ترتكز هندسة التغيير، التي شاركت في تمرين مكثف لتطبيقها، على القدرة على فهم البيئة التي يقع فيها التغيير والتخطيط لإدارتها؛ لذلك اتسم التمرين باتساع نطاقه وعمقه. فمن حيث النطاق، كانت التعليمات التوجيهية تفيد بحاجة الفريق إلى عضو على اطلاع عميق بتفاصيل موضوع الدراسة. كانت رغبة الفريق - كما ذكرت في المقالة السابقة - أن يكون الموضوع عن منطقة الشرق الأوسط، فاقترحت موضوع التنمية الاقتصادية مجالا للتمرين. وقف أربعتنا أمام صحيفة بيضاء كبيرة ومعنا أقلام الحبر العريضة لرسم الخطوط الرئيسة للتمرين. قُسمت الصحيفة إلى أربعة أعمدة: الأهداف، الأسباب، العوامل، والعوامل الجذرية. في قائمة الأهداف قسمان فرعيان هما الأهداف الإيجابية التي يراد تحقيقها، والأهداف السلبية التي يراد تجنبها. يبدأ التمرين بسرد الأهداف بناء على عصف ذهني يشارك فيه الفريق. من الأهداف الإيجابية - على سبيل المثال - بناء منظومة اقتصادية مستدامة، ورفع مستوى المسؤولية الاجتماعية، وبناء بيئة للابتكار في مؤسسات الدولة والمجتمع عامة. ومن الأهداف السلبية، العزوف عن المشاركة في برامج التنمية، وتدني جاذبية بيئة الاستثمار المحلي. كان سرد الأهداف يأتي تلقائيا مع العصف الذهني، حتى تتكون مجموعة من الأهداف لتطوير قائمة الأسباب التي تؤدي إلى الأهداف الإيجابية والسلبية. كان على الفريق أن يحسن إدارة الوقت، فنطاق التمرين واسع، وإضافة الأهداف أو إعادة صياغتها عملية لا نهاية لها؛ لذلك بدأنا في سرد الأسباب والعوامل والعوامل الجذرية حسب تداعي الأفكار، وسرعان ما امتلأت الصحيفة البيضاء بالقصاصات اللاصقة. كان لدى كل عضو شريط لاصق لربط الأهداف بالأسباب، والأسباب بالعوامل، والعوامل بالعوامل الجذرية. ومع وجود ما يكفي من الأهداف والأسباب، أمضينا وقتا في ربط الأهداف بالأسباب على درجات مختلفة، فتكونت عناقيد من الأسباب والعوامل بينها علاقات مكثفة، كأن يرتبط عاملان في التأثير في بعضهما بعضا مع اتصالهما معا بهدف واحد. كان ما شد انتباهي بُعْد النظر إلى الرسم البياني، الذي تكون هو العلاقة بين الهدف السلبي (العزوف عن المشاركة في برامج التنمية) بالسبب المباشر (سرعة التغيير المؤدية إلى عدم الثقة) والعامل (نجاح الدولة في تنفيذ برامجها). كان ما يجمع بين هذه العناصر روابط اتفق الفريق على تمثيلها بخطوط تربط بينها عبر الأعمدة، حتى إن الناظر لا يحتاج وقتا طويلا ليراها. إن إبراز نجاح الدولة في برامجها يؤدي إلى تقليل الأثر السلبي من سرعة التغيير، لكن بمتابعة الخطوط المتشابكة وجدتُ صلة بعامل آخر يؤثر في (سرعة التغيير) وهو (الدعاية السلبية). كان التكتل الذي أمامي يشير إلى دور أطراف خارجية يمكن أن تشيع دعاية سلبية لتعطيل التنمية بإشاعة شعور عام بعدم الثقة. كانت هذه النتيجة مفاجئة للجميع، لا من حيث مضمونها فقط بل من حيث التحليل الذي تلاها لاحقا، وهو ما أترك الحديث عنه للمقالة المقبلة.