«الإسكان» تستعين ب «تقنيات كوريا» لبناء المنازل    عبدالعزيز بن تركي: هذا هو المستوى الحقيقي للكرة السعودية    تحذير لهواة الرحلات.. أفعى سامة تفاجىء شابا يبحث عن «فقع» (فيديو)    شرطة جازان توضح ملابسات ما يتم تداوله حول مقتل طالبة في الثانوية العامة    الفيصل: المملكة ستبقى بالعالم الأول ولن تنزل    نائب أمير مكة يقف على أعمال توسعة الحرم    مصر: سقوط مقاتلة عسكرية ونجاة قائدها    محافظ أملج يرعى حفل تكريم المتطوعين    حادث مروع بمكة.. مقيم يقتل نفسه برصاصة في الرأس    "سامبا": تخصيص كافة الأسهم للفرد حتى 1,500 سهم في "اكتتاب أرامكو"    كاريراس وبوتشيلي وريتشي ضيوفا على شتاء طنطورة    واشنطن.. مكافأة بقيمة 15 مليون دولار لقاء معلومات عن رجل إيران باليمن    (١٣) مفتش ميداني للحد من آثار متبقيات المبيدات الزراعية بمنطقة عسير    المنتخب السعودي يتأهل للدور النهائي على حساب قطربهدف وحيد    أمير المدينة يُدشن فعاليات اليوم العالمي للتطوع    أمير نجران يبحث مع القصبي تعزيز التنمية    الأخضر يتجاوز قطر ويتأهل إلى نهائي «خليجي 24»    إعادة تشكيل لجنة تسيير «الناشرين السعوديين»    القيادة تهنئ رئيس فنلندا بذكرى الاستقلال    الولايات المتحدة تضبط أسلحة إيرانية في طريقها إلى اليمن    طرح أرامكو يجمع 25.6 مليار دولار    قضية فتاة جازان التي توفيت محترقة .. النيابة العامة توقف مرافقة المتوفاة التي كانت معها نفس يوم الواقعة    قواعد جديدة لتنظيم نظر دعاوى «العضل».. لا يلزم حضور الخاطب والفصل خلال شهر    رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي يلتقي رئيس الوزراء السوداني    لبنان.. «الحراك» يرفع الكرت الأحمر في وجه الخطيب    اختتام ورشة عمل عربية لبحث سُبل مواجهة مخاطر النشر السيئ في وسائل الإعلام الحديثة بالقاهرة    مجلس شباب حائل يشارك في فعاليات اليوم العالمي للتطوع    قدمت 18 مليار دولار.. هذه جهود المملكة في رعاية اللاجئين حول العالم    تنظيف الأسنان يحمي من أمراض القلب    بنتن يبحث مع دادا ترتيبات خدمة الحجاج النيجيريين    هل تصبح الزوجة مستفيد رئيسي إن لم يستوفي زوجها الشروط ؟..«حساب المواطن» يرد    محافظ الخرج يطلق مبادرة “نافع” لتنظيم العمل التطوعي في مدن وقرى المحافطة    تعليم شرورة يدشن انطلاق الفرق الكشفية ومعرض الإبداع    المجلس الأعلى للقضاء يصدر قواعد لسرعة إنجاز وتنظيم دعاوى «العضل»    متقاعد يشكو إيقاف الدعم بسبب راتب زوجته الذي تجاوز ال 12 ألف ريال    «الصحة»: تناول المضادات الحيوية بدون وصفة طبية قد يسبب الوفاة    طلاب وطالبات الطفولة المبكرة بتعليم عسير يحتفون بذكرى البيعة    سمو أمير منطقة القصيم يستقبل مدير ومنسوبي تعليم المنطقة بمناسبة احتفائهم بذكرى البيعة الخامسة    23 ورقة بحثية في ثاني أيام مؤتمر المعلم بجامعة الملك خالد    أمير الرياض يستقبل سفير البحرين بالمملكة    فنون أبها تحتفي بالبيعة في الحرجة    إطلاق المرحلة الرابعة من إبداع 2020 في الرياض وجدة والخبر    وزير الصحة يتفقد سير العمل بالمستشفيات والمراكز الصحية في تبوك    بخاري: نريد حصد اللقب    ميسي: منافستي مع كريستيانو ستخلد تاريخيا    وزارة الصحة : فحص فيروس الكبد سي يمنع زيادة الإصابات الجديدة بنسبة 90% بحلول 2030    الخارجية المصرية تعلن وفاة 4 مصريين في حادث انفجار مصنع السيراميك بالخرطوم    الخثلان عن حكم أداء الصلوات الخمس بوضوء واحد : لا بأس في ذلك .. وهذا هو دليله    الأمير فيصل بن بندر يضع حجر الأساس ل42 مشروعا مائيا بتكلفة 3.8 مليار ريال    حالة الطقس المتوقعة على كافة مناطق المملكة اليوم الخميس 05122019    39 مشروعًا بهندسة جامعة الملك خالد ضمن فعاليات يوم المهندس الثامن    الملك سلمان يبعث دعوة للملك حمد آل خليفة لحضور اجتماع مجلس تعاون دول الخليج 40    تأهَّل مع الفتح والفيصلي إلى دور ال(16) في كأس الملك            أمير القصيم: التكامل الاجتماعي يخدم الصالح العام    تدشين مشاريع صحية في تبوك    القيادة تعزي البرهان في ضحايا "مصنع الخرطوم"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الجمال والخيال من «خيمة الحدادين» إلى «خيمة العرب»
نشر في المدينة يوم 26 - 06 - 2019

مبكرًا ومبكرًا جدًا أدركت محنة اللاجئين المشردين والغرباء الهائمين! عرفت من خلالهم معنى شعور طفل بالجوع، ومرارة الإحساس بالضياع.. شيئًا فشيئًا وأنا أتنقل بين خيمة الحدادين الغرباء المنصوبة في قريتي من جهة، وخيمة العرب المرقعة في الجهة الثانية عرفت قيمة الاستمتاع بفرح الترحال والمغامرة، وروعة استجلاء المجهول، ونشوة المعرفة.
ورغم أن أهل الخيمتين أو أولاهما على الأقل كانوا من أبناء مصر القادمين على الأرجح من الصعيد فقد كان قلبي ينفطر حسرة وألمًا على أولادهم وبناتهم كلما مررت بالخيمتين.. كنت منشغلا بعيشة أو معيشة هؤلاء تحت الخيام من الصباح للمساء، حيث أيام وليالي العوز والأرق والحرمان. والواقع أنني في فترة من عمري ظننت أن الحداد الكبير..... هو حارس نار الجحيم! بالمفهوم الفطري للأطفال والمقابل للجنة والنعيم! لقد كان لا يضحك ولا يبتسم ولا يتكلم.. وإذا نطق ذات يوم ينهر ابنيه بكلام مؤلم!
ظللت مندهشًا في فترة طويلة بذاك الرجل الذي لم يعد يحتمل عذاب النار، ولا إشعاع النور، غير أنني في مساء مغرب حملقت في فتحة أو كوة تظهر في الخيمة فوجدت الرجل -حارس النار- بل حاميها وصانعها يصلي لله.. فصرخت مرددًا يا الله!
انكسرت حدة الخوف بل الرعب من النار الدنيوية التي أرادها الله أن تكون في قريتنا ومن وجه حارسها، وبدأت أقترب من حرف الخيمة، خاصة إذا جاء مزارع قريب يطلب فأسًا، أو محراثًا.. أو جاءت جارة تطلب عود حديد للفرن أو مصبة! عالم آخر جميل انفتح أمامي.. هاهو حارس النار يصنع كل ما يفلح الأرض وينسق المشاتل.. بدءًا من منقرة الفلاح إلى مطرقة العامل!
نسيت نظرة الابن «فكيه» المقهورة، ولم أعد أخاف من أذنه المبتورة، لكنني وحتى اليوم أتذكر كيف كان يعيش يومه في سأم، يكتفي في المساء باللعب مع النجوم، عله كان يدور معها في الفلك، حيث يمضي عمره كله كيفما اتفق!
تذكرت بالأمس خيمة الحدادين وأنا أردد أبيات لعمنا فؤاد حداد يقول فيها: «ع الوتد لازم هنضرب.. حدادين يا أهل المدارك! نجلي أسياف المعارك.. قدموا نهر المهالك! للعروسة في الديار.. عندنا عتمه في عتمه.. عندنا نار قايدة نار»!
توجهت بذاكرتي صوب خيمة العرب المنصوبة في الجهة الأخرى من الرملة.. إنهم أولئك البدو الرحل الذين أخرجت قوات الاحتلال الإسرائيلي آبائهم من فلسطين.. عاشوا في قرى محافظة الشرقية، وجاءوا بإبلهم ذات السنام العالي بحثًا عن الرزق.. كنا ننتظرهم في موسم الحصاد بكل اشتياق.. نستلقي على أكوام قش القمح وننظر للقمر، ونتابع كيف يكون الإيقاع الفريد لهؤلاء القادمين من بعيد.
في الصباح يمضي «عطوة» بالجمل لنقل القمح، وينهمك العم صالح وأخويه أحمد ومحمد في دق «القصلة» بالعصا لا بترس وكأنهم يطحنون معها ذكريات أو مآسي الأمس! لقد كان عطوة دائمًا ساطع في ضمير الحياة.. ممعن في بهاه، يحكي لنا عن تلك الليالي التي نقرته فيها غربان الترحال وداسته السعالي!
تصحو «صالحة» قبل صياح الديكة، لتمشي بحرية في جوانب «البركة» دون خوف أو قلق أو نظرات مرتبكة.. أما «سالمة» فقد تعلمت حمل مخرجات «القصلة» منذ بدء الحركة.. تبدو طول الوقت مكتئبة أو منهمكة.. وحدها «فاطمة» كانت مبتسمة رغم التعب حد الكدر.. فإذا ما شاكسها شاب تنفجر.. تخرج من عينيها أشعة بل أعيرة تنذر من يفكر أن يقترب بالبارود الذي سيهطل عليه من لسانها كالمطر!
خيمتان كانتا كجزيرتين في قلب «البركة» تنشران قيم الصبر والرضا والكدح النبيل، وتملآن الحقول والدور بالإنتاج الوفير والابداع الجميل.. خيمتان كانت إحداهما تقريبًا بلا سقف، وكانتا بطبيعة الحال بلا جدران، لكنهما تنضحان بالهدوء وبالسلام وبالأمان.. ومغتربون، لا يغادرون الذاكرة، قد يفقدون ذواتهم، وقد يتركونها تذوب مؤقتًا لكن سيرتهم تظل في الذاكرة وفي الوجدان!
يقول مارتن هيجر في «رسالة النزعة الإنسانية»: مع أن الإنسان يبني كل يوم آلاف المنازل، إلا أنه نسي حقيقة السكن، حيث التناغم والسكينة، وبهذا سلبت ذاته!
الآن تذكرت ما درسناه عنه من أن الإنسان مدعو لكي يسكن بشاعرية على الأرض.. وليست هذه الشاعرية مجرد نوع أدبي، بل هي جوهر الإنسان.. نفتقدها هذه الأيام لأننا نعيش في هذا الزمن الضنين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.