كان تقبُّل الأدب ولا يزال من أهم انشغالات المدارس الأدبية، غير أنها اختلفت في طبيعة هذا التقبُّل وطريقته، فمنها من ألحقته بالإنتاج، ومنها من ربطته بالتوزيع... إلى أن جاء "هانز روبيرت ياوس" (1921-1997) الذي جعل تقبل الأدب لصيقا بالمتلقي، مؤسسا بذلك لما أصبح يسمى ب "جمالية التلقي". وجمالية التلقي مفهوم أدبي بلوره "ياوس" -مؤسس مدرسة "كونسطانس"- يقوم على جعل جمالية النص الأدبي مرتبطة بتلقي القارئ له؛ أي إلغاء ذلك التلقي الذي كان قائما على جماليتي الإنتاج والتوزيع، والذي يفضي بالمتلقي رأسا ناحية الاستيلاب، وبالتالي إلغاء شخصيته وتبعيتها مباشرة للإنتاج. من هذا المنطلق، تكون "جمالية التلقي" رد فعل قوي بالنظر إلى أنه تأسس على مجموعة من المبادئ النظرية، والركائز التحليلية؛ هذا بيان موجزها: المبادئ النظرية من أهم المبادئ النظرية التي تقوم عليها جمالية التلقي، والتي شكلت ثورة في مجال تقبل الأدب وتحليله، رد الاعتبار لتاريخية الفن والأدب؛ أي إلغاء المعتقدات والأفكار السابقة التي كانت تدعو إلى ضرورة إدماج تاريخ الأدب ضمن التاريخ العام، إما بالنظر إليه بوصفه مرآة تعكس الحياة الاجتماعية والاقتصادية... للأمم، وإما بِعَدِّه لا زمنيا، لا سيما مع المدرسة الاشتراكية الماركسية. وعلى هذا الأساس، حاول "ياوس" تشييد تاريخ خاص بالأدب، يؤرخ له باتباع فتراته الزمنية المخصوصة للتعرف على مراحل تطوره عبر الأجيال، والتي ليست بالضرورة مواكبة للتطور التاريخي العام. ولا ريب أن هذا الفهم للأدب مغاير كلية لنظرية الفيلسوف "كانط"، الذي أكد أن الحس الجمالي مشترك؛ أي أن الجميل سيبقى جميلا مهما اختلفت طرائق تلقيه، ومهما تعارضت الآراء حوله على اختلاف المراحل الزمنية وتطور الذائقة الفنية. ينضاف إلى المبدأ السابق، تشكيل رؤية جديدة للتاريخ الأدبي، بحيث أصبح يعتبر مع "جمالية التلقي" سيرورة زمنية يفرز فيها التلقي السلبي للأدب إنتاجا إيجابيا، ومعنى هذا الكلام أن الانتقادات التي يوجهها النقد لعمل أدبي ما، تكون فرصة بالنسبة إلى الكاتب يحاول من خلالها أن يحدد مكامن الضعف في إنتاجه لتلافيها في أعماله المستقبلية. ولا مراء في أن أُسَّ مبادئ "جمالية التلقي" هو أفق الانتظار، ذلك أن القارئ يقبل على تجربة قراءة النص الأدبي وهو مفعم بانتظارات معينة، تتولد لديه إما من خلال تجربته القرائية العامة، أو من خلاله تجربته مع قراءة النوع الأدبي الذي ينتمي إليه النص المبرمج للقراءة، أو -أيضا- من خلال تجربته في قراءة نِتاج مؤلف النص، أو حتى من خلال بعض المؤشرات النصية وغيرها، ولا تتحقق "جمالية التلقي" إلا بتحقق تكسير لهذا الأفق؛ أي "خيبة الانتظار". ومن ثمة، يكون تحقق المتعة الجمالية من خلال جعل المتلقي يتخلص من الواقع اليومي، ويندمج في الواقع الأدبي، مُعانيا ومتأثرا في سبيل بلوغ هذه الغاية. ومن هذا المنطلق، يكون الفن -حسب "جمالية التلقي" دائما- هو تلك المعادلة التي تتأسس على رفض كل ما هو طبيعي محبوك حبكة تقليدية، والتي تدعو إلى غير المألوف والمعهود. ولا تتحقق "جمالية التلقي" إلا من خلال خلق مسافة جمالية بين العمل الفني/ الأدبي والمتلقي؛ أي بين المضمون الأدبي ووجدان المتلقي وذهنه. ولا شك أن هذا المفهوم يذكرنا بمفهوم التباعد البريختي -المعاكس للتطهير النفسي الأرسطي- والذي يدعو إلى ترك تماهي المتلقي مع العمل الأدبي (المسرح هنا)، ودفعه إلى أن يحافظ على وعيه بأنه يعيش داخل العالم الواقعي، وأن ما يشاهده محض تخييل له غايات تعليمية. الركائز التحليلية من أهم الركائز التحليلية التي تقوم عليها "جمالية التلقي"، اعتماد منهج تحليلي تأويلي ينظر إلى الأدب بوصفه واقعا جديدا موازيا للواقع الفعلي المعيش دون أن يعكسه بعكس ما تراه الماركسية، ودون البحث عن قيمته الفنية ومتعته الجمالية في ذاته مثلما دافعت عن ذلك الشكلانية. إن هذا الواقعَ واقعٌ متفرد ومميز، له قواعده المخصوصة التي تنأى به عن أن يكون مجرد مرآة صماء، ومن خصوصيات هذا المنهج -ومستجداته كذلك- أنه يُقبِل على دراسة الروائع الكلاسيكية، مثلما يحلل الآداب الشعبية من دون تمييز أو تحيّز، واضعا نصب عينيه هدفا أسمى؛ هو إعادة تاريخية الأدب، واعتماد المتعة الجمالية القائمة على التجربة الجمالية، والتي تُفضي إلى تحقق فعلي لجمالية التلقي. كما تعتمد هذه الجمالية أيضا على المناهج اللسانية؛ كالمنهج السنكروني (التزمُّني) أو المنهج الدياكروني (التزامني)؛ حيث تقوم -على سبيل التمثيل- بإحداث تقطيعات سنكرونية في حقب زمنية مختلفة بغرض قياس أفق انتظار فترة ما أو أي أساس نظري آخر. وعلى المستوى الدياكروني، تقوم هذه الجمالية بربط هذه التقطيعات السنكرونية من أجل رصد التطور في أساس نظري معين عبر أزمنة مختلفة. ولا خلاف في أن هذه الدراسة الزمنية -إن صح التعبير- ستمكن، رغم صعوبة العمل وضخامته، من قياس فعلي وحقيقي للتلقي الأدبي في حقب بعينها، أو عبر مسار زمني معين. وهكذا، تمكنت "جمالية التلقي"، من خلال المبادئ النظرية التي انطلقت منها، وعبر الركائز التحليلية التي تبنتها، من تحقيق عدد من النتائج الإيجابية الواعدة؛ حيث تمكنت من القطع مع ما يسمى ب "استيلاب القارئ" عبر وساطة جماليتي الإنتاج والتوزيع فيما مضى. كما جاءت بمفهوم في غاية الأهمية، وهو مفهوم أفق الانتظار، أو بالأحرى "خيبة أفق الانتظار" الذي يلعب دورا مهمًا في قياس استعداد القارئ لتقبُّل العمل الأدبي. وقد توفقت هذه التقنية في تحقيق متعة جمالية قائمة على التجربة المتكررة كانت فعالة على مستوى التلقي، كما أنها نجحت في التأسيس لعلم جديد هو "تاريخ الأدب"، بمعزل عن التاريخ العام وعن التواريخ الخاصة بالمجالات الأخرى، وهو ما مكّن من تفادي خنق الأدب، بل قتله بخلطه بتاريخ الأمم، وبالتالي ضياعه وسطه. ولا يجب أن نغفل أن "جمالية التلقي" تعاملت مع النص الأدبي بشكل متفرد وغير مسبوق، حيث عدّته "أثرا منفردا" بذاته، يتلقاه المتلقي حسب طريقته الخاصة، فيغوص في عالم ينتهي بصدمه في النهاية، دون أن ننسى ترك المسافة مع هذا العالم لتجنب السقوط في التماهي، وبالتالي فقد الحس النقدي، فنتحول إلى عبيد خاضعين للسيد/ الأثر الفني.