مصادر: زيادة جديدة في أسعار الدواجن تصل ل15% بدءًا من اليوم    مدينة الملك عبدالله الاقتصادية توقع اتفاقية شراكة مع وزارة الإسكان لدمج واعتماد مشروع «فلل الأوركيدز»    مصادر: توجيهات عليا تحدد مصير موظفي “عقارات الدولة” ب3 خيارات    ميركل تعلن نجاح مؤتمر ليبيا    خادم الحرمين يستقبل الأمراء ومفتي عام المملكة والعلماء وجمعاً من المواطنين    "صفة وأحكام الصلاة" درس أسبوعي بمحافظة الخبر    تدخل طبي ناجح لإنقاذ حياة مولود خديج بمستشفى الولادة والأطفال بالأحساء    جيش الاحتلال يعتقل أربعة فلسطينيين من محافظة الخليل    إصابة عشرات المحتجين العراقيين مع استئناف المظاهرات    تعليم مكة يخصص برامج لتدريب ل2200 متدرب بالمدارس السعودية في الخارج    المملكة تستنكر بشدة الاعتداء الإرهابي الحوثي على مسجد في مأرب    إطلاق حملة "آداب زيارة المسجد النبوي"    النفط يصعد لأعلى مستوى بعد تعطل إنتاج في ليبيا    إنهاء معاناة مريض من حصاة مرارية بدون تدخل جراحي بنجران    نجاح عملية لترقيع طبلة الأذن وترميم العظيمات السمعية بمستشفى حفر الباطن    الأميرة أضواء بنت فهد تفتتح أركان ذوي الإعاقة بمهرجان عبق الماضي    المملكة تستنكر بشدة الاعتداء الإرهابي الآثم الذي نفذته مليشيا الحوثي على مسجد في مأرب    5 أطعمة تساعدك في التخلص من «الكرش».. تعرف عليها    أمير الباحة يوجه الجهات الأمنية بتيسير وصول الطلاب والمعلمين    شرطة القصيم تقبض على امرأة مقيمة دخلت مسجداً ووضعت مواد نجسة    إيران تقول إنها ما زالت تحترم الاتفاق النووي    اضطرابات أمنية واسعة في بغداد وعدة محافظات    جامعة نجران تبدأ استقبال طلبات التسجيل في برامج الماجستير    ارتفاع الاستثمارات الخارجية المباشرة إلى السعودية 10%    محامٍ: يحق للمطلقة السفر مع أبنائها للخارج حتى لو رفض الأب    بالفيديو.. رئيس جمعية مختصة برعاية الأيتام يرفض مصطلح “لقيط”.. ويطرح البديل    شاهد.. ولي العهد وعدد من الأمراء والمسؤولين في مطعم بالعلا    متحدثة “التعليم” تكشف تفاصيل إدراج اللغة الصينية في المناهج وسبب تطبيقها في مدارس البنين فقط    بالفيديو.. الأمير تركي بن طلال يفاجئ مدرسة بزيارة تفقدية في أول يوم دراسي    طقس مستقر على معظم مناطق المملكة    الصين تؤكد 139 حالة إصابة بالالتهاب الرئوي وانتقال الفيروس لمدن جديدة    أمير الرياض ل«الشباب الإسلامي»: دوركم فعال    أمير تبوك يواسي أسرة السعيد    فتح القبول للابتعاث الثقافي.. ومنصة إلكترونية للتسجيل    استعراض المشاريع والخدمات الصحية بتبوك    قبضة الأخضر تصطدم باليابان    جرافيك    بحسب توثيق دارة الملك عبدالعزيز    استقبل الفائز بجائزة الملك فيصل العالمية في فرع الدراسات الإسلامية                    كرَّم الفائزين بجائزة اتحاد الملاك وسلَّم 20 وحدة سكنية.. الأمير سعود بن نايف:        في دوري كأس الأمير محمد بن سلمان    قبل لقاء الشباب بالشرطة العراقي اليوم    كريستال بالاس أرغم مانشستر سيتي على التعادل    «الصينية» في مدارس السعودية.. والسفير الصيني: خطوة مهمة    افتتاح أول قسم نسائي عسكري في القوات المسلحة    الحديقة الثقافية تستقطب زوار جدة ب 51 فعالية متنوعة    البدري وبرونو يشعلان تدريب العميد    الإعلامي (العسكري)..!    النصر والاتحاد في قمة ممتاز السلة    الخلاف الدائم أدى لقتل فتاة أبها    تصرفات غير لائقة بالحرمين الشريفين    5 نصائح لتعامل الوالدين مع الشجار بين الأشقاء    مدينة الرياض تحصل على شهادة الاستحقاق للمدن الذكية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الثورات والهويات: لا عودة إلى الوراء
نشر في الحياة يوم 23 - 05 - 2013

مع بداية «الربيع العربي» ونجاح الثورات في تغيير أنظمة الحكم في تونس ومصر خصوصاً، عاد سؤال الهوية إلى واجهة المشاغل والمشاكل الملحّة أمام المجتمعات الثائرة في كلا البلدين، وبعد اندلاع الثورة السورية زادت حدَّة هذا السؤال نتيجة التعقيدات المرافقة للثورة، والانقسامات الأفقية والعمودية، المحلية والدولية تجاهها، والآفاق المفتوحة لنهاية الصراع.
لنقل بداية إن سؤال الهوية قبل الثورات تمحور حول التعريف السلبي بدلالة الآخر (الخارجي دوماً والمُهدِّد دائماً)؛ إسرائيل، الغرب، الامبريالية، بالمعنى السياسي، والغزو الحداثي الغربي والغريب، بالمعنى الثقافي؛ وقد كان مُلاحظاً غياب الاهتمام الاجتماعي بتلك الأسئلة مثلما هو واضح في المقابل غياب الحس الفردي بالمواطنة الفاعلة، لا سيما في ظروف أنظمة الحكم الديكتاتورية التي ألغت الحضور المجتمعي في السياسة والسيادة، ومسحت أشكال التعبير والاختلاف والتنوع الثقافي والسياسي بممسحة الهوية الواحدة المعبّر عنها في السلطة «الوطنية» الحاكمة.
الظهور الأول للهويات المقموعة تجلى بعد الثورتين التونسية والمصرية بصعود الإسلام السياسي، مرتكزاً على الهوية الاجتماعية الإسلامية البسيطة للناس، الذين لم تتحدد بعد ملامح اختياراتهم وولاءاتهم خارج إطار الرغبة بالاعتراف التي افتقدوها سابقاً، كما انسياقهم الطبيعي خلف الطابع غير الأيديولوجي الذي أشعل فيهم الثورة. وقد برزت الهوية الإسلامية في شكل أساس كرد فعل جمعي على القمع السابق لأنظمة الاستبداد العلماني «الساقطة»، التي عرَّضت جميع فئات المجتمع، إسلامية وعلمانية، للقمع والتهديد، ولكن في ظل الاستبداد العام والشامل ترسب في العقل الجمعي أن قمع حركات الإسلام السياسي هو قمع للإسلام بذاته، الأمر الذي ساعدت على نشره تلك الحركات سابقاً، واستغلته بعد الثورة، في محاولة لأن تُماهي ذاتها بالدين الإسلامي وتصبح ناطقة باسمه.
هناك تشابه واضح بين البنية المُكوِنة لأحزاب الإسلام السياسي وبنية الأنظمة السابقة كما أثبت بوضوح إخوان مصر وتونس بعد الثورة، من حيث كونها بنية عقائدية غير مؤسسة على ثقافة الفرد والحزب والمواطنة والاختلاف، والبرامج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحقوقية المرتبطة بها، إضافة الى تشابه آخر يتعامل مع الانتصار السياسي كانتصار حربي ووجودي، ومع السلطة وملحقاتها كغنيمة، ومع المختلف كعدو مكتمل الصفات. وهذا ما يعد استمراراً، بل تجديداً للأنماط السابقة للثورة ويشكل قطيعة مع ما أراده الناس بثوراتهم، وتكراراً هزلياً للشروط والأوضاع التي أدت إلى الثورة ذاتها.
من المجحف أن نعتبر الإسلام السياسي وحده من يقوم على الهويات العمودية والعقائدية والتقديس، فقد بات معروفاً أن جميع الأحزاب اليسارية، بتفرعاتها وامتداداتها، التي عاصرت صعود الأنظمة الشمولية، قامت على العقائد أكثر من قيامها على الأيديولوجيا والاعتراف بالاختلاف، أو لنقل إن تلك الأحزاب جميعها قد حولت أيديولوجياتها إلى عقائد مقدسة. وبناء على ذلك، أصبح من الصعوبة بمكان أن تجد فرقاً كبيراً بين إسلامي أو بعثي أو شيوعي أو ناصري إلا بالمرجعية. أما المنهج والرسالة الخالدة والفكر الخلاصي فواحدة.
ليست المشكلة بعد الثورات هي في طبيعة النظام أو الحزب الحاكم إن كان إسلامياً أو علمانياً، بل إن المشكلة الجوهرية هي في قدرة الشعوب ونخبها على تجاوز قيام أي نوع من تلك الأحزاب على الهويات «القاتلة»، أي الهويات ما قبل الوطنية. وبمعنى آخر، المشكلة هي في استمرار الهويات التي صنعها «الاستعمار» الداخلي ممثلاً بأنظمة الحكم الديكتاتورية. وبالتالي، فالتحدي الأكبر أمام الثورات المستمرة بغير شكل، هو بنقل الخلافات وتحويلها من الطور العقائدي إلى الطور السياسي على اعتبار أن الخلاف السياسي مصلحي وليس هوياتياً، والإلغاء في السياسة إقصاء موقت وليس إلغاء وجودياً، وعندما يصبح الحكم السياسي للدولة محكوماً بالصراع السياسي والبرنامج الانتخابي بدل الصراع العقدي والهوياتي الوجودي تتحول الدولة من دولة رعايا إلى دولة مواطنة، ويتحول أفرادها من أرقام لا قيمة لهم، إلى أشخاص لا يمكن قتلهم كالذباب أو وصفهم بالجراثيم كما وصفهم «طبيب العيون» في سورية.
تقوم جميع الدول العربية على مماهاة الدولة والنظام السياسي؛ بغض النظر إن كان ملكياً أو جمهورياً؛ وربما كانت المهمة الأصعب بعد الثورات فصل الدولة عن النظام السياسي الحاكم، فالدولة ممثلة بقضائها وجيشها وديبلوماسيتها (إضافة الى ما يحدده الدستور حول اللغة والتاريخ)، يجب أن تبقى حيادية، أما النظام السياسي فمن غير الممكن أن يكون حيادياً، ولكن انحيازه الى أجندات ومشاريع دون غيرها سيبقى محكوماً برغبة المحكومين وإرادة الناخبين طالما أن الدولة هي الثابت والنظام هو المتغير، وطالما لم يبتلع النظام السياسي الدولة ومؤسساتها ومجتمعها المدني.
يمكننا القول إن الهوية الأساسية التي قامت عليها الثورات وحملتها في أسّها وتكوينها وقيامها هي هوية حداثية معاصرة تشبه إلى حد بعيد اندماج الشباب العربي بأدوات العصر وحاجاته التي أصبحت حاجاتهم، فالحرية والكرامة (تمثيلاً لا حصراً) ليست أهدافاً مجردة بقدر ما هي مرتبطة بجذورها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، أي بالحاجة الى التحرر الاقتصادي والكرامة السياسية المهدورة، إضافة إلى فك ارتهان المجتمع للسياسة وأبدية الساسة التي لا تستوي بغير مجتمع من العبيد، وربما أزال الشباب العربي عن الحرية والكرامة مثالية المفهوم عبر ثوراتهم، لتصبح مفاهيم مادية حيوية ومعاشة بعد أن عاصروا تجوفها القديم وبقاءها شعارات بلا قيمة كما عودتهم الطُّغم الحاكمة.
إن المخاض العسير الذي تعيشه ثورات «الربيع العربي»، لا سيما في سورية، لا ينفي المآل التاريخي للثورات ولو أنه يعطل ولادة الهوية الجديدة للمنطقة العربية بأسرها. فمن المعروف أنه كلما اتسع حجم التغيير تقلصت خطاه، ولكن روح التغيير ذاتها قد حضرت وحصلت، وهي بالتأكيد ستجد من يعطلها أو يعثّر خطاها أو يقف عائقاً أمام تقدمها، ويندب ويحن الى ما مضى ويندم على التغيير. لكن ومنذ أيام جلجامش لم يوجد مثال واحد استطاع فيه البشر العودة... لا عودة.
* كاتب سوري


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.