ليست البطولة صرخة تُسمَع، ولا مشهداً يُعاد، ولا صورة تُلتقط. أحياناً تولد البطولة في ثانية صامتة، حين يقف إنسان أمام خيارين لا ثالث لهما: أن ينجو وحده، أو أن ينجو غيره به. رجل أمن في الحرم الشريف لم يكن يبحث عن مجد، ولم ينتظر تصفيقاً، ولم يفكّر في العواقب. رأى معتمراً قرر أن يُلقي بنفسه من الأدوار العلوية، ففهم اللحظة كما هي: روح تتهاوى، وواجب لا يحتمل التأجيل. فاختار أن يسبقها إلى الخطر، وأن يقف بين الإنسان والموت، ولو كان الثمن حياته. ما حدث ليس بطولة عابرة، بل معنى عميق من معاني الإيمان العملي. هو تجسيد حيّ لقول الله تعالى: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا». فإحياء النفس هنا ليس وعظاً، ولا خطاباً، ولا دمعة على منبر، بل فعلاً يُرتكب في قلب الخطر. أن تُنقذ من قرر أن يلقى الله بمعصية، فتأخذ بيده قسراً نحو الحياة، فهذا ذروة الرحمة، وقمّة المسؤولية، وأصدق صور التدين الذي لا يكتفي بالشعارات. هكذا هم رجال الأمن في الحرمين الشريفين: عقول متزنة، وقلوب يقظة، وأجساد مُدرّبة على أن تكون درعاً للآخرين. يتعاملون مع ملايين البشر، باختلاف لغاتهم، وتباين ثقافاتهم، وتناقض حالاتهم النفسية. هذا متعب، وذاك غاضب، وآخر تائه، ورابع جاهل. ومع ذلك يُطلب منهم أن يكونوا رحماء بلا ضعف، وحازمين بلا قسوة، وحاضرين دائماً في أقسى الظروف. وفي الوقت ذاته، هناك من يترصّد، يستفز، يصوّر، وينتظر لحظة يختزل فيها كل هذا الجهد في لقطة مبتورة أو تعليق مغرض. المفارقة المؤلمة أن زمننا هذا يرفع التافه إلى الصدارة، ويُخفي الحقيقي في الظل. تُفتح المنصات للفاشينستا والمشاهير المزيفين، ويُصنع "الترند" من فراغ، بينما الأبطال الحقيقيون يعملون في صمت. في الأمن، في الصحة، في التعليم، وفي كل وظيفة تمسّ حياة الإنسان وكرامته. لا يعرفهم أحد، ولا يُستدعون إلى البرامج، ولا تُلاحقهم الكاميرات، لأنهم ببساطة لا يبيعون الوهم بل يؤدون الواجب. دعونا نتوقف عند سؤال موجع: ماذا يعني أن تُضحي بحياتك من أجل غريب؟ أن تلقي بنفسك في وجه الموت لإنقاذ من لا تعرف اسمه ولا بلده ولا قصته؟ هذا ليس اندفاعاً، ولا استعراضاً، ولا بطولة مصنوعة. هذا دينٌ متجسّد، ورجولة صافية، وشهامة لا تُكتسب إلا بتربية طويلة على معنى المسؤولية. والذين يتحدثون من خلف الشاشات، هل جرّبوا الوقوف ساعة واحدة في شمس مكة والمدينة اللاهبة؟ هل واجهوا حشوداً بالملايين، بصداعهم وتعبهم وتوترهم، ثم طُلب منهم أن يظلوا متماسكين، مبتسمين، متعاطفين؟ إلى كل من يحاول تشويه الصورة، أو التشكيك بالنوايا، أو التقليل من الجهود: ما فعله البطل: (ريان سعيد العسيري) هو الرد الأقسى والأصدق. هؤلاء ليسوا مجرد رجال أمن، بل حُرّاس المكان، وحَمَلة الأمانة، وخُدّام ضيوف الرحمن. هم في الحقيقة سدٌّ أخير بين الفوضى والطمأنينة. فلا تُخذلوهم بالشك، ولا تظلموهم بالتحريض، ولا تقيسوا عطاءهم بمعايير (الترند). ادعوا لهم، واذكروا فضلهم، لأن الأوطان لا يحرسها الكلام، بل رجال إذا حضر الخطر تقدّموا. هذه هي البطولة الحقيقية، صامتة نقية، بلا ضجيج وبلا فلاتر.