يحرص قاصدو بيت الله الحرام من المعتمرين والزوار على الشرب من ماء زمزم حال وصولهم إلى الديار المقدسة، لما لماء زمزم من مكانة خاصة في نفوس كافة المسلمين، فهو الماء المبارك وهو خير ماء على وجه الأرض، ويستخرج من بئر لا زالت باقية إلى اليوم، كما أن ماء زمزم يعد من أسباب الشفاء من الأمراض والأسقام ففي الحديث: «ماء زمزم لما شُرب له»، والدعاء يستجاب عند شربه كأن يقال: «اللهم إني اسألك علماً نافعاً ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء»، ومن أجل ذلك عمد البعض من سكان مكةالمكرمة منذ القدم إلى سقيا زمزم، وصاروا يمتهنون مهنة «السقاية» بتقديم الماء إلى كل زائر لبيت الله الحرام، وكان يطلق على من يقدم الماء لفظ «سقا»، حيث يقوم باكراً للذهاب إلى بئر زمزم ويملأ دوارقه ومن ثم يطوف بها في الأماكن القريبة من الحرم المكي أو طائفاً بالبيت الحرام حاملاً معه دورقه ووعاءه الذي يقدم فيه ماء زمزم والذي هو عبارة عن «طاسة» وهي إناء معدني فيصب ماء زمزم لكل طالب من الحجاج والمعتمرين والمصلين، وكان كل سقا يحمل دورقه ووعاءين نحاسيان يقوم بضربهما ببعضهما فيصدران صوتاً رناناً يجذب إليه الأسماع مع ما يردد من عبارات ك: «زمزم يا حاج، زمزم يا حاج»، فترى المارة يتوقفون ليحظوا بشربة من ماء زمزم باردة هنيئة. مكتب زمازمة وظل هذا العمل دارجاً إلى وقت قريب حيث مرت مهنة السقاية بالعديد من التطورات، ففي عام 1399ه تم توزيع مياه زمزم داخل الحرم المكي في حافظات «ترامس» ووضعت في صحن الطواف والمصابيح والمسعى من أجل تزويد الحجاج والمعتمرين بالماء البارد في كل وقت، وفي عام 1403ه تم تأسيس مكتب الزمازمة الموحد بقرار من وزير الحج، وهو إحدى الجهات السعودية العاملة في الحج، وترتكز مهمته الرئيسة على سقيا الحجاج القادمين من خارج المملكة وتقديم ماء زمزم المبرد إليهم في مراكز التوجيه على مداخل مكةالمكرمة، وفي مساكنهم، ولدى مغادرتهم، ويمثل المكتب طائفة الزمازمة الذين أصبحوا مساهمين في مكتب الزمازمة الموحد، ويبلغ عددهم أكثر من سبعمائة مساهم، واختير منهم مجلس إدارة يتولى مهام الطائفة عددهم أحد عشر عضواً ، بمن في ذلك رئيس مجلس الإدارة ونائبه، ومن مهام مجلس الإدارة الإشراف على أعمال المكتب كتوفير مياه زمزم بأسهل السبل، والتخفيف من التكدس والازدحام على بئر زمزم، وإحداث وسائل تقنية حديثة لتقديم مياه زمزم، بالإضافة إلى القضاء على السوق السوداء لبيع مياه زمزم، وكذلك استقبال الحاج داخل مركز التوجيه بعبوة بلاستيكية مبردة ومعبأة آلياً، وسقيا الحجاج بمساكنهم داخل مكةالمكرمة، وكذلك وضع الخطط التشغيلية والميزانيات التقديرية واعتمادها مع وزير الحج، ومتابعة سير العمل، ووضع الخطط المستقبلية في سبيل ضمان تطور الخدمات المقدمة، وكان لمكتب الزمازمة مشاركات في الكثير من المناسبات الوطنية والثقافية والدولية مثل مهرجان الجنادرية. إنشاء سبيلين وحظيت بئر زمزم ومنذ بدايات التأسيس باهتمام المؤسس الراحل الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه -، حيث ذكر محمد طاهر الكردي المكي في كتابه (التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم) نقلاً عن الشيخ حسين باسلامة المكي في كتابه (تاريخ عمارة المسجد الحرام) ما نصه: «ومما هو جدير بالذكر أنه قد أمر ملك المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن أن يعمل على حسابه الخاص سبيلان أحدهما بالجهة الشرقية مما يلي باب قبة زمزم على الجناح الجنوبية، والثاني بجوار حجرة الأغوات من الجهة الجنوبية لبيت زمزم بجانب السبيل القديم المعمول في زمن سلاطين آل عثمان، وأن تجدد عمارة السبيل القديم على نحو السبيلين اللذين سيعملان باسمه الخاص، وقام بهذا العمل الشيخ عبدالله الدهلوي، فعمل السبيل الذي بجوار باب قبة زمزم بالحجر الرخام المرمر على شكل بديع الصنع وجعل له ست فوهات، وعمل السبيل الثاني بجوار حجرة الأغوات كذلك بشكل بديع وجعل له ثلاث فوهات وجدد عمارة السبيل القديم وعمله بشكل بديع يماثل الذي بجواره، وقد كتب على السبيل الأول الذي يلي باب زمزم: هذا السبيل أنشأه الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن، وكتب على الذي يلي حجرة الأغوات: أنشأ هذا السبيل الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن، وكتب على الذي يليه جدد هذا السبيل الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن، وكانت هذه الكتابة بخط عربي بديع بارز قد خطت بعلو كل سبيل من هذه الثلاث وطلى ذلك بالذهب والألوان البديعة وصارت هذه السبل الثلاثة سقلة لمن يريد شرب ماء زمزم من الحجاج والوطنيين والمجاورين آناء الليل وأطراف النهار، وقد صرف على إنشائها ما يربو على ثلاثمائة جنيه ذهب، وتم إنشاء السبيل الذي يلي حجرة الأغوات سنة 1345ه وتم عمل السبيل الذي يلي باب قبة زمزم سنة 1346ه.. انتهى». وأضاف محمد طاهر الكردي أنه قد حصلت بناية جديدة صغيرة أمام باب بئر زمزم وفي جزء من جانبيه، وهي عبارة عن جدران مسقوفة، فيها فتحات بشبابيك من الحديد ليستظل الشاربون تحتها وموضوع في جانبيها عدة «بزابيز» -حنفيات- يشرب الناس منها ماء زمزم، وقد عمل الدرج الموصل إلى أعلى البئر من الخارج بعد أن كان قبل ذلك في أصل البناء القديم وله باب، وكانت هذه البناية الجديدة الصغيرة سنة 1347ه، وفي عام 1383ه تم هدم بناية زمزم لتوسعة المسجد الحرام، وأزالوا قسم البئر وغطوه حتى يتساوي بأرض المطاف، ثم فتحوا باباً آخر للبئر من الجهة الشمالية. مشروع تأهيل وأشار الباحث في التاريخ المكي ومعالم السيرة النبوية الدكتور سمير برقة أنه في عام 1399ه أمر الملك خالد - رحمه الله - بتنظيف بئر زمزم، وفق أحدث الطرق وأتمّها؛ ليصبح ماء زمزم متاحاً في كل أنحاء المسجد الحرام من خلال الترامس، مع سهولة الوصول إلى البئر لمشاهدته، كم أشار إلى أنه في عام 1424ه في عهد الملك فهد - رحمه الله - تم تغطية مداخل قبو زمزم للاستفادة من صحن المطاف، تسهيلاً للطائفين، ووضع علامة دائرة مكتوب عليها «بئر زمزم»، إشارةً إلى مكان أصل البئر ولتحديد مكانه، ثم أُزيلت هذه العلامة، حتى جاء أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - بالبدء بمشروع تأهيل بئر زمزم، وهو على قسمين: الأول يتم من خلاله استكمال العبارات الخاصة ببئر زمزم، والثاني يشمل الانتهاء من المرحلة الأخيرة من عملية تعقيم ماء زمزم والمعالجة البيئية الخاصة بالمناطق المحيطة به. مهنة متوارثة وتعتبر مهنة السقاية من المهن التي توارثتها الأجيال على مدى التاريخ لخدمة الحجاج، وكان يطلق عليهم مسمى «الزمازمة» وينحصر عملهم داخل الحرم المكي عبر جلب ماء زمزم من البئر وتخزينه في «الأزيار» وهي أوعية فخارية كبيرة تشبه الخزان، وفي براميل مصنوعة من الزنك مخصصة لكل عائلة، وهي غرف مخصصة للزمازمة في أقبية الحرم، وكان للزمازمة شيخ ينتخب ضمن أفراد الطائفة يتولى تنظيم عملهم والإشراف عليهم، ويقوم الزمزمي بتقديم ماء زمزم بعد تبخير الدوارق الفخارية ب»المستكة» ليكتسب ماء زمزم رائحة جميلة، وتملأ الدوارق بالماء من الأزيار ويقدم للحجاج في أوعية نحاسية، وكان لكل زمزمي منطقة معينة يجلس بها داخل الحرم وله دوارق وهي جمع دورق والدورق جرة من الفخار، والدوارق عليها نيشان -علامة مميزة- يعرفها الزمازمة تتم كتابته على كل دورق بواسطة «شمع العسل» مع الرماد، فيشكّل لوناً أسوداً يصعب مسحه ليعرف كل زمزمي دوارقه، واستمر العمل في السقاية من قبل الزمازمة حتى تاريخ 1403ه الذي تم تأسيس مكتب الزمازمة الموحد بقرار من وزير الحج والأوقاف –آنذاك- لترسيخ عراقة هذه المهنة المشرفة، وجعل عمل الزمازمة جماعيّاً بدلاً من العمل الفردي، بإشراف مباشرٍ من وزارة الحج والعمرة، وتتلخص خدمات المكتب في سقيا حجاج بيت الله الحرام طيلة فترة إقامتهم بالديار المقدسة، ويكون ذلك وفق ما جاء في التعليمات المنظمة لشؤون الحج. تطوير مستمر وظل الكثيرون من زوار بيت الله الحرام ومنذ القدم يحلمون بحمل ماء زمزم معهم بسهولة وكميات كبيرة أثناء عودتهم إلى ديارهم، لكن قلة الإمكانات لم تكن فيما مضى إلى وقت قريب تسعفهم في ذلك، وكانت بداية تحقيق هذا الحلم في شراء عبوات صغيرة في دوارق مصنوعة من البلاستيك في غلاف كرتوني صغيرة الحجم لا تتسع إلاّ للتر تقريباً، وكان ثمنها غالياً، فيما كان البعض يتولى بنفسه تعبئة جالونات من البلاستيك بسعات مختلفة قد تصل الى عشرين لتراً من بئر زمزم أو من الصنابير التي تتدفق منها مياه زمزم في أروقة المسجد الحرام، ونظراً لإقبال الناس على التزود بماء زمزم عندما يهمون بالرحيل من مكة والعودة لديارهم فقد نشطت حركة بيع ماء زمزم بالقرب من صنابير تلك المياه التي تزود قاصدي المسجد الحرام بماء زمزم، فقد كان هناك من يعرض جالونات الماء البلاستيكية فارغة ويعبئها بماء زمزم لمن يطلب ذلك بمقابل مادي مجزٍ، بينما يقوم البعض الآخر بتعبئة العشرات من جالونات ماء زمزم وحملها بسيارته على الطرق الخارجية لمكةالمكرمة والتي يمر بها المسافرون خلال عودتهم من مكة إلى ديارهم حيث يبيع تلك الجالونات على من يرغب بسعر أغلى، واستمرت الحال على ذلك حتى تم تدشين مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز - رحمه الله - لسقيا زمزم في شهر رمضان من عام 1431ه في منطقة كُدَيّ بمكةالمكرمة بتكلفة تجاوزت 700 مليون ريال، والذي جاء شاهداً من الشواهد الدالة على عناية المملكة بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، وتغييراً جذرياً لواقع خدمة مياه زمزم، وتلبية للطلب المتزايد عليها، وواحداً من جهود التحسين والتطوير المستمرة للخدمات المقدمة لضيوف بيت الله الحرام من الحجاج والمعتمرين والزائرين، حيث أحدث المشروع نقلة نوعية وتغييراً جذرياً في خدمة طالبيه، وحرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - ومنذ توليه مقاليد الحكم على استمرار هذا المشروع والعناية به خدمة لقاصدي بيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف والمشاعر المقدسة. وضع حافظات ماء زمزم في الحرم المكي 1399ه زمزم مشروع ضخم لصالح ضيوف الرحمن تنفيذ مشروع تأهيل بئر زمزم تأسيس مكتب الزمازمة العام 1403ه ألغى العمل الفردي توزيع ماء زمزم في المسجد الحرام حمود الضويحي