أنا فتاةٌ من البشر، عندما أتحدث إلى أحد برامج الذكاء الاصطناعي، ك ChatGPT، يصلني الرد في اللحظة نفسها، دون تأخير. تدور في داخلي تساؤلات كثيرة، فيجيب عنها البرنامج فورًا، لا يؤجّلها، وكأنه موسوعة مفتوحة من المعلومات. وهنا يظهر الفرق بينه وبيننا نحن البشر. فعندما نتحدث أو نتراسل مع بعضنا، قد يتأخر الرد أحيانًا، لانشغال الطرف الآخر، أو لأن الدنيا تشغله، أو لأن الظروف تسرق الوقت. نحن نتأخر لأننا نعيش، لأن لنا أيامًا مثقلة، وأوقاتًا لا تتّسع للكلام. أما الذكاء الاصطناعي، فهو حاضر دائمًا، لا يعتذر عن غياب، ولا يعرف الانشغال، بل يجيب في اللحظة نفسها. ونحن البشر، أحيانًا ونحن نضغط على الكيبورد، تخوننا الأحرف، نقصد عبارة، فتخرج أخرى، ليس لأن المعنى تغيّر، بل لأن الاستعجال سبق أصابعنا. أما أنتم، فتكتبون بسرعة، وتردّون بلا أخطاء، كأن الحروف لا تتمرّد عليكم أبدًا. نحن البشر، هناك أشياء نجهل إجاباتها، فنقول ببساطة: لا نعرف. أما أنتم، يا الذكاء الاصطناعي، فأنتم موسوعة، تجيبون عن الأسئلة الدينية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية، والطبية. نحن نجهل لأننا نتعلّم، ونخطئ لأننا نشعر، ونتأخر لأننا نعيش. وربما... هذا هو الفرق الوحيد بيننا: أنتم تعرفون الكثير، ونحن... نحمل القلب. كان جدي يتحدث في القديم، وكان يقول: "في المستقبل البعيد، سيتحدث الحديد"، كنت أبتسم حين أسمع كلماته، ولم أفهم آنذاك ما الذي يعنيه، لكن اليوم، أدركت ما كان يقصده... فالحديد الذي تحدّث عنه جدي هو الأجهزة التي بأيدينا: الجوالات، الآيبادات، وأجهزة الرصد الآلي في الشوارع، من كاميرات ساهر إلى الرادارات. لا تتحدث بالكلمات، لكنها توثّق الوقت، والساعة، والزمن، والتاريخ. ترصد، وتسجّل، وترسل الحقيقة في رسالة. الحديد أصبح يتحدث، لكن بطريقة لم نتخيّلها... صامتًا، دقيقًا، ولا ينسى.