المملكة قويةٌ بربها سبحانه وتعالى، ومن اعتصم بحبله فقد استمسك بالعروة الوثقى، ثم هي قويةٌ بحكمة وحنكة ولاتها ووفاء شعبها، فقادة بلادنا لهم خبرةٌ واسعةٌ في معالجة كل موقفٍ بما يلائمُه انطلاقاً من موقف القويِّ الحازمِ الأمينِ اللبيب على ضوء ما تُمليه مصلحة الوطن.. متَّع الله تعالى المملكة العربية السعودية بمزايا دينيةٍ وحضاريةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ، ففيها قبلة المسلمين، والحرمان الشريفانِ اللذان تهفو إليهما الأفئدة، وهي مهدُ العروبةِ بما تحمله من أصالةٍ تاريخيةٍ ضاربةٍ بجذورِها في الأعماق، وما يتجسّدُ فيها من معاني الصلابةِ والصمودِ، والقيم النبيلةِ كإباءِ الضيم، والذبِّ عن الحمى، وإغاثة الملهوف، والوفاء بالعهد، كما أنَّ للمملكةِ وزناً سياسياً لا يخفى على من له أدنى تمييزٍ في أبجديّاتِ السياسة، ومركزاً اقتصادياً مرموقاً، وكلُّ هذه المزايا -وغيرها مما لا يتسع المقام لتعداده- جعلت جوارَ المملكةِ مكسباً عظيماً، يُغبَط عليه من كُتبَ له، فهي أغلى وأثمنُ من يُجاوَرُ، وأحسنُ وأنفعُ من يُجاوِر، وجوارها نعمةٌ، والقاعدة العامةُ أن من سيقت إليه النعمةُ، فاعترف بها وقدرها قدرَها استفاد منها، ومن تجاهلها خسرَ بقدر تجاهلِه لها، وهكذا نعمةُ جوارِ المملكة، فمن اعترف بأنّه نعمةٌ وأقبل على الاستفادة من ذلك بالطريقة الصحيحة فاءتْ عليه ظلال النعمةِ وارفةً بالعزِّ والتمكين وسائر أنواع الجدوى المتنوِّعة، ومن جحد هذه النعمةَ وتنكَّر لها فعن نفسِه حجب المنافعَ، وبيده أطفأ المشاعلَ التي تُنيرُ الدربَ الصحيح، وبذائقتِه المختلَّة كرهَ طعمَ العذبِ الزُّلالِ الذي يرتوي به من وردَه بإخلاصٍ، وصدق من قال: ومن يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ يجدْ مُرّاً به الماءَ الزُّلَالا ولي مع نعمة جوار المملكة وقفات: الأولى: المملكة العربية السعودية تنتهج في جوارها أخلاق الإسلام من إحسانٍ وبرِّ وإعانة، كما أمرَ الله تعالى به في قوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ)، وأكّده النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأقواله كما في حديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»، متفقٌ عليه، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»، أخرجه مسلم، وفسروا البوائق بأنها جمع بائقة وهي الغائلة والداهية والفتك، كما تتمسك المملكةُ بدستور مكارم العرب، وهو دستورٌ نرتضع تفاصيله ونحن صبيةٌ، ونشِبُّ وقد أُشربتهُ قلوبُنا، ومحتواه القِيمُ الساميةُ الشّامخةُ، من شهامةٍ ومروءةٍ وكرمٍ وعزَّة نفسٍ واستهجانٍ للغدرِ، وثباتٍ على المواقف، ودفاعٍ عن الجارِ وحمايته، كما قال قائلهم: ونَمْنَعُ جَارَنَا مِمَّا مَنَعْنَا ذَوَاتِ الدَّلِّ مِنْهُ والبَنِينَا وهذه القِيمُ عنوانٌ للعزَّة والرِّفعة، وحاشاها أن تكون من الهوان والاسترخاء كما قد يظنُّه من لا يُميّز بين حقائق الأشياء، بل إنما يتغنّى ويتمدّحُ بها أشدّاء العرب وفرسانها الذين لا تلين عزائمهم للمُعضِلاتِ، فمجموعة الشمائل الحميدةِ تتشكّل من قواعدَ دقيقةٍ تصرف التعامل الحسنَ عن أن يتحوَّل إلى خَوَرٍ واستكانةٍ، وتضبط ميزان الصرامة المطلوبةِ للتعامل مع المواقف، فتمنعُها من التَّحوُّل إلى تغوُّلٍ واستهتارٍ بحقوق الآخرين، كما قال الشّاعر: ولا خَيرَ في حِلْمٍِ إذا لم تكن لهُ بَوادِرُ تَحمي صَفوَهُ أن يُكَدَّرَا الثانية: هذا الوطنُ عبارةٌ عن طودٍ شامخٍ يستظلُّ بظلِّ أمنِه شعبُهُ ومن أوى إليه من جيرانه، ومن تمام الذبِّ عن الوطنِ الدفاعُ عن جيرانِه، ولن تسمح المملكة -إن شاءَ الله تعالى- لأيِّ مكدّرٍ للأمنِ بأن يحومَ حول حِماها؛ فمن المعلومِ أنَّ من حامَ حول الحمى يوشك أن يرتعَ فيه، وهو من جوامع الكلمِ النبويّة، وإذا كانت المملكة السعودية -بتأييد وعونٍ من الله تعالى- قادرة على القيام بمهمة حماية الجيرانِ والدفاع عن مصالحهم ومقدراتهم، فهي على حفظ أمنها وحماية مصالحها ومقدراتها أقدر بإذن الله تعالى، وذلك كله خطٌّ أحمر دونه خرط القتاد، ومنذ تأسيس هذه المملكة السعودية المباركة راهن على التشويش عليها أصنافٌ من أعدائنا فباءت مراهناتهم بالفشل. الثالثة: المملكة العربية السعودية قويةٌ بربها سبحانه وتعالى، ومن اعتصم بحبله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ثم هي قويةٌ بحكمة وحنكة ولاتها الراشدين، ووفاء شعبها العظيم، فقادة بلادنا -حفظهم الله ورعاهم- لهم خبرةٌ واسعةٌ في معالجة كل موقفٍ بما يلائمُه انطلاقاً من موقف القويِّ الحازمِ الأمينِ اللبيب على ضوء ما تُمليه مصلحة الوطنِ؛ تجسيداً لحرصهم على حماية المملكة في الحاضر والمستقبل، وتأكيداً على أنَّ أمنها ومصالحها لا مجال للمساومة فيهما، وشعبها الوفيُّ لا يتوانى عن الوقوف والاصطفاف وجميع أنواع التعبئة في كلِّ الميادين وقوفاً مع القيادةِ، وبذلاً لما يُوجبه الحال من الدفع في نحور من يستهدف الوطن، فللجوِّ صقوره، وللبرِّ ليوثه، وللكلمة نُمورُها، كلٌّ يُقارعُ كما يُملي عليه واجب الدفاع عن الوطن، فبإذن الله تعالى ثم بجهود القيادة والشعب فإنّ كلّ من يكيدُ للمملكة العربية السعودية مآله الخيبة والندامة.