السؤال الأبرز: هل تسعى «ميليشيا الانتقالي» إلى حل سياسي مستدام لقضية الجنوب، أم إلى إدارة نزاع طويل الأمد يبقيه فاعلًا بالسلاح لا بالحلول؟ التجربة حتى الآن تشير إلى أن خطاب «مكافحة الإرهاب» يُستخدم بوصفه غطاءً سياسيًا، لا مشروع دولة، وهو ما أدركه أبناء حضرموت قبل غيرهم، حين وجدوا أنفسهم أمام عسكرة متزايدة، لا أمام حماية حقيقية.. استهداف الضربة الجوية لقوات تحالف دعم الشرعية في اليمن المحدودة للعربات القتالية (النمر) التي وصلت إلى ميناء المكلا عبر ميناء الفجيرة، هي رسالة سياسية مركّبة، أكثر منها إجراءً عسكريًا تكتيكيًا، أعادت تعريف خطوط الاشتباك في اليمن، ليس مع الخصوم التقليديين فقط، بل داخل معسكر "الشرعية" -أو من كُنّّا نعتقدهم كذلك- وبين من يفهم التحالف بوصفه شراكة سيادية، ومن يتعامل معه كغطاء مفتوح لتكريس نفوذ أحادي، وفي المشهد اليمني المأزوم، نادرًا ما تأتي التحركات العسكرية دون حمولة سياسية ثقيلة، لكن هذه الضربة تحديدًا حملت ثلاث رسائل متداخلة. الرسالة الأولى تتعلق بإعادة تثبيت مفهوم الدولة، بوصفها مرجعية قرار، فإعلان حالة الطوارئ لمدة تسعين يومًا، وفرض قيود جوية وبحرية وبرية، ليس استعراضًا للسلطة، بل استدعاء صريح لنصوص إعلان نقل السلطة، وتأكيد على أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي لا يزال يمتلك الصلاحيات السيادية الكاملة، التي لا تخضع للتجاذب السياسي أو للتفسير الانتقائي من قبل أطراف مسلحة، مهما ادّعت تمثيل قضايا عادلة. في هذا السياق، لا يمكن فصل الضربة الجوية عن سلوك "المجلس الانتقالي الجنوبي" في حضرموت والمهرة، فالسيطرة الميدانية التي تحولت تدريجيًا إلى مشروع فرض أمر واقع، يتجاوز الشراكة السياسية، ويستثمر الفراغ، ويعيد إنتاج نموذج الميليشيا داخل مناطق يفترض أنها "محررة"، وهذا السلوك العلني ليس فقط خلافا سياسيا، بل أصبح تحديًا مباشرًا لفكرة الدولة نفسها، وهو ما يفسر التحول في نبرة التحالف، من الاحتواء الصامت إلى الضبط العلني. الرسالة الثانية كانت إقليمية بامتياز، فاستهداف عربات قادمة عبر مسار لوجستي غير يمني، أعاد التذكير أن إدارة الملف اليمني لم تعد تقبل ازدواجية الأدوار، أو خلط خطوط التحالف بخطوط النفوذ، فلم يكن المقصود توجيه الاتهام، بقدر ما كان المقصود إعادة رسم الحدود بين "الدعم" و"الوصاية"، وبين "الشراكة" و"التفرد"، وهنا تحديدًا تتضح دلالة تصريحات مستشار وزير الداخلية اليمني، سالم بن جذنان النهدي، حين شبّه اللحظة الراهنة بمرحلة "عاصفة الحزم"، وما تلاها من "إعادة الأمل"، فالتشبيه لا يحمل بُعدًا عسكريًا بقدر ما يحمل بعدًا سياسيًا، فعاصفة الحزم كانت لحظة منع انهيار الدولة، وإعادة الأمل كانت لحظة إعادة بنائها، والضربة المحدودة تأتي، في هذا الإطار، لإعادة ضبط المسار قبل خروجه عن السيطرة. اللافت أن النهدي في مقابلته التلفزيونية، تحدث بلغة التحذير القانوني والسيادي، مؤكدًا أن التدخل السعودي جاء بطلب رسمي من الدولة اليمنية، لحماية المدنيين، ومنع عسكرة الإقليم، وهو ما يتسق مع منطق الدول، لا مع منطق الميليشيات، وحين أشار إلى تجاهل "الانتقالي الجنوبي" لبيانات وزارة الخارجية السعودية ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، فإنه كان يلمّح إلى خلل أعمق، خلل في فهم طبيعة الدول، وصبرها، وحدود تسامحها مع العبث بالشرعية. في المقابل، كشفت التصريحات التلفزيونية لممثل رئيس ما يُعرف ب"ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي" للشؤون الخارجية، عمرو البيض، عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي ومتطلبات اللحظة، فالحديث عن "انقلاب" و"فراغ سياسي"، دون الاستناد إلى نصوص دستورية، أو فهم لتوازنات القرار داخل مجلس القيادة الرئاسي، لا يقدّم قراءة سياسية، بل يعكس حالة إنكار، ومحاولة لتدويل أزمة داخلية بلغة دعائية لا تصمد أمام "الفحص القانوني". وهنا تبرز الإشكالية الأوسع: هل تسعى "ميليشيا الانتقالي" إلى حل سياسي مستدام لقضية الجنوب، أم إلى إدارة نزاع طويل الأمد يبقيه فاعلًا بالسلاح لا بالحلول؟ التجربة حتى الآن تشير إلى أن خطاب "مكافحة الإرهاب" يُستخدم بوصفه غطاءً سياسيًا، لا مشروع دولة، وهو ما أدركه أبناء حضرموت قبل غيرهم، حين وجدوا أنفسهم أمام عسكرة متزايدة، لا أمام حماية حقيقية. الرسالة الثالثة هي العودة إلى تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، التي جاءت لإغلاق الباب أمام الانزلاق الكامل، فالتأكيد على أن القرارات السيادية الأخيرة جاءت كخيار اضطراري ومسؤول، هدفه حماية المدنيين وصون المركز القانوني للدولة، يعكس إدراكًا أن الدولة اليمنية لا تملك رفاهية التردد، وأن ترك الفراغ أخطر من ملئه بقرارات صعبة. أما البعد الأكثر حساسية في حديث العليمي، فهو تأكيده على مركزية الشراكة مع المملكة، ليس كحليف عسكري فحسب، بل كضامن سياسي لاستقرار اليمن، وهذا التأكيد موجّه بوضوح إلى الداخل اليمني قبل الخارج، مفاده أن أي مسار سياسي يتجاهل هذه الشراكة، أو يراهن على تجاوزها، إنما يراهن على فراغ استراتيجي لا يمكن تعويضه. وفيما يتعلق بقرار إنهاء الوجود العسكري الإماراتي، فإن قراءة العليمي له باعتباره "تصحيح مسار" لا "قطيعة"، تعكس محاولة دقيقة للفصل بين العلاقات الثنائية والممارسات الميدانية، وبين الشراكة الاستراتيجية والدعم غير المنضبط لمكونات خارجة عن الدولة، وهو فصل بالغ الأهمية إذا ما أُريد للتحالف أن يستمر بوصفه تحالف دول، لا شبكة نفوذ متداخلة. ما جرى في المكلا، وما تبعه من قرارات، هو إعادة ضبط لمعنى الشرعية، وحدود التفويض، ودور التحالف، ومفهوم الشراكة، وهي لحظة تقول فيها الدولة اليمنية -بدعم سعودي واضح- إنها لا تزال موجودة، وإن إدارة الأزمات لا تعني التسليم بها، وإن منطق الميليشيا، مهما تلون بالشعارات، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الدولة. في نهاية المطاف، هذه قراءة لا تحتمل التبسيط؛ لأنها قراءة لحظة فاصلة، سيُبنى عليها شكل اليمن المقبل، إما دولة تُدار بالقانون، أو ساحة تُدار بالتوازنات المؤقتة، وفي السياسة، الفارق بين الخيارين ليس لغويًا، بل وجودي، ونقول لرئيس وقيادات الانتقالي الجنوبي: "إن من يراهن على إدارة الجغرافيا بالسلاح، لا يدرك أن السياسة لا تعترف إلا بمن يملك شرعية القرار، لا ضجيج القوة".. دمتم بخير.