من الرواد الأوائل، معلم وكاتب ومفكر إسلامي ورائد صحفي، ومن حسن الحظ أنه كتب مذكراته وسيرة حياته بعنوان: «هذه حياتي»، وكتابه الآخر «أشخاص في حياتي»، فهذا كان اعتمادنا على ما حرره في هذا السيرة، إنه الأديب والرائد التربوي والتعليمي والصحفي حسن كتبي -رحمه الله-، الذي كانت له الريادة في التعليم والصحافة، بل وفي الإدارة المصرفية المالية، حتى تولى وزارة الحج والأوقاف في عهد الملك فيصل -رحمه الله-، وله إسهام ثقافي وأدبي، فلقد كان قلمه سيالاً تجلى ذلك في مؤلفات متنوعة، منها السيرة الذاتية كما ذكرت آنفاً وأخرى في الأدب، كما أنه كتب مقالات صحفية حينما كان رئيس تحرير صوت الحجاز وجُمعت هذه المقالات فيما بعد، وأشاد به العلامة أحمد عبدالغفور عطار -رحمه الله- حينما ألف شخصيتنا كتابه (الأدب الفني). ولد حسن كتبي 1329ه بالطائف وتوفيت والدته، وهو لا يزال صغيراً جداً وقد جسّد هذا الفقد في مذكراته هذه، ونشأ في مجتمع محافظ جداً حتى أنه يتخيّل أن هناك دائماً أعين تراقب حركاته وسكناته، ويبرر شخصيتنا هذا أنها تقاليد شاملة في المأكل والملبس والكلام والحركات، فضلاً أنها تقاليد مصبوغة بصبغة يتحكم فيها سلطان الأخلاق وسلطان الدين وسلطان البيت المشبع بهذه الروح. وتلقى شخصيتنا أبجديات تعليمه في مدرسة الفلاح، حيث فتحت له مفاتيح العلوم وأشرعت له أبواب المعرفة في تلك المدرسة التي أسسها المحسن الكريم محمد علي زينل -رحمه الله-، حفظ القرآن وتعلم من العلوم التفسير والحديث والفقه وأصوله، وتعلم على أيدي أساتذة تقمصت فيهم أرواح قدماء المؤلفين، وإن كانوا يعيشون هذا العصر، لكن أرواحهم وتفكيرهم راسخ القدم هكذا كان انطباع شخصيتنا نحو معلميه في مدرسة الفلاح. إلى الهند وصّور حسن كتبي -رحمه الله- الصعوبات التي واجهته حينما كان يدرس هذه العلوم وكان مقرر عليهم حفظ جمع الجوامع، يقول: وكنت أبذل مجهوداً عنيفاً حتى أتمكن من القدرة على قراءة عبارات ذلك اللغز المعقد قراءة صحيحة، مضيفاً: وكان أسمى أمل لي في الحياة أن أجدني في يوم من الأيام في المسجد الحرام وحولي هالة من الطلبة الذين يخطئهم العد في أيديهم كراريس العلم، ويواصل في سرد ذكرياته في التعليم: حتى يأتي الفرج من الله حيث أُرسل مع مجموعة من التلاميذ إلى الهند ليكملوا تعليمهم هناك في مدرسة الفلاح التي بناها المحسن محمد علي زينل، وهذا فرع لها، خلال ثلاثة أعوام حتى عام 1352ه. ووصف حسن كتبي حياته التعليمية في الهند والبرنامج الدراسي وإن كان لا يختلف كثيراً عن دراسته في جدة إلاّ أن فيها مادة اللغة الإنجليزية واللغة الأردية، وكان البعض من زملائه يطمح في دراسته الطب والهندسة، أمّا شخصيتنا فلقد تأقلم مع هذا البرنامج الدراسي وبدت آفاق من المعرفة حينما كان يدرس ويقرأ شعر أبي العلاء المعري الثائر على الحياة وعلى الناس، ثم قرأ كذلك شعر المتنبي وابن الرومي، ولكن المتنبي ذلك الشاعر الأسطورة عقد معه شخصيتنا صداقة لا تنقطع ورفقة قوي وثاقها، وألف فيها. طموح وخيبة وتنتهي رحلة الهند التي مرّ بها حسن كتبي -رحمه الله-، فكانت تجربة فريدة في حياته، واختتم هذه الرحلة بوصية الوجيه محمد زينل حينما خصه وأخاه سامي بحديث أوضح فيه جهوده في توعية النشء وتعليمهم، وأنه مرت عليه عوائق وعقبات وحرب نفسية إبان تأسيسه لمدارس الفلاح، وهو مع ذلك لم ينثني عزمه بل زادته إصرار وقوة ثم عاهده شخصيتنا أن يشتغل بالتعليم. عاد حسن كتبي والعود كله أحمد ونفذ وصية أستاذه الروحي الحاج الوجيه محمد زينل، وقد كان ذا تجديد وطموح في إصلاح عملية التعلم، وأنه يجب على المعلم أن يواكب العصر الذي يعيشه من تقدم وتطور وتحديث، وأن تكون هذه المواد الدراسية التي تدرس للطالب جزء من حياته وربطها بالواقع الذي يعيشه، لكنه اصطدم بمدير المدرسة الذي كان تقليدياً وأنزوى في منزله يقرأ كتب التربية وعلم النفس. ميدان جديد وتعين حسن كتبي -رحمه الله- رئيس تحرير صحيفة صوت الحجاز -البلاد السعودية-، وهذا ميدان جديد لأول مرة يخوض فيه بعدما هيأ نفسه وعقليته وطاقته لأن يكون معلماً مربياً، لكن أُقحم في هذا العالم عالم الصحافة، ولكن لم ترق له كثيراً لكنها تجربة، وهو لم ينقطع عن الصحافة بعد ذلك. استقال شخصيتنا من الصحافة، ولقد كان من حسن الحظ أن صالح شطا آنذاك عرض على شخصيتنا التدريس بالمعهد العلمي السعودي، فوافق؛ لأن التعليم كان من أحب الأمور إليه وبدأ يدرس أستاذاً في قسم التخصص في القضاء الشرعي، وأسند إليه كذلك دراسة الأدب العربي وكان من تلاميذه حسين عرب والعلامة أحمد عطار والشيخ العالم المحقق حمد الجاسر –رحمهم الله-، وكان شخصيتنا يشعر بالفخر أن هؤلاء من تلاميذه، لهذا كان اسمه من الأسماء التي توقف عندها الشيخ حمد الجاسر في مذكراته من (سوانح الذكريات) عندما سرد تلك الأسماء الخالدة في ذاكرته الفولاذية. رقة الخُلق وقال حمد الجاسر -رحمه الله- عن حسن كتبي -رحمه الله-: كان ذا أثر لا ينسى في نفوس تلاميذه لرقة خلقه وحرصه على توثيق صلته بهم، ثم ذكر ذلك اليوم الذي دخل شخصيتنا إلى إحدى الفصول الدراسية ووصف ملبسه، مؤكداً على أن حسن كتبي أصبح من أقرب الأساتذة إلى قلوب التلاميذ، وحصل بينهم انسجام تام ووئام، منوهاً أنه كان معدوداً ممن لمعت أسماؤهم من الكتّاب في تلك الفترة الزمنية، وأن له جولات واسعة في ميدان الكتابة والتأليف –انتهى كلامه-. كان حسن كتبي يبتغي التحديث في المناهج الدراسية، لذلك كان له رأي في منهج قسم القضاء بالمعهد العلمي، وحاول بكل ما أوتي من قدرة تعليمية أن يستبدل هذه الكتب القديمة الفقهية، وبدأ بالفعل والواقع بوضع فصول كتابية تدرس علم القضاء في أسلوب عصري حديث، لكن بعد ذلك توقف عن التدريس لأسباب ذكرها في مذكراته وذهب إلى الطائف وتولى إدارة مدرسة هناك، وتولى هذه الإدارة بنجاح. مالية وأعمال وانتقل حسن كتبي -رحمه الله- إلى وزارة المالية موظفاً تحت إدارة الأديب محمد سرور الصبان، وقرب منه كثيراً، وقد ألّف أو أعد كتاباً عنه، لكنه لم ينشر، وليته نشره، فشخصية الصبان أسطورة في مكارم الأخلاق فضلاً أنه رجل دولة وعلم وآدب، ومكث شخصيتنا في وزارة المالية مدة من الزمن ثم استقال منها، وتوجه إلى الأعمال الحرة، وقد حدثت له بعض المحن والمصائب لكن الله ثبته وأنجاه الله، وقد سرد هذه الأحداث في مذكراته (هذه حياتي) ثم أنه عاد مرة أخرى إلى وزارة المالية. وفي عام 1375ه عُينت شخصيتنا مديراً لفرع البنك الأهلي بالقاهرة، وقد كانت علاقته مع مؤسس البنك قوية، وظل وقتاً ليس طويلاً بالبنك، وكان قبل ذلك قد زاول التجارة في مصر بعدما اتجه إليها، وقرر السكن فيها رغبةً في تدريس أولاده، لذلك اختاره مؤسس البنك سالم بامحفوظ ليكون مديراً لفرع البنك الأهلي في القاهرة، واختار هو موظفي البنك لمن يطمئن إلى خبرتهم النقدية والمصرفية أو القانونية وذكر أسمائهم في كتابه الآخر (أشخاص في حياتي). انتظام وأمان استغل حسن كتبي -رحمه الله- معارفه وأصدقائه في إنجاح تأسيس هذا البنك مستعيناً بذوي الكفاءات والخبرات الذين لهم أمد طويل بوزارة المالية المصرية، وأصبح ليله مع نهاره يبحث ويسأل ويتقصى حتى لا يقع في خطأ يكلف البنك الكثير من المال، فلا بد أن يكون عالماً بقوانين هذه الدولة سواء ما يتعلق بالنقد أو الإجراءات العدلية وما له صلة بالبنك المركزي الذي هو مرجع جميع البنوك المحلية والقادمة من خارج مصر. وها هو شخصيتنا يعلن نجاح هذا المشروع قائلاً: وبعد أن بدأ العمل يسير في انتظام وأمان ويسلك طريقاً مأموناً واضح المعالم صرفت جهدي لخلق جو صالح لتوطين علاقات طيبة مع الجهات التي يجب أن توطد علاقاتنا بها، وتخلق نوعاً من التجاوب الصالح بيننا وبينها، وهي وزارة المالية، ومراقبة النقد، والبنك الأهلي، وبنك مصر، وقد لمست عوناً وتجاوباً وحسن استقبال من الجميع، والتقيت على رأس كل هذه المصالح بأشخاص هم من خيرة الرجال العاملين لمصلحة وطنهم ولصالح البلاد العربية –انتهى كلامه-، عانى شخصيتنا الكثير من التعب والسهر ولم يذق طعم الراحة البدنية ولا النفسية لأجل بناء هذا الصرح المالي والمصرفي في مصر فكان له ما أراد. لم يُكرّم وحسن كتبي -رحمه الله- أديب وكاتب صحفي، وقد كتب في النقد الأدبي، وأول كتاب له كان الأدب الفني الذي يعده بعض الكتّاب أول كتاب نقدي صدر في المملكة، ومنهم د. حسين بافقيه في مقال بصحيفة الرياض، وعبر مقال كذلك كتبه الأستاذ الصحفي الأديب محمد باوزير، مشيداً به وبمسيرته الرسمية والأدبية، ذاكراً أن هذه الشخصية الرائدة لم تكرم نظراً لجهودها الأدبية والتربوية والإدارية، وأنه كان يصحب الملك فيصل -رحمه الله- في جولاته لأجل التضامن الإسلامي، وقد عاش شخصيتنا عمراً طويلاً حيث بلغ عمره 102 عام، ومع ذلك لم تكرمه أي مؤسسة ثقافية، حيث توفي في تاريخ 8 أغسطس، 2012م -1433ه-. وفي كتاب معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية لمؤلفه العلامة علي جواد الطاهر – رحمه الله- ذكر مؤلفات شخصيتنا وهي: (الأدب الفني)، و(أشخاص في حياتي)، و(دورنا في زحمة الأحداث)، وكذلك (سياستنا وأهدافنا)، و(ملامح من شخصية البلاد العربية المقدسة)، و(هذه حياتي)، و(في موكب الحياة حاضرنا وماضينا). أفكار متكاملة ودوّن د. محمد أبو بكر حميد -الأديب والكاتب الصحفي- بقلمه دراسة موجزة عن حسن كتبي -رحمه الله- كمقدمة لسيرة حياته عن الجوانب المضيئة قائلاً: حسن كتبي ومزاياه ليسا وجهين لعملة واحدة، وإنما هما عنصر واحد إذا تم تحليله فقد هويته؛ ذلك لأنك تحس وأنت تجلس إليه أنه يقدم لك أفكاراً متكاملة، وأنه محدث لبق لا يقدم لك هذه الأفكار دفعة واحدة في وجبة دسمة حتى لا تحس بالتخمة، وإنما يقدمها لك في جمل قصيرة ونفس طويل حتى إذا ما تكاملت هذه الجملة وجدت نفسك أمام صورة تتشكل في ذهنك من تلقاء ذاتها، فتحسب أنك قد توصلت إليها، لكنك ما تكاد تنظر إلى الرجل الجالس بوقار أمامك وقد ملأت وجهه ابتسامة لا تكاد تفارقه حتى تشعر على الفور أن ذلك هو الرسم البارع، وإذا ما حاولت أن تلوي عنق هذه الصورة التي يقدمها لك حسن كتبي بسؤال أو استفسار لا تجد إلى ذلك ثغرة، ولكنك تجده يقطع الصمت عليك وحيرة المتأمل بكلمة أو جملة يقدمها لك في ابتسامة تحثك على الحديث، وتغرس في نفسك الشجاعة للتبسط والصراحة، فإذا بنفسك تنشرح من تلقاء رحابة صدره، وإذا بك -بلا تردد- تفرغ ما في هذه النفس فتجد أن الرجل الذي يجلس أمامك منبسط الأسارير قد هش لحديثك، وأصغى إليه باهتمام وحماس يشعرانك كأنك تتحدث إليه بما لم يقله أحد له قبلك، فإذا ما فرغت من حديثك تجده يصمت لحظة، ويعتدل في جلسته على مقعده، ويصوب إليك نظرة فاحصة -ذات مدلول- من وراء نظارته، فترتاح نفسك وتستشعر إجابته قبل أن يبدأ الحديث –انتهى كلامه-. متعة ذهنية وينوّه بذكر حسن كتبي -رحمه الله- النابغة الروائي علي باكثير قائلاً: إني في العادة ضعيف الذاكرة، وقد صحبت كثيراً من الناس صحبة تطول وتقصر، فلا ألبث أن أنسى الكثير من ذكرياتي معهم إذا ما بعدت الشقة بيني وبينهم، ولكن حسن كتبي ذلك الشاب الأديب المتوثب، ذو الحماسة المتقدة، والحركة الدائبة في التحصيل والاطلاع، والعين الفاحصة لكل ما يعرض له من شؤون الحياة في الناس وفي الكتب في جد يشبه اللهو لفرط استمتاعه واستمرائه إياه، قد بقي رغم الفراق الطويل وبعد الشقة وانقطاع أسباب الاتصال من مكاتبة أو مراسلة ماثلاً في قلبي على الدوام، شاخصاً أمام عيني لا تبرحني صورته واضحة قوية كأنما لم افترق عنه إلاّ منذ ليال، تعرفت عليه في الطائف، ولا أتذكر الآن كيف التقينا أول مرة، ولكني أذكر أني أحببته وقدّرته من أول تعارف بيننا، وشعرت كأنما كنت أعرفه من زمن، كنت شديد التعطش للقاء الأدباء عظيم الحرص على اجتلاء ما يكون لديهم من لون جديد من ألوان الأدب، فسرعان ما اكتشفت أن بين يدي أديب يختلف مفهوم الأدب عنده عن مفهومه عند الكثير، فهو يرى الأدب جداً لا لهواً، ووجدت كذلك أن له اتجاهاً في نقد الأدب وتقويمه يقوم على أسس علمية ويعتمد على الاستيعاب الشامل والاستقراء الدقيق والاستبطان العميق، وكان ذلك جديداً علي، اشتد تعلقي به، وكنت أجد في الجلوس إليه متعة ذهنية لا توصف، فكانت الساعات تمر علينا دون أن نشعر، وكان الحديث يتشعب بنا في أفانين شتى من الأدب والشعر – انتهى كلامه-. في التعليم كان ذا خلق عالٍ مع طلابه تولى وزارة الحج والأوقاف في عهد الملك فيصل -رحمه الله- «نشر الصورة حفيده حسن كتبي» ولد حسن كتبي 1329ه بالطائف إعداد- صلاح الزامل