراسة الحياة، تعد الحدث المهم في تشكيل شخصية الإنسان وبناء منظومته النفسية والاجتماعية، وربما هي اكتسبت تلك القيمة في حياتنا لكونها مرجعًا نقيس به ما يأتي بعده، وكونها محمّلة بدلالات عاطفية قوية يصعب محوها أو تعويضها، فهي بؤرة أساس في تشكيل الذات الإنسانية، وفي تعاطي الفرد مع المجتمع سواءً كانت بأثر إيجابي أو سلبي، وأيًا كانت مخرجاتها هي تلعب دورًا مهمًا في المخططات المعرفية التي يحدد الإنسان من خلالها قدراته، ورغباته، ويعد هذا الارتباط بين الإنسان وأشيائه الأولى ظاهرة نفسية، وإنسانية عميقة لأنها تعكس طبيعة الذاكرة والعاطفة وتساهم في تكوين الهوية، فالدماغ يدون التجارب باعتبارها مرجعًا أساسيًا لما هو مألوف، وآمن، فمع المواقف والتسارع الزمني يصبح التعلّق بها نوعًا من البحث عن الطمأنينة والهرب من عالم سريع التغيّر، لذلك نحن نبحث عن أول نجاح وعن أول تجربة، وعن أول لعبة، وعن أول طريق، وعن أول حلم، وحتى أول خيبة، نبحث لأن البدايات دائمًا براقة، ولأن شعورنا نحوها جديد، ولأن الحكايات مازالت طرية، الأشياء الأولى تداهمنا، تثير المشاعر الكامنة، تحرك الأحداث الصامتة، تحفر في التفاصيل، وتجعلنا في قيدها.