هذبتني الخسارات، علمتني أنها كسبٌ جديد، في ظاهرها العذاب، وفي باطنها الرحمة، كلفتني كثيرًا، لكنها قدمت لي أكثر. مطلع كل عام أحصي خساراتي، أعدها كما أعد بتلات زهرة ربيعية حمراء، أنظر إليها بعين الاحترام، أجلّها وأقدّرها، أحميها من النسيان، ومن الذم، فأحفرها في ذاكرتي، وأوشحها بكلمات المديح. تخبرك الخسارات أنك إنسان حقيقي، تتألم وتتعلم، تخطئ ألف مرة، وترتكب حماقات لا عدد لها، كأنك تسلك طريقًا مستقيمًا وهادئًا ومضيئًا، لكنك لا تلبث أن تنعطف فجأة في شارع مظلم وتتوه فيه، تتخبط بين منعطفات كثيرة، ثم تعود مسترشدًا بقلبك، أو أحدهم، أو بتوجيهات الطريق، فتعود إلى طريقك الصحيح. تخسر وقتًا، وتخسر ميعادًا، لكنك لا تخسر الوجهة، لأنها لا تزال بانتظارك رغم ضياعك القصير. غمرتني مثل هذه الخسارات في حوادث عابرة، ومرت بهدوء صامت، وتربعت خسارات أخرى في زاوية حساسة داخل قلبي، تسيطر علي، وتقيم إقامة دائمة، وتتجول كسيدة المكان، تهمس لي أو تصرخ، وتشرح أسبابها أو تصمت، وتبرر ثقلها أو تتبجح، وتسألني السؤال نفسه كل يوم: هل أرحل؟ ولا أجيب. ومع ضجيجها الذي احتلني، وامتناعي عن طردها، أدركت أن تمسكي بالخسارة وعيًا مؤقتًا يشبه الوقوف على عتبة باب كبير، فبعض الخسارات لا تنتظر قرارًا، إنما تطلب مني أن أتمهل؛ لأنصت إلى صوت لم أسمعه أبدًا، وأنا أركض مزدحمة بنشوة النجاحات المتتابعة. أقامت فيّ الخسارات وأحسنت استضافتها، أكرمتها بماء عيني، وموائد الوجع والصبر، أجبرتني على مراجعة خطواتي التي أظنها صحيحة أو خاطئة، وفتحت أمامي أسئلة مفتوحة الاحتمالات، ثم إنها جعلتني أكثر رقة، حنون ورحوم ونقيَّة، يتسع قلبي لجراح الآخرين، وأحسن الظن في خطاياهم، وأغفر لهم إساءاتهم بسبعين عذرًا أو يزيد، كما أنها غيَّرت علاقتي بنفسي، فتوجست من اختياراتي السابقة، وتأملتها دون أن أحاكمها، وتخلَّيت عن إثبات الحق، وتنازلت عن طلب العدالة، أعادت قناعاتي بأن الخطأ هبة الله لنا في أرضه، وأن الهزائم صديقة الإنسان وليست خصمه، يتخفف بها عن مثاليته، ويشكك بواسطتها في يقينه، ويحارب من خلالها تعلقه، ففي حضورها يعرف الإنسان حجمه الحقيقي أمام قسوة العالم، وتتكشف المبالغات خلف أقنعة الطمع، وتسقط الأوهام حول السيطرة على ما نملك، وعلى أبدية من نحب، ويتجلى النقص سمة عظيمة وعلامة جميلة ودالة فاتنة على بشرية الإنسان وفطرته ووجوده. ثمة خسارات استحالت إلى انتصار وفتح مبين، تجلَّيت بعدها في أبهى نسخة لي، وثانية جرَّت معها ويلات خسارات أخرى، فلم أعد بعدها أنا، انطوت داخلي كل الأحزان دفعة واحدة، وانكسر ما كان غير قابل للكسر، واتسع ثقب كبير في قلبي، والتهم معه الكثير من الذكريات، استنزفتني بعض الخسارات وروضتني، للحد الذي صرت أفهمها حين أراها في عيون الآخرين، فأشم رائحة الانكسار في جلودهم، وأستشعر ثقل هزائم كبرى فوق أكتافهم، عرفت شكل الخسارات جيدًا في داخلي، وعرفت شكلها في دواخل الآخرين، فتعلمت أن أسامح وأهدأ، وأستعد لهزائم جديدة تعيدني إلى نفسي، مسكونة بالعفو والرضا، وممتلئة بشغف المحاولة، ورفاهية البدء من جديد. تواطأتُ مع كل خسارة سابقة ولاحقة، أتهيأ لها، وأعرف ملامحها، وموعد اقترابها، وفي كل مرة أصاب بهزيمة جديدة تصبح أقل فتكًا وأكثر حكمة، كأنها تتعلم مني وأتعلم منها، برسائل مؤجلة، ومواجهة هادئة، ومساحة مريحة للوجع، تطرق قلبي دون أن تحطمه، محملة بعلامات صغيرة تذكرني أني مازلت على قيد الشعور ومحمل الحياة، أستقبلها بهدوء، وأنجو منها في كل مرة، وتترك في صدري أثرًا سريًا يشبه بقعة النور، يجمِّلني ويقوِّيني ويضيء عتمة طريق لم أجرؤ على عبوره من قبل. وحين تقرر خساراتي أن تمضي بعد أن أدت دورها، أو أن أمضي أنا حين فهمت درسها، ترحل دون وداع، فلا أستعجل الشفاء، وأجعلُ لها الباب مواربًا، لأنها ستعود! حاملة معها حكمة الله ورحمته ولطفه ووعده. * أكاديمية في جامعة الملك سعود