«الواسطة» قرية صغيرة (على بعد 130 كلم من المدينةالمنورة) تتميز بوضع جغرافي فريد. فهي - كما يشير اسمها - تتوسط سلسلتين جبليتين صغيرتين في وادي الصفراء بحيث لاتمر بها الشمس لفترة طويلة. فحين تطلع الشمس من مشرقها لا يرى الناس ضوئها إلا بعد عدة ساعات (بعد أن ترتفع فوق الجبال الشرقية) وحين تنتهي فترة الزوال تبدأ بالاختفاء (فوق الجبال الغربية) حتى يحل الظلام فعلا.. وهكذا لا ترى القرية ضوء الشمس إلا لساعات قليلة نسبيا (تتفاوت بين فصول السنة) مما يجعلها تتميز بطقس ألطف من غيرها في تلك المنطقة الملتهبة!! وفي الحقيقة لطالما اعتقدت بوجود حالات جغرافية مماثلة في دول كثيرة (حيث لايستغرب وجود قرية صغيرة في واد ضيق) ... وقبل أيام فقط صدق ظني حيث قرأت خبرا طريفا عن قرية نمساوية تعاني من وضع متوسط كهذا؛ ففي شرق النمسا توجد منطقة جبلية تتميز بشتائها القارس تدعى «مقاطعة التيرول». ووسط هذه المنطقة توجد قرية صغيرة تدعى راتنبرغ تعيش في ظل جبلين يحجبان عنها نور الشمس في معظم الأيام. فمن الشرق هناك سلسلة شتادبرغ التي يبلغ ارتفاعها 910 أمتار - وتحجب أشعة الشمس في فصل الشتاء - ومن الغرب هناك جبل ستادشتوس الذي يتجاوز ارتفاعه 887 مترا ويحجب عنها ضوء الشمس بعد ظهيرة أي يوم.. وللخروج من هذا المأزق المظلم قرر سكان القرية (الذين انخفض عددهم الى 467 شخصا فقط) تبني مشروع جريء لعكس ضوء الشمس باستعمال ألواح عاكسة عملاقة. وتعتمد الفكرة على نصب ستين مرآة فوق الجبال المحيطة لعكس أشعة الشمس على ساحات القرية وشوارعها الرئيسية.. ويقول ماركوس بيسكولر المسؤول عن المشروع إن هذه المرايا سيتم تحريكها بواسطة الكومبيوتر لترافق مسار الشمس وتضمن عكس النور إلى القرية طوال النهار. أما رئيس البلدية فرانتس فورتسنراينر فيقول ان التفكير بهذا المشروع بدأ عام 2003 حين أفاد معظم السكان بمعاناتهم من الكآبة والإحباط بسبب غياب الشمس - الأمر الذي أدى الى عزوف السياح وهجرة 10٪ من سكان القرية خلال السنوات الخمس الأخيرة!!! ... ومن المعروف أن الغياب المستمر لضوء الشمس يتسبب بآثار نفسية وصحية سيئة - ناهيك عن نتائجه الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة؛ فبالاضافة الى أهميته في مكافحة الكساح والسل وضعف النمو - لدى الصغار - اتضحت فائدته في مقاومة نخر العظام وأمراض القلب والشرايين لدى الكبار (....) أما من الناحية النفسية فيتسبب غياب الشمس الطويل بحالة نفسية سيئة تطال معظم السكان (تعرف باسم كآبة الشتاء) كما يساهم في رفع نسبة الجرائم العائلية ومعدل الانتحار في تلك الفترة!! .. وحسب علمي؛ كان الروس - وليس أهالي النمسا - أول من فكر بعكس اشعة الشمس بهدف تدفئة المناطق الجليدية في سيبيريا. فخلال عقد الستينيات طرحت مؤسسة الفضاء الروسية فكرة نصب مرايا عملاقة في الفضاء الخارجي تعكس ضوء الشمس الى شمال روسيا.. ورغم أن الفكرة بدت معقولة من الناحية النظرية إلا أن المساحة الشاسعة لسيبيريا (التي تمثل 75٪ من مساحة روسيا نفسها) حالت دون قبول المشروع.. وفي منتصف الثمانينيات طرحت الفكرة مجددا بغرض تركيز ضوء الشمس على بلدات ومناطق جليدية صغيرة ومحدودة نسبيا - غير أن تفكك الاتحاد السوفياتي وتخفيض ميزانية المشاريع الفضائية جعلته في حالة تأجيل دائم حتى يومنا هذا!! .. على أي حال؛ كلي ثقة بأن نجاح مشروع راتنبرغ سيشكل أنموذجا يحتذى في مناطق كثيرة حول العالم.. وحين يكتمل نهائيا (في عام 2007) سينتشر في دول الشمال البارد أسرع من انتشار طواحين الهواء في القرن الثاني عشر!