قرار وزاري.. اقتصار نشاط نقل الركاب ب«التطبيقات الذكية» على المواطنين فقط    وزير خارجية اليمن: ميليشيا الحوثي غير مستعدة للسلام    ضبط مطلقي النار وحارقي المركبات بالدوادمي    الأمير فيصل بن سلمان يرعى انطلاق مبادرة «خير المدينة»    السديس: إمارة المدينة سباقة في الإجراءات الوقائية لمنع انتشار جائحة كورونا    رجال الأمن.. نبض الشارع في مواجهة «كورونا»    طاقة المستقبل    تطهير وتعقيم أجهزة الصراف الآلي بجازان    «الموارد البشرية» توقف تحديث التقارير الطبية لذوي الإعاقة    «إيسيسكو» تطلق مبادرة «الثقافة عن بُعد»    جامعة الطائف تعقد ورشة عمل عن بعد لطلبة الدراسات العليا    "اليويفا" يتمسك باستكمال الموسم    «منشآت»: منصة مزايا لتخفيف أعباء «الصغيرة والمتوسطة» خلال 10 أيام    إندونيسيا: أكثر من 100 حالة إصابة جديدة بكورونا و21 حالة وفاة    وفاة رضيع في أمريكا بسبب #كورونا    قمة افتراضية بحلول عملية    مجلس جامعة حائل يعقد جلسته السادسة عن بُعد    “النيابة” تباشر التحقيق مع “مشهور” أحضر حلاقاً لمقر إقامته    الجيش اليمني يتقدم في سلسلة جبال استراتيجية غرب مأرب    وكلاء «الملالي» يخططون لمهاجمة القوات الأمريكية بالعراق.. وترمب يتوعد    فيصل بن خالد يحتفي بمواطنين لمبادرتهم الإنسانية    المفتي: كل شخص خالف الأنظمة فهو آثم    خالد الحيدر يكتب مسائيات جلسة البيت 1    السديس: وزارة الصحة تبذل الغالي والنفيس في مواجهة كورونا    26 مليون عملية على “أبشر”.. إنجازات التحول الرقمي ترفع تصنيف المملكة عالمياً    “التقاعد” تعلن تمديد الصرف للمعاشات التقاعدية للمستفيدين المقرر إيقاف معاشاتهم    علاج الجميع على نفقة الدولة.. حقوق الإنسان واقع في المملكة    الإمارات: 150 حالة جديدة مصابة بفيروس كورونا وحالتي وفاة    الرقم نفسه على عدة أجهزة.. واتساب تعمل على ميزة طال انتظارها    إلغاء بطولة ويمبلدون وتمديد تعليق منافسات كرة المضرب حتى يوليو المقبل    140 مستفيدا من الاعتماد البرامجي بجامعة خالد    العشيشان يصدر "بيت القصيد"    الرئيس العراقي يتلقى اتصالاً هاتفياً من نظيره الفرنسي    تدشين منصة العمل التطوعي    "بِرّاً بالخرج" تدعم المحتاجين في المحافظة لمواجهة آثار كورونا    «مدني مكة» يُحذّر من تقلبات جوية    «البلديات»: تطبيق التأمين الإلزامي للمباني الإنشائية تدريجياً    2962 وحدة لمستفيدي سكني بالمدينة    تخصيص 17 مليارا لمواجهة تداعيات كورونا    السودان تدين إطلاق ميليشيا الحوثي صاروخين بالستيين على المملكة    راموس لا يستبعد احتمال انتقاله إلى يوفنتوس الإيطالي    السفير اليمني في المملكة: خادم الحرمين انتصر للإنسانية    القوات الباكستانية تعتقل عدداً من العائدين من إيران أثناء تسللهم الحدود بطريقة غير شرعية    سيف الأهلي يقترب من العودة    نادي الاتحاد يخير كاريلي بين بوني وبيزيتش    ليبيا.. سفينة حربية تركية تقصف مدينة العجيلات بالصواريخ    أمير تبوك يوجه بإطلاق حملة "يدًا بيد" بالمنطقة    وجه آخر لفيروس كورونا    متحدث “النيابة”: هذه التجاوزات والشائعات عقوبتها السجن 5 سنوات و3 ملايين ريال غرامة (فيديو)    «انثيال» تستثمر «الحجر المنزلي» وتختار 43 كاتباً وكاتبة    «عقد» يضبط لياقة اللاعبين في منازلهم            لماذا نحن في البيوت ؟    الإسلام والعلمانية في محكات النوازل    أسس إنسانية تسير عليها المملكة    الشؤون الصحية بعسير توديع أول دفعة بعد خروجها من الحجر الصحي بفندق الأزد بأبها    الفغم قلنا ولا زلنا نقول وبكل فخر هنيئًا لنا وللعالم بالسعودية في ظل قيادتنا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تهمة معاداة العلمانية
نشر في الحياة يوم 22 - 08 - 2009

كلما تحرَّك رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان باتجاه تعزيز الديموقراطية ودولة القانون المدني في تركيا، اتهم من جانب الأقليات الإيديولوجية والبرلمانية بأنه يلعب بالنار، وبأن رئيس الوزراء وحزب العدالة والتنمية من ورائه يسير بتركيا باتجاه معاداة العلمانية، وكأن تهمة معاداة العلمانية هي بحد ذاتها جريمة، مثلها مثل تهمة معاداة السامية، التي تلوح بها اسرائيل والحركة الصهيونية ضد كل من يلومهما على قول أو فعل. فالعلمانيون الأتراك يلوحون دائماً بتهمة معاداة العلمانية، ضد من يخالفهم، من دون أن يثبتوا ذلك، فلماذا يجعلون منها تهمة يرهبون بها غالبية الشعب التركي، ويرهبون الغالبية البرلمانية المنتخبة من الشعب التركي، سواء باتهام الحكومة بالتآمر مع الغالبية البرلمانية أو العكس، وهم يعلمون أن حزب العدالة والتنمية ليس حزباً دينياً، وإنما هو حزب سياسي علماني، وأن حكومة رجب طيب أردوغان ليست حكومة دينية، وانما هي حكومة علمانية، بالمفهوم العلمي الحديث للعلمانية.
هذا يقودنا مراراً الى الحديث عن ماهية العلمانية التي يريد البعض أن يجعلها لوناً واحداً ضيقاً في الحياة، وتفسيراً واحداً مقيداً في الفلسفة، وموقفاً واحداً متعصباً من الدين، مهما كان نوعه، وصراعاً أبدياً حتمياً ضد المتدينين، مهما تعددت اجتهاداتهم في تفسير العلاقة بين ثنائيات الموضوع مثل: الدين والدنيا، والوحي والعقل، والإيمان والعلم، والكنيسة والدولة، والثنائية الأخيرة هي الصورة الحقيقية التي تكشف حقيقة العلمانية بالمفهوم الأوروبي، الذي تأسست العلمانية على أرضه، وانفجرت بسبب ظروفه التاريخية في تصادم مصالح رجال الدين الكنسية مع مصالح رجال الدنيا الدنيوية.
ان التعريف الغربي العلمي للعلمانية هو الفصل بين الكنيسة والدولة، والتي وصفها المفكر العربي الكبير المرحوم عبدالوهاب المسيري بالعلمانية الجزئية، في مقابل العلمانية الشاملة التي تجعل العلمانية فصلاً للدين عن الحياة، أي منع الإشراف الديني على كل مناحي الحياة العامة، وهذا تطرف حصدت كل المجتمعات الغربية المتمسكة به آلامه ومآسيه وأضراره، بينما العلمانية الجزئية هي فصل بين الكنيسة بصفتها مؤسسة راعية لمواطنيها عن مؤسسات الدولة الراعية لشؤون المواطنين.
ولو تناوبت السلطة الكنسية الروحية والسلطة الدنيوية الزمنية السلطة العامة في أوروبا في العصور الوسطى من دون نزاع أو صراع أو حروب أهلية أو هدر لعقول الشعب أو هدر لاقتصاد البلاد، لما تم الفصل بين الكنيسة والدولة، فكان الفصل بين الكنيسة والدولة حسماً لحالة الضعف والتخلف، الناتج من الصراع بين الكنيسة والدولة، وبتعبير أصح التنافس والصراع بين رجال الكنيسة ورجال الدولة على مصالحهما الخاصة، فكان الحل هو تقاسم الرعاية بين المؤسستين الزمنية والروحية، بأن تأخذ المؤسسة الروحية الكنسية الرعاية الدينية الفردية، وداخل الكنيسة وتوابعها فقط، وتأخذ المؤسسة الزمنية الدنيوية، الرعاية الدنيوية من دون أن تتدخل في شؤون الكنيسة ورعايتها، وبحيث تأخذ الكنيسة الرعاية الدينية لمن ينشدها من الأفراد ومن دون إكراه، ومن دون أن تتدخل في الشؤون العامة، بينما لا تمارس مؤسسات الدولة دور المؤسسات الدينية ولا مكانة الكنيسة، فأصبح مفهوم المواطن يقابل مفهوم المؤمن، فالمواطن ينتمي الى الدولة السياسية، بينما المؤمن ينتمي الى الكنيسة الروحية التي ينتمي اليها، ولو وجد الفرد المؤمن الذي يذهب الى الكنيسة باختياره وارادته وانضم الى أي حزب سياسي، فلا يُمنع من أحد ولا من قانون، ولو ذهب أفراد الحكومات والأحزاب السياسية الى الصلاة في الكنائس فلا أحد يمنعهم، بل ان الكنيسة تساند رعاياها من خارج النظام الإكليركي لتولي المناصب الأكاديمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية العليا.
وهذا الأمر له واقع عملي في كل دول العالم العلمانية، وفي مقدمها الدول الكبرى، فالرؤساء الأميركيون يعبرون عن مواقف متدينة في الخطابات العامة، بل ويدعون اليها ويدافعون عنها، بل لا يتورعون عن وصف حروبهم ضد الآخرين بأنها حروب دينية، وكذلك الكثير من رؤساء الجمهوريات والحكومات الأوروبية، بل من الأحزاب السياسية الكبرى في أوروبا التي تجمع بين العمل السياسي والوصف الديني لنفسها، من دون أن يعتبر ذلك تهديداً للعلمانية في معقلها الأول، ولا معاداة للعلمانية في تلك البلاد.
فلماذا تصر بعض القوى السياسية في البلاد الإسلامية على اعتبار كل مشاركة لمسلم متمسك بالقيم النبيلة لدينه، أو يكون مؤدياً للشعائر الدينية في حياته الخاصة على أنه غير علماني، وأن وجوده في الحياة السياسية تهديد للعلمانية، وأن توليه المناصب العليا في الدولة هو معاداة للعلمانية يجب إحباطها؟ هذا إسراف في معاداة المتدينين، وليس حماية للعلمانية، فالعلمانية العلمية لا تقوم على فصل الدين عن الحياة وانما على فصل الكنيسة أو المؤسسة الدينية عن الدولة، ولا يوجد قانون يمنع السياسي المتدين من القيام بواجباته نحو وطنه، ولا توجد مادة دستورية في الدول العلمانية تمنع الترشح وتولي المناصب العامة على أي مواطن متدين، فالكفاءة العلمية هي الأصل، بل لعل المواطنين المتدينين في حياتهم الفردية والخاصة هم أقدر المواطنين وأكثرهم أمانة في تولي المناصب العامة، طالما تمتعوا بالكفاءة والحرص والأمانة والإخلاص.
* كاتب تركي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.