قبل أيام، أطلقت إحدى المنصات الشهيرة تحديثاً أظهر ميزة "الموقع الجغرافي" للحسابات، فكُشف المستور: مئات الحسابات التي بدت وكأنها تنتمي إلى مجتمعات عربية اتضح أنها تُدار من أماكن متفرقة حول العالم. بعض المتابعين كانوا يمنحون هذه الحسابات ثقتهم، ويعيدون نشر محتواها بحسن نية وكأنه سبق إعلامي، لكن المفاجأة جاءت صادمة؛ فالأصوات التي ظُن أنها جزء من المجتمع المحلي كانت تُدار في الحقيقة بأساليب منظمة تستهدف التأثير في الوعي وإشاعة الالتباس. وهنا يبرز السؤال الأهم: كم من الأفكار والمواقف تشكلت في أذهان بعض المتابعين استناداً إلى رسائل لم يدركوا يوماً أنها صادرة عن جهات مجهولة أو مضللة؟! ليس كل حساب يبدو حقيقياً هو كذلك. فاليوم تُدار آلاف الحسابات بواسطة "بوتات" (برامج آلية تتقن تقليد النشاط البشري بدقة عالية)؛ من الإعجاب وإعادة النشر وصناعة تفاعلات تبدو طبيعية. وتسمح هذه الآلية بتضخيم الرسائل عبر إعادة نشرها على نطاق واسع، وبسرعة عالية. وهكذا تنتشر الشائعات والمعلومات المغلوطة حتى تبدو وكأنها حقائق!. ولا يقف الأمر عند الحسابات الوهمية؛ فالتطور التقني أتاح أدوات أكثر تعقيداً، من مقاطع صوتية وفيديوهات مُصممة بالذكاء الاصطناعي لتقليد أصوات وشخصيات مألوفة، إلى أساليب نشر سلسة تجعل المعلومة المضللة تبدو طبيعية وغير مثيرة للشك. في الفضاء الرقمي المعاصر، الحملة الأكثر تأثيرًا تكمن بالمنشورات والصور ومقاطع الفيديو التي تُبنى بمهارة وتُوجه لبث حالة من الارتباك أو التشكيك أو التشويه. ما يكشفه هذا الواقع لا يُعد مجرد وجود حسابات مضللة، بل حجم التأثير الذي يمكن أن يُمارس على وعي بعض الأفراد. فصوت مألوف قد يزرع شكاً، ومعلومة خاطئة قد تغير موقفاً، وسخرية عابرة قد تُستخدم لإضعاف قيمة أو هز صورة مشروع أو شخصية عامة. وفي كثير من الحالات، يمر هذا كله دون أن يشعر المستخدم بأن وعيه يتعرض لهجوم مستمر. إن الوعي هو خط الدفاع الأول. فحماية الوطن تتم بالأسوار وبعقول تميز الصحيح من المضلل. وتشير الأبحاث في مجال الأمن الفكري إلى أن تحصين المجتمع يبدأ من البيت والمدرسة والمجتمع ويمتد إلى الإعلام والمنصات الرقمية، ليشكل شبكة وعي جماعية قادرة على كشف محاولات التأثير السلبية والتعامل معها بوعي وهدوء. حماية الوطن تبدأ بحماية الفكر. وقبل إعادة نشر أي معلومة، لا بد من طرح سؤالين بسيطين: هل مصدرها موثوق؟ وهل تحمل فائدة حقيقية؟ فالجهل هو الجسر الذي تعبر منه التضليلات إلى داخل المجتمع، بينما الوعي يهدم هذا الجسر ويُحصّن العقول من الشكوك والسموم. فالمجتمعات لا تُهزم بالقوة وحدها، بل عندما يُستنزف وعي أبنائها ويُفسح المجال للشك كي يشوّه نظرتهم إلى ما حولهم. ومع ذلك، سيبقى أبناء الوطن أكثر قدرة على التمييز، وأكثر وعياً من أن تنطلي عليهم الأصوات المندسة أو الرسائل المضللة. فالنور واضح، والحق ثابت، والوعي -بإذن الله- كفيل بحفظ المجتمع متماسكاً، قوياً، وواثقاً تحت قيادته الحكيمة وحكومته الرشيدة. وفي النهاية يبقى القول راسخاً: هم يضلّون الطريق.. ونحن الوعي، ونُساهم في بناء الوطن.