الحوار، والمحاورة كما ورد في قواميس اللغة العربية: معناه التجاوب، فهو يدل على الاستماع والإنصات، ثم التكلم بالجواب، وهكذا... والإنسان بمقتضى مدنيته بحاجة إلى المحاورة مع بني جنسه في جميع شؤون الحياة وبلا استثناء. فالمعلم يحاور تلاميذه، والوالدان يحاوران أولادهما، والزوج يحاور زوجه، والمدير يحاور موظفيه، والمشتري يحاور البائع، والجار يحاور جاره، والرجل يحاور صديقه، والمذيع يحاور ضيفه، وهلم جرا، فكل فرد من أفراد المجتمع يحاور قرينه ومن تربطه به علاقة أو معاملة. وكذا يمكن أن نعكس كل من سبق ذكرهم، فالقسمة العقلية تقتضي عكس جميع المذكورين، وغير المذكورين، فالكل بحاجة إلى المحاورة والنقاش. والحوار مثل أي فن من فنون الحياة، له قواعده وأسسه، التي ينبني عليها، وبها تتحقق الغاية من الحوار، والتي ينشدها المتحاوران. غير أننا في كثير من المجالات والمناسبات، نفتقد تطبيق قواعد الحوار ومبادئه، سواء كان هذا الاقتصاد قصدا وعدم مبالاة، أو كان جهلا وتقصيرا في معرفته وتطبيقه، ولذا وصل كثير من الناس في محاوراتهم ومناقشاتهم إلى أبواب مسدودة، وغايات مظلمة، تؤدي إلى النزاع والشقاق بدلا من الاتفاق والوفاق. فكم شاهدنا وسمعنا عن جرائم القتل والاعتداء، نتيجة الحوار الخاطئ، وكم شاهدنا وسمعنا عن المخاصمات والمقاطعات، بسبب الحوار السلبي! ومن أجل هذا فإننا بحاجة ملحة إلى التدبر في مبادئ الحوار وأساسياته، حتى تكون نقاشاتنا ومحاوراتنا مبنية على أسس راسخة، تؤدي بها إلى نتائج طيبة. ولقد علمنا ديننا الحنيف - فيما علمنا - أسس الحوار ومبادئه، وذلك في قوله تعالى لموسى وهارون حينما أرسلهما إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}«44» سورة طه. وكذا في قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}«83» سورة البقرة. وفي قوله عز وجل: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} «63» سورة الفرقان. وفي غيرها من الآيات الكريمة التي تؤسس للحوار الهادف البناء وترسي قواعده. وأما السنة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، فلقد حفلت كذلك ببيان كثير من تلك الأسس والقواعد للحوار الهادف. ومن ذلك ما اشتهر عنه- صلى الله عليه وسلم- من كريم الخصال وممدوح الصفات في تعامله مع غيره، وحسن حواره مع الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والموافق والمخالف، والجلف الغليظ والمتعلم المهذب، فلقد كان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس لقاء وبشاشة، وأكرمهم معشرا، وألينهم حديثا، وأقومهم منطقا. لا يسع من يسمع حديثه إلا أن يذعن له، وينقاد لرأيه عن قناعة ورضا. وكذا وجه أمته إلى حسن الحوار، وأدبهم بآدابه، وعلمهم مبادئه. وسوف أقتصر على حديث واحد في تعامل النبي- صلى الله عليه وسلم- مع اليهود ليعلم ما بعد ذلك من تعاليمه وتوجيهاته لأمته في حسن الحوار، وهو ما أخرجه البخاري، عن عائشة- رضي الله عنها-: أن يهودا أتوا النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم، ولعنكم الله وغضب الله عليكم. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: مهلا يا عائشة! عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش. قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ. فإذا كان هذا هو توجيه النبي- صلى الله عليه وسلم- لأمته في محاورته اليهود، فما بالك في محاورة المسلم مع أخيه؟ بل الوالدين مع أولادهما، والزوجان مع بعضهما، وغير أولئك ممن تربطهم وشائج القربى؟. وهنا يحسن الحديث عن بعض أسس الحوار ومبادئه التي تؤدي إلى النتيجة المرجوة من المحاورة. أولا: كن مستمعا جيدا لمن يتحدث إليك، وإياك ومقاطعته أثناء حديثه، أو أن تظهر من قسمات وجهك استهجانك لحديثه قبل أن يتمه. ثانيا: لا تسفه آراء الآخرين، ولو ظهر لك سفاهتها في وجهة نظرك، فوجهة نظرك تخصك أنت وحدك، ولا يلزم بالضرورة أن يقبلها غيرك. ثالثا: قبل أن تبدأ حوارك - وسواء كان حديثك ابتداء أو جوابا - عليك أن تعطره بمدح محاورك، والثناء على طرحه، وأظهر عنايتك بقوله. رابعا: لا تحاول أن تجبر محاورك على أن يتبنى قناعاتك الشخصية بدون اقتناع تام منه، وعليك أن تبين البراهين الدالة على صحة رأيك، دون أن تحاول جر محاورك إلى التسليم به. خامسا: إياك والتشنج أو رفع الصوت أثناء المحاورة، وتحدث ببشاشة وبشر، حتى ولو كان الأمر غاية في الخطورة. سادسا: لا تستأثر بالحديث، وأعط محاورك فرصة ليبين وجهة نظره، فإذا انتهى من ذلك خذ دورك في الحديث، واحترم محاورك، وامنحه وقتا مساويا لوقت حديثك إذا احتاج إلى الحديث. سابعا: قبل أن تبدأ في الحوار حاول أن تتعرف على مقدار ثقافة محاورك، وسمات شخصيته، ثم حاوره بناء على هذه المعرفة، فالأسلوب الذي تحاور به الصغير يختلف عن الكبير، وأسلوب محاورة المثقف يختلف عن قليل الثقافة، وهكذا. ثامنا: لا تحاول إجبار محاورك على القناعة برؤيتك، إذ إنك في الوقت الذي ترى فيه صحة رأيك وسداده، قد يرى محاورك بعده عن السداد، وأن رأيه هو أقرب للصواب. تاسعا: حاول أن تدعم رأيك بما تعلمه من الأدلة والبراهين والشواهد الواقعية حتى يكون أدعى لمحاورك أن يتقبله، ولا تظن أنه يكفي أن تبدي رأيك مجردا من الأدلة، فقد لا يكون ذلك مقبولا لدى محاورك. عاشرا: تذكر دائما آداب الحديث والمحاورة، وتوجه إلى محاورك بكليتك، ولا تتشاغل عنه أثناء حديثه، وأغلق هاتفك الجوال، وكن مستمعا جيدا. وختاما فهذا طرف من قواعد الحوار وأسسه التي نفتقدها في كثير من محاوراتنا في المجالس، والندوات، والمحاضرات، والمناقشات العلمية، والحوارات الإذاعية والتلفازية، بل وحتى في المحاورات الصحفية. وبقي كثير من هذه الآداب لم أتطرق إليها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكيل كلية أصول الدين وأمين الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها [email protected]