"بالأمس.. بعض الكلمات التي قيدت من رجليها، ولُفت بالأسلحة والعتاد؛ كانت تراودني، تجوب مخيلتي وتنادي بشعارات الوحدة والاستقلال!". كرمانج هكاري. حضارة ولدت منذ طلوع فجر التاريخ، قامت بها إمبراطوريات ودول وإمارات، أحد أعظم رجالهم صلاح الدين فاتح القدس، تاريخهم مشتت هائج وأدبهم ثوري، ورغم كل ذلك الجفاف والضجيج والقوة؛ يتميز الأكراد بضرورة وجود علاقة حب بين الشاب والفتاة قبل زواجهما كإحدى التقاليد المهمة!. ينتسب الأكراد إلى أراضي كردستان التي يذكر المؤرخون أن أهلها هم سكان المنطقة الأصليون منذ بزوغ تاريخ البشرية، وتتمركز بين عدة جبال؛ مما عاد بالأثر على أهلها بالمقاومة العنيفة أمام طمع الدول والإمبراطوريات الغابرة فيها، وشكل تكويناً ثورياً؛ يلعن الغربة.. ويحن للوطن المقسّم والمعتدى عليه منذ عهود البيزنطيين، مرورا بالعثمانيين والصفويين الفرس، ثم التقسيم الأخير بعد الحروب العالمية. تعني كلمة كرد أي: "بطل" ويعتبر الأكراد مستنقعا للغات عديدة، ولعل تلك كانت حسنة التقسيم الوحيدة، فيتكلمون باللغة الكردية كلغة أم؛ والتي تعتبر إحدى فروع اللغة الإيرانية التي قاومت الاندثار بسبب الحروب والاحتلال وسياسات الدول التي حكمتهم، كما يتكلم معظم الأكراد اللغات العربية والتركية والفارسية، فكوّن هذا المزيج لسانا غنيا لدى المجتمع الكردي. وللأدب الكردي رموز ومدارس تعود لبنتها الأولى إلى القرن الميلادي العاشر، كما أن الأدب الكردي قد مر بمراحل عدة متأثرا بالأحداث السياسية، فكتبوا الحكايات والملاحم الغنائية بنسق شعري خاص؛ جمع بين الرواية الشعرية والحكاية والتاريخ والحوار الدرامي والذاكرة الشعبية بلغة تغرق بالتساؤلات والتحليق في دهاليز الروح الكردية التي يطغى عليها الحزن وبعض من القسوة على الآخرين. ومن أهم الأدباء في تاريخ كردستان الأديب أحمد خاني والذي يعرف نفسه بقوله: "أنا عطار ولست بائع جواهر، أنا قد غرست نفسي ولم يُعن بتربيتي أحد، جبلي أنا من هذه السفوح، وهذه الكلمات تنبع من صميمي الكردي؛ فوقعوها بحسن ألطافكم، أصغوا إليها بسمع إصغائكم". ولد أحمد خاني في النصف الثاني من القرن السابع عشر أثناء الصراع الشديد بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية للسيطرة على ثروات كردستان؛ وكلما كبر أحمد سقطت الإمارات الكردية الواحدة تلو الأخرى، فكتب ملحمته الخالدة "مم وزين" التي تحكي قصة حب بين عاشقين من بيئتين مختلفتين وطبقتين متباينتين، أدت علاقتهما إلى تسلط الأمير على الفقراء بالسجن حتى مات طرف من العشق بعد موجة عارمة من التمرد والسخط ضد الأمير؛ ثم مات الطرف الآخر حزنا!. وعلى ذكر الزواج الكردي؛ فمن العادات الكردية الغريبة أن يقوم مجموعة من الشباب بخطف العريس ثم إخفائه، وذلك حتى تتناول العروس من هيبة زفافها بعد أن تترجى الخاطفين بأن يعيدوا لها محبوبها، متوحشة لباسها الشعبي الواسع المزركش بالزهور والألوان الزاهية. اللافت للانتباه في الشعر الكردي أنهم كتبوا الشعر المقفى وشعر التفعيلة والشعر النثري والحديث، وكان ممن تميزوا بالقصيدة الحديثة؛ الشاعر محمد عفيف الحسيني الذي قال: ثم تنتهي الحكاية كما سينتهي هذا العام.. وتنطفئ أشجار الميلاد، ويعود الساهرون إلى منازلهم الصفراء.. وتغيب الحكاية، والسيدة الصغيرة.. لا ريح تذكرها بالرجل وهو يقدم لها حنينا ويأسا.. ومساء خير! ثم ينطفئ كل شيء كأن لم يحدث شيء سوى مرآة مشروخة، تحمل صورتين جميلتين.. ووردة ذابلة، وشجرة الميلاد المطفأة!. وفي الحقيقة فقد أفسدت الثقافة المأساوية المتراكمة في الذاكرة الكردية جمالهم الثائر أيضا من الطبيعة، فغالبا ما تحمل عيونهم الألوان الخضراء والزرقاء والعسلية، وتنحت أجسادهم عوامل النحت الطبيعية في الجبال التي يعيشون فيها، ويغذي الطقس جلود نسائهم الناعمة؛ إلا أن أدبهم ظل محتكرا على مواضيع معدودة، ووصل هذا الاحتكار إلى الأغنية الشعبية التي غالبا ما تتحدث عن آلام الغربة والشتات والحنين إلى الوطن، وتدوين بطولات أمتهم في أيامها السعيدة، مستخدمين آلات موسيقية خاصة تسمى : "البزق: وهو عود يحمل 24 وترا - الطنبورة: وهو عود يحمل 12 وترا - وكذلك الزورونا والطبل".