كثيراً ما سمعنا عن فن الممكن، ومنهجية المراحل، وسياسة الألف ميل، وعبارات أخرى وأمثال موروثة عن النظرة الصحيحة للحياة، وكيف ننظم حياتنا بالشكل الذي يجعلها سعيدة وآمنة ومنطقية أيضاً. ولأن تنظيم الحياة يعتبر تحديا أكبر بكثير من تنظيم عمل مؤسسي، ويعد أكثر أهمية دون شك من تنظيم إداري يتسم بمحدودية تأثيره على حياة الإنسان الشخصية، فإن إدارة الحياة كانت وستظل السؤال الصعب في عالم الإدارة، لأن هذه الإدارة هي التي تصنع إنساناً ناجحاً أو إنساناً فاشلاً يستطيع أو لا يستطيع أن يدير أعماله وأعمال الآخرين، بما يحقق السعادة له ولمن حوله. لكن في ذات الوقت، هل تنظيم وإدارة الحياة يعد أمراً سهل المنال؟ الجواب يعتمد على أدبياتنا حول ماهية الحياة وما الذي نريده فيها لأنفسنا ولغيرنا، وانطلاقاً من فهمنا لهذه الجزئية، سنتمكن أو لن نتمكن من صناعة إدارة صحيحة وجيدة ومثمرة لحياتنا. والناظر إلى حقيقة الحياة لا بد وأنه سيدرك أن حقيقتها الكبرى تقوم على مبدأ صناعة الخير للنفس وللغير، وعدا هذا المبدأ فهو لا يمكن أن يقود إلى التأسيس لمنهجية إدارة حياة صحيحة. واستناداً إلى هذا النموذج الإيجابي في النظر إلى ماذا نريد لأنفسنا ولغيرنا، سنؤسس معاً القاعدة الأولى في إدارة الحياة بشكلٍ صحيح وهي قاعدة "ضع هدفاً أخلاقياً للحياة ثم قم ببناء استراتيجية إدارتك للحياة بناءً عليه". وبعد فهم الجانب الأخلاقي المتعلق بالحياة، سنخطو معاً نحو معايير وتطبيقات إدارة الحياة. وستشمل تلك المعايير والتطبيقات جوانب العناية بالصحة اليومية، وبدء يومنا اعتماداً على أدوات تصنع الإيجابية مثل الاستماع للقرآن الكريم، والتأكد من أداء الواجب الديني (صلاة الفجر)، وفهم أهمية ترديد عبارات إيجابية في العقل الباطن كل صباح، مثل "اليوم يوم سعيد بإذن الله لي ولغيري"، لأن تكرار مثل هذه الأفكار الإيجابية في العقل الباطن يحولها رويداً رويداً إلى ممارسة حقيقية سيلمسها الشخص في أنشطته اليومية دون أن يشعر. وإدارة الحياة في إطار فن الممكن، تعني أيضاً الكثير. وفن الممكن لا يعني القبول بالنتائج السلبية، أو الرضا عن سوء الأداء، ففن الممكن بعيد كل البعد عن هذا الاتجاه غير القويم من التفكير، إذ أن فن الممكن يتعلق بشكل أساسي بتطويع الإمكانات المتاحة للوصول إلى القدر المقبول والمعقول من الجودة التي لا يجب أن تقل عن الحد الطبيعي، وتطوير الأداء باتجاهات أفضل وأعلى تدريجياً. وهكذا فإن إدارة حياتنا الصحيحة هي بين ما نفهمه نحن عن تلك الحياة، وما نريده فيها لنا ولغيرنا، وما تقبل به عقولنا من ثقافة المراحل والتدرج، ضاربين عرض الحائط بمنهجية الانتقال السريع، والقفز على الممكن، وتجاهل المعطيات على الأرض، فكل هذه الممارسات لا تفيد في إدارة الحياة التي نريدها أن تكون مدخلاً حقيقياً لصناعة السعادة لنا ولمن حولنا. * باحثة دكتوراه علم نفس إداري