خرجت واشنطن هذا الأسبوع على إيقاع رسائل سعودية واضحة المعالم، حملها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في زيارة تؤرخ لفصل جديد في مسارٍ استراتيجي يعيد صياغة أطر التعاون بين الرياضوواشنطن وفق رؤية أوسع وأعمق، فمنذ اللحظة الأولى للقاءاته، بدا أن المملكة تدخل المرحلة الدولية بثقة الدولة القادرة على تحديد أولوياتها، وتوجيه علاقاتها ضمن معادلة واحدة: رفاه المواطن وتنمية الوطن. وما ميّز هذه الزيارة أنّها تتجاوز حجم الاتفاقيات ومستوى الحضور الرسمي للروح التي حكمت مسار المحادثات؛ روحٌ تُكرّس منهجاً سعودياً جديداً يضع مصلحة المجتمع في قلب التحولات الكبرى، فالمملكة باتت تذهب إلى العالم بوضوح رؤيتها، وتعود من كل شراكة بمكاسب ملموسة تُثمر مشاريع وفرصاً واقتصاداً أكثر تنوعاً، وقد التقطت وسائل الإعلام هذا الجوهر، لتشير بإجماع إلى أنّ السياسة السعودية اليوم تكسب الرهان على مختلف الأصعدة. وأعادت الزيارة ولقاءات الأمير والرئيس التأكيد على أنّ المملكة تمضي بثقة نحو مستقبلها الاقتصادي والاستثماري، وتدرك تماماً أن قوة علاقاتها الخارجية تُقاس بقدرتها على خدمة الداخل، وصناعة أثرٍ يعيشه المواطن في فرص العمل، وفي جودة الحياة، وفي المشاريع التي تتسارع على أرض الوطن، ومن قلب البيت الأبيض، بدا جلياً أن السعودية لا تدخل أي حوار إلا وهي تحمل رؤيتها ورغبتها في بناء شرق أوسط أكثر أمناً واستقراراً، يتيح لشعوبه أن يجنوا ثمار التنمية والازدهار. حضور قيادي ويعكس الحضور الرسمي الرفيع لسمو ولي العهد صورة قائد يمتلك رؤية واضحة وقدرة مباشرة على التأثير في الساحة الدولية، تجلى ذلك في أسلوب إدارة اللقاءات مع الرئيس الأميركي وكبار المسؤولين وقادة الكونغرس وكبار المستثمرين، وقد رصد الإعلام الأميركي والدولي ملامح هذا الحضور، من حيث الثقة العالية في طرح المواقف السعودية، والقدرة على الربط بين الملفات السياسية والاقتصادية ضمن رؤية شاملة لمستقبل المملكة والمنطقة. فيما تناول محللون في مقالات وتقارير موسّعة أثر هذه الزيارة على المواطن السعودي، فمتابعة تفاصيل الاستقبالات الرسمية، والقمم الثنائية، والمنتديات الاستثمارية، وما صاحبها من تغطيات واسعة، عززت لدى أبناء الوطن شعوراً عميقاً بالفخر والاطمئنان؛ إذ يرون قيادتهم تخوض حوارات مع أقوى العواصم العالمية من موقع المبادرة والفعل، وتحمل معها مشاريع ضخمة تعود بفرص جديدة ووظائف نوعية وتحول اقتصادي متسارع، وهذا البعد المعنوي للزيارة يكمّل أبعادها الاقتصادية والسياسية؛ فالمواطن السعودي حين يتفاعل مع الأحداث لا يتابع مجرد أخبار بروتوكولية، بل يعي أنّها تمهد لنتائج ملموسة على أرض الواقع، ويرى في هذه التحركات ترجمة عملية لرؤية وطنية طموحة، تُنقل اليوم إلى مسارات تعاون دولي واسع. وأشار محللون إلى أن قوة الطرح السعودي خلال هذه الزيارة تجلت في القدرة على الربط بين استقرار المنطقة وبين التنمية الاقتصادية، وبين الأمن وبين الفرص الاستثمارية، وبين التحالفات السياسية وبين نقل التقنية وبناء القدرات الوطنية، وهذه المقاربة الشاملة تجعل من الشراكة السعودية-الأميركية إطاراً متكاملاً لا يقتصر على جانب دون آخر. حفاوة استثنائية من جهة أخرى؛ تحكي مشاهد الاحتفاء الأميركي بالضيف الكبير عن ثقل المملكة ومكانتها كشريك محوري، وسرقت تفاصيل الاستقبال الذي حظي به سمو ولي العهد في الولاياتالمتحدة الأضواء، وحظيت مختلف اللقطات باهتمام واسع، ونظر إليه كثير من المراقبين، باعتبارها إشارة صريحة إلى المكانة الرفيعة التي تحتلها المملكة في حسابات واشنطن الإستراتيجية. وهذه الحفاوة، التي امتدت من البيت الأبيض إلى مراكز الفكر والمنتديات الاقتصادية، رسخت الانطباع بأن العلاقات السعودية-الأميركية تقف اليوم على أرضية أكثر نضجاً وندية، تتقدم فيها المصالح المشتركة ويُعترف فيها بدور المملكة القيادي في المنطقة والعالم الإسلامي وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. من التقليدية إلى شراكة استراتيجية وتمثل أحد أبرز ملامح الزيارة في تجاوزها للملفات التقليدية والتوجه نحو شراكة إستراتيجية واسعة الأفق، تشمل التكنولوجيا المتقدمة، والدفاع، والطاقة النظيفة، وسلاسل الإمداد الحيوية، فقد شهدت القمة السعودية–الأميركية توقيع صفقات واتفاقيات نوعية في قطاعات التكنولوجيا والدفاع والذكاء الاصطناعي، مع تركيز خاص على المشاريع التي تسرع وتيرة التحول الاقتصادي في المملكة. وهذا التوجه يتوافق مباشرة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تسعى إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على الابتكار، ويعتمد على تنمية القدرات البشرية الوطنية، وإطلاق قطاعات جديدة تسهم في الناتج المحلي وتولد وظائف نوعية. وبحسب ما أُعلن خلال الزيارة، فإن الاتفاقيات شملت مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والطاقة المتجددة، وتوطين التقنية الحديثة، وتطوير منظومات دفاعية ذات مكوّن محلي متزايد، وهذا النوع من الشراكات لا يقتصر على تبادل تجاري تقليدي، وإنما يفتح الطريق أمام نقل المعرفة، وتوطين التصنيع، وتحويل المملكة إلى مركز إقليمي للصناعات المتقدمة والخدمات التقنية عالية القيمة. محرك مباشر لنمو الاقتصاد الوطني واستحوذت الحصيلة الاقتصادية للزيارة على اهتمام خاص من وسائل الإعلام والدوائر الاستثمارية؛ فقد أُعلن عن صفقات عسكرية واقتصادية كبرى، قيمتها الحقيقية تُقاس بطبيعة المشاريع التي تستهدفها، وبنسبة المحتوى المحلي المستهدفة، وبعدد الوظائف التي ستوفرها للمواطنين، وهذا الأهم، حيث تتجه المملكة من خلال هذه الاتفاقيات إلى توطين الصناعات المتقدمة، لا سيما في قطاع الصناعات الدفاعية، والتقنيات الذكية، وحلول الطاقة المتجددة، وعندما تُنفذ هذه المشاريع وفق ما خُطط لها، فإن أثرها سيمتد إلى بناء منظومة صناعية وطنية متكاملة، تربط بين الشركات الكبرى والقطاع الخاص والرواد الشباب والجامعات ومراكز الأبحاث، بما يعمّق قاعدة الاقتصاد الوطني ويزيد من تنافسيته. وخصص جانب مهم من الزيارة خُصص لمناقشة وتوقيع اتفاقيات في مجالات الطاقة المتجددة، والهيدروجين النظيف، والتعدين المتقدم، والتقنيات الرقمية، فالمملكة اليوم تتحرك بمسار واضح نحو بناء اقتصاد متنوع يعتمد في جزء متزايد منه على الطاقة النظيفة والصناعات المستقبلية، وترى في الشراكة مع الولاياتالمتحدة منصة مهمة لنقل الخبرات وتسريع وتيرة المشروعات الكبرى. وكل صفقة وكل اتفاقية وُقعت في هذه القطاعات تمثل حجر زاوية في بناء قدرات الأجيال السعودية القادمة، فهي ليست مشاريع ظرفية، بل استثمارات طويلة الأمد في المعرفة والتقنية والبنية التحتية المتقدمة، وعندما تتوسع المملكة في مشاريع الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، وتتقاطع هذه المشاريع مع شراكات بحثية وتقنية مع مؤسسات أمريكية رائدة، فإن النتيجة المتوقعة هي قيام منظومة طاقة متجددة ذات تنافسية عالية، توفر فرص عمل جديدة، وتدعم الالتزامات الدولية للمملكة في مجال الاستدامة. دبلوماسية نشطة لأجل الشعوب العربية حملت الزيارة أيضاً بعداً إنسانياً واضحاً فيما يتعلق بالملفات العربية، حيث يواصل سمو ولي العهد قيادة مسار دبلوماسي نشط يستند إلى قيم التضامن مع الشعوب العربية، وإلى إدراك عميق لمسؤولية المملكة تجاه قضايا المنطقة، وقد تناولت المباحثات مع الجانب الأميركي التطورات في عدد من الدول العربية، بما فيها سوريا وفلسطين والسودان. وأشارت تحليلات إلى أن ضم ملف السودان بوضوح إلى قائمة الأولويات السعودية في هذه المرحلة يمثل امتداداً لدور المملكة في دعم الاستقرار العربي، ومحاولة مستمرة لنزع فتيل الأزمات عبر الحوار، والمبادرات السياسية، ودعم الحلول التي تحمي المدنيين وتعيد للدول قدرتها على القيام بوظائفها. ويتفق المراقبون على أن قوة الحجة السعودية، ووضوح رؤيتها في هذه الملفات، أسهما في ترسيخ قناعة دولية متزايدة بدور المملكة كعامل توازن واستقرار، وبأن تحركها الإقليمي يجمع بين النفوذ السياسي والالتزام الإنساني، وهو ما ظهر جلياً في سلسلة مشاركات ولقاءات أعقبت الزيارة في أبرز المحافل الدولية. منصة لتوسيع الفرص وفي سياق الزيارة، احتضن مركز كينيدي الوطني للفنون والأداء في واشنطن منتدى استثمارياً سعودياً–أميركياً حضره عدد كبير من كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات السعودية والأميركية، إلى جانب مسؤولين حكوميين، ووقد أعلن سمو ولي العهد خلال هذا المنتدى عن توقيع مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين شركاء من الجانبين بلغت قيمتها الإجمالية نحو 270 مليار دولار. وكان المنتدى مساحة لعرض الفرص الاستثمارية في المملكة ضمن مشاريع كبرى في قطاعات الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والخدمات المالية، والتكنولوجيا الحيوية، والخدمات الرقمية، وقد أبدت شركات أمريكية كبرى اهتماماً واضحاً بالفرص المتاحة في السوق السعودي، في ظل الإصلاحات التشريعية والتنظيمية التي حسّنت بيئة الأعمال وجعلت المملكة وجهة تنافسية عالمياً. وفي ختام الزيارة، عبّر سمو ولي العهد عن شكره وتقديره للرئيس الأميركي على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة الذي لقيه والوفد المرافق، ونقل تحيات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وتمنياته للشعب الأميركي بمزيد من التقدم. من جانبه، عبّر الرئيس الأميركي عن تقديره للمملكة وقيادتها، وتمنى لخادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد دوام الصحة، وللشعب السعودي المزيد من الازدهار. وقد عكس البيان المشترك الصادر في نهاية الزيارة هذه الأجواء الإيجابية، حيث أكد عمق روابط الصداقة بين البلدين، والتزامهما المشترك بتوسيع مسارات الشراكة في الاقتصاد والدفاع والطاقة والتقنية، والاستمرار في العمل من أجل استقرار المنطقة ورخاء شعوبها.