وزير المالية: الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية في المملكة بدأت تؤتي ثمارها    بريطانيا وألمانيا تدينان هدم إسرائيل منازل فلسطينية    مقتل 7 مدنيين في قصف للنظام على شمال غرب سوريا    ميركل تريد مواصلة "الصداقة الوثيقة" مع لندن    إتلاف 13.673 كجم مواد غذائية وضبط 39 عاملا مخالفا صحيا    أمير الجوف يتفقد أحياء القريات والمستشفى العام    بعد فضيحة تفجيرات مقديشو.. قطر تحاول التنصل من «صديق تميم»    سمو أمير الجوف يقف على مدينة الحجاج بأبي عجرم ويؤكد أن خدمة الحجاج شرف لنا جميعاً    سمو نائب أمير منطقة حائل يزور مركز التدريب الصيفي للمعلمين بتعليم المنطقة .    تعليم الطائف يستضيف المعسكر الإعدادي للحج بمدينة الملك فهد الكشفية بالحوية    "العمل" تختتم ورش الخارطة الحرارية والمنصة الإلكترونية بالمدينة    محمد بن زايد يلتقي نائب الرئيس الصيني    معتز جاهز للركض    تنفيذ حكم القتل تعزيراً بمهرب حبوب الإمفيتامين المحظورة    دورتان تدريبيتان في ملتقى المدينة الشبابي بجدة غداً    رسوم فتح الأنشطة التجارية 24 ساعة تصل إلى 100 ألف ريال سنوياً    ولي العهد يجري اتصالاً هاتفياً برئيس وزراء اليابان    "مدني نجران" يباشر خدمة الحجاج من "مركز بهجة"    "تعليم صبيا" يحتفي بختام أنشطته الصيفية    «الفيصل» يطلق الحملة الإعلامية التوعوية «الحج عبادة وسلوك حضاري»    وزير التعليم يشكل لجنة إشرافية لمتابعة تنفيذ أحكام اللائحة التعليمية وسلم الرواتب    خادم الحرمين الشريفين يرأس جلسة مجلس الوزراء ويتخذ عدد من القرارات    برامج نوعية وأنشطة متعددة في نادي الملك سلمان الصيفي ببيشة    راكان الراشد يحقق وصافة رالي أوتوغليم الفنلندي    «أمير تبوك» يلتقي أهالي المنطقة    جوائز نقدية مليونية ومنافسات تفاعلية تبث مباشرة عبر القنوات التلفزيونية    التخصصي يكرّم 94 ممرضاً وممرضة أنهوا سنة الامتياز    العاصمة المقدسة : مدينة الملك عبدالله الطبية تنهي كافة استعداداتها لموسم الحج    164 متبرع في اليوم الأول من حملة " دمي لضيوف الرحمن" بالشرقية    اعتماد 8 أعضاء سعوديين في لجان الاتحاد الآسيوي لكرة القدم    “التحالف”: إسقاط طائرات بدون طيار أطلقتها الميليشيا الحوثية الإرهابية باتجاه عسير    تعليق مصير بوتيا مع الهلال إلى نهاية المعسكر    وصول 455,582 حاجاً إلى المدينة المنورة    مدير الأمن العام يرأس الاجتماع الثالث للجنة الأمنية بالحج    وزارة الحج والعمرة تحذر من التعامل مع المواقع الإلكترونية المشبوهة    دي ليخت يعترف: الجميع نصحني بالذهاب إلى برشلونة    ما يحدث في مضيق «هرمز» بلطجة.. ومعاهدة 1982 تحرّم اعتراض السفن    43 مليون ريال.. تشغّل شبكات المياه ل 7 أحياء في «بيشة»    «طبرجل» تستعد ل«مهرجان الفاكهة».. السبت    "شرح زاد المستقنع ..كتاب الحج " برنامج علمي بتعاوني بقيق غداً    أمير الحدود الشمالية يؤكد على أهمية رعاية الموهوبين في المجالات التنموية    شاهد.. الأمير فيصل بن سلمان يزور الطفل المصري الذي فقد والديه ويهديه مصحفاً    "الصحة" تكمل تجهيزات "موسم الحج" لخدمة ضيوف الرحمن    هبوط أسعار الذهب بفعل صعود الدولار    حالة الطقس المتوقعة اليوم الثلاثاء    أمر ملكي : تعيين فضيلة الشيخ الدكتور عبدالسلام بن عبدالله بن محمد السليمان عضواً في هيئة كبار العلماء    تعرَّف على فصيلة الدم الأكثر مقاومة للسرطان            وزير الشؤون الإسلامية د. آل الشيخ        محمد العياري        سمو أمير الجوف يقف على استعدادات منفذ الحديثة لاستقبال الحجاج    الأوروغوياني براغ مان ينتظر رد الشباب    جائزة لتجويد خدمات حجاج تركيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا    أهالي طيبة يحتضنون طفلا رحل والداه في حادثة    امير منطقة عسير يزور اسرة ال عواض بمنطقة عسير    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الجمال والخيال من «خيمة الحدادين» إلى «خيمة العرب»
نشر في المدينة يوم 26 - 06 - 2019

مبكرًا ومبكرًا جدًا أدركت محنة اللاجئين المشردين والغرباء الهائمين! عرفت من خلالهم معنى شعور طفل بالجوع، ومرارة الإحساس بالضياع.. شيئًا فشيئًا وأنا أتنقل بين خيمة الحدادين الغرباء المنصوبة في قريتي من جهة، وخيمة العرب المرقعة في الجهة الثانية عرفت قيمة الاستمتاع بفرح الترحال والمغامرة، وروعة استجلاء المجهول، ونشوة المعرفة.
ورغم أن أهل الخيمتين أو أولاهما على الأقل كانوا من أبناء مصر القادمين على الأرجح من الصعيد فقد كان قلبي ينفطر حسرة وألمًا على أولادهم وبناتهم كلما مررت بالخيمتين.. كنت منشغلا بعيشة أو معيشة هؤلاء تحت الخيام من الصباح للمساء، حيث أيام وليالي العوز والأرق والحرمان. والواقع أنني في فترة من عمري ظننت أن الحداد الكبير..... هو حارس نار الجحيم! بالمفهوم الفطري للأطفال والمقابل للجنة والنعيم! لقد كان لا يضحك ولا يبتسم ولا يتكلم.. وإذا نطق ذات يوم ينهر ابنيه بكلام مؤلم!
ظللت مندهشًا في فترة طويلة بذاك الرجل الذي لم يعد يحتمل عذاب النار، ولا إشعاع النور، غير أنني في مساء مغرب حملقت في فتحة أو كوة تظهر في الخيمة فوجدت الرجل -حارس النار- بل حاميها وصانعها يصلي لله.. فصرخت مرددًا يا الله!
انكسرت حدة الخوف بل الرعب من النار الدنيوية التي أرادها الله أن تكون في قريتنا ومن وجه حارسها، وبدأت أقترب من حرف الخيمة، خاصة إذا جاء مزارع قريب يطلب فأسًا، أو محراثًا.. أو جاءت جارة تطلب عود حديد للفرن أو مصبة! عالم آخر جميل انفتح أمامي.. هاهو حارس النار يصنع كل ما يفلح الأرض وينسق المشاتل.. بدءًا من منقرة الفلاح إلى مطرقة العامل!
نسيت نظرة الابن «فكيه» المقهورة، ولم أعد أخاف من أذنه المبتورة، لكنني وحتى اليوم أتذكر كيف كان يعيش يومه في سأم، يكتفي في المساء باللعب مع النجوم، عله كان يدور معها في الفلك، حيث يمضي عمره كله كيفما اتفق!
تذكرت بالأمس خيمة الحدادين وأنا أردد أبيات لعمنا فؤاد حداد يقول فيها: «ع الوتد لازم هنضرب.. حدادين يا أهل المدارك! نجلي أسياف المعارك.. قدموا نهر المهالك! للعروسة في الديار.. عندنا عتمه في عتمه.. عندنا نار قايدة نار»!
توجهت بذاكرتي صوب خيمة العرب المنصوبة في الجهة الأخرى من الرملة.. إنهم أولئك البدو الرحل الذين أخرجت قوات الاحتلال الإسرائيلي آبائهم من فلسطين.. عاشوا في قرى محافظة الشرقية، وجاءوا بإبلهم ذات السنام العالي بحثًا عن الرزق.. كنا ننتظرهم في موسم الحصاد بكل اشتياق.. نستلقي على أكوام قش القمح وننظر للقمر، ونتابع كيف يكون الإيقاع الفريد لهؤلاء القادمين من بعيد.
في الصباح يمضي «عطوة» بالجمل لنقل القمح، وينهمك العم صالح وأخويه أحمد ومحمد في دق «القصلة» بالعصا لا بترس وكأنهم يطحنون معها ذكريات أو مآسي الأمس! لقد كان عطوة دائمًا ساطع في ضمير الحياة.. ممعن في بهاه، يحكي لنا عن تلك الليالي التي نقرته فيها غربان الترحال وداسته السعالي!
تصحو «صالحة» قبل صياح الديكة، لتمشي بحرية في جوانب «البركة» دون خوف أو قلق أو نظرات مرتبكة.. أما «سالمة» فقد تعلمت حمل مخرجات «القصلة» منذ بدء الحركة.. تبدو طول الوقت مكتئبة أو منهمكة.. وحدها «فاطمة» كانت مبتسمة رغم التعب حد الكدر.. فإذا ما شاكسها شاب تنفجر.. تخرج من عينيها أشعة بل أعيرة تنذر من يفكر أن يقترب بالبارود الذي سيهطل عليه من لسانها كالمطر!
خيمتان كانتا كجزيرتين في قلب «البركة» تنشران قيم الصبر والرضا والكدح النبيل، وتملآن الحقول والدور بالإنتاج الوفير والابداع الجميل.. خيمتان كانت إحداهما تقريبًا بلا سقف، وكانتا بطبيعة الحال بلا جدران، لكنهما تنضحان بالهدوء وبالسلام وبالأمان.. ومغتربون، لا يغادرون الذاكرة، قد يفقدون ذواتهم، وقد يتركونها تذوب مؤقتًا لكن سيرتهم تظل في الذاكرة وفي الوجدان!
يقول مارتن هيجر في «رسالة النزعة الإنسانية»: مع أن الإنسان يبني كل يوم آلاف المنازل، إلا أنه نسي حقيقة السكن، حيث التناغم والسكينة، وبهذا سلبت ذاته!
الآن تذكرت ما درسناه عنه من أن الإنسان مدعو لكي يسكن بشاعرية على الأرض.. وليست هذه الشاعرية مجرد نوع أدبي، بل هي جوهر الإنسان.. نفتقدها هذه الأيام لأننا نعيش في هذا الزمن الضنين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.