مع إطلالة هذا العام الجديد، وبينما يطوي التاريخ صفحةً ليفتح أخرى، ندرك أن الزمن ليس مجرد أرقامٍ تتراكم، بل هو رحلة استكشاف للمعاني الكبرى التي تمنح الوجود قيمته. وفي صدارة هذه المعاني تقف "المرأة" كشمسٍ لا تغيب عن مدارات الأيام؛ فهي ليست مجرد رفيقة للزمن، بل هي صانعة نبضه وحارسة أسراره التي تتجدد مع كل فجرٍ وليد. ليست المرأة لغزاً مستحيلاً يُحل مع تقويم عامٍ مضى، بل هي مخطوطة كونية بالغة التركيب؛ نصٌ لا تُدرك أبعاده بمجرد النظر إلى العنوان، ولا يتجلى جوهره في الفصول الأولى من العمر. إنها تشبه التاريخ في كبريائه، لا تُفهم إلا حين تغوص في "عشر أواسطها"؛ هناك حيث تزدحم التفاصيل، وتتشابك الدلالات، وتتلاشى الحدود بين المبتدأ والخبر. خطأنا الأكبر، ونحن نستقبل عاماً جديداً، يكمن في محاولة تأطيرها ب "بداية" زمنية أو حصرها في "نهاية" متوقعة. فالمرأة كائنٌ يرفض المسارات المستقيمة، ولا ينصاع للسرد التقليدي الرتيب. إنها صيرورة من المشاعر، وتراكمٌ من التحولات الرزينة؛ هي انكسارٌ يرتدي حلة النهوض، تماماً كصفحات التاريخ التي لا يتضح معناها الحقيقي إلا حين نُعيد قراءتها بعينِ الحاضر المشرق. في تلك المساحة الشاسعة بين ملامح البدء وسراب الختام، تمتد آلاف الحكايات المنسوجة بعناية؛ حكاياتٌ تضنُّ بأسرارها على العابرين الذين يقيسون الزمن بالدقائق لا بالعمق. إنَّ سبر أغوارها في هذا العام وما يليه يتطلب أدواتٍ تتجاوز مجرد الرغبة في المعرفة؛ يتطلب إنصافاً لا محاكمة فيه، وعقلاً يدرك أن المعرفة بها رحلة لا تنتهي، وتفكيكاً واعياً يعيدها إلى جوهرها الإنساني دون محاولة تملّك أو احتواء. المرأة، كالتاريخ المتجدد، تجسيدٌ ل "السهل الممتنع"؛ تبدو للناظر قريبة المنال، لكنها تأبى الاختزال في قوالب جاهزة. هي ذلك "الصعب الفاتن" الذي يغريك بالغوص في أعماقه؛ فكلما كشفتَ عن طبقةٍ لاحت لك أخرى، وكلما ظننتَ مع مطلع هذا العام أنك وجدتَ الجواب، باغتت كثرةُ الأسئلة فضولك. لم تكن المرأة يوماً مجرد تحدٍ فكري لأنها "معقدة"، بل لأنها نبض المعنى في هذا الوجود. وكل ما ينبض بالحياة يرفض أن يُسجن في تعريفٍ ضيق أو صورة نمطية عابرة. ربما لهذا السبب، لم تقف المرأة يوماً على هامش الأحداث، بل كانت دوماً المتن الخفي الذي يُحرك دفة الأيام. إنها القوة التي تُغير مجرى القدر بصمتٍ مهيب، وتُعيد صياغة الوجود دون انتظار لمديح أو اعتراف. هذه هي المرأة في كل زمان.. ليست مجرد "نصفٍ" ينتظر التكملة، بل هي الطرف الآخر للمعادلة؛ الركن الذي لا يكتمل بدونه المعنى، والروح التي لا تستقيم حكاية الإنسان إلا بفيض حضورها المتجدد أبداً.