مؤشر البورصة العراقية يغلق متراجعاً    توقع بزيادة التجارة العالمية إلى مستويات قياسية    ميسي «الذهبي»    بعد حفل توزيع جائزة الكرة الذهبية بنزيما يعلق    مركز التواصل الحكومي يُطلق الدليل الإرشادي لمترجمي لغة الإشارة في وسائل الإعلام    على غرار «TOEFL» و«IELTS».. مطالبات باختبار للغة العربية لغير الناطقين بها    الأردن تسجل 4977 إصابة جديدة بفيروس كورونا    "النيابة العامة" تأمر بالقبض على متهمين بالاعتداء في مكتب استقدام بحفر الباطن    «الأرصاد» تتوقع: انخفاض درجات الحرارة على هذه المناطق بدءاً من الجمعة    سمو أمير منطقة حائل يزور محافظة الغزالة    مئات المستوطنين يقتحمون الأقصى بحماية من قوات الاحتلال    "صندوق البحر الأحمر" يعلن عن مشاريع مختارة لدورته الأولى    مدينة الملك سلمان الطبية بالمدينة المنورة تحصل على الاعتماد الدولي لجمعية القلب الأمريكية    "رئاسة الحرمين" تكشف عن مهام لجنة دعم القرار.. تعرّف عليها    "الوزراء" يقر الترتيبات التنظيمية للهيئة السعودية للبحر الأحمر ويدخل تعديلات على نظام مكافحة الرشوة    المجموعة المالية هيرميس والسعودي الفرنسي كابيتال يقودان بنجاح تنفيذ عملية بناء سجل الأوامر المتسارع لبيع حصة تمثل 21٪ من أسهم شركة ذيب لتأجير السيارات    محافظ #القطيف يطلع على فعالية حملة مكارم الأخلاق    114 صقرًا تتنافس في اليوم الثالث بمهرجان الملك عبدالعزيز للصقور    أمير_تبوك يلتقي المواطنين في اللقاء الأسبوعي    موظفات العدل يقدمن 3 ملايين خدمة عدلية خلال عام    القيادة تهنئ رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى بذكرى يوم الجمهورية لبلاده    وزير الخارجية التونسي يلتقي بنظيره الإثيوبي    وزارة الشؤون الإسلامية تصدر قرارًا بإنشاء أمانة عامة للمعارض والمؤتمرات    سمو الأمير محمد بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز يستقبل رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالرياض    «الأمن البيئي»: ضبط مواطنَين لاتجارهما ب7 أسود و3 ضباع وذئبين وثعلبين ونمر في جدة    أمير تبوك يستقبل مدير إدارة مكافحة المخدرات    الاتحاد الآسيوي: زيادة عدد الأجانب في دوري الأبطال    "موهبة" تؤهل 207 طلاب سعوديين للالتحاق بأفضل 30 جامعة في أمريكا    سمو أمير الحدود الشمالية يستقبل مدير فرع الشؤون الإسلامية بالمنطقة    الفيصل يستقبل قنصل جنوب إفريقيا ويتابع خطة سباقات Formula-1    أمانة منطقة حائل تُزيل أكثر من 263 م3 من مخلفات البناء والأنقاض    سمو أمير جازان يدشن حملة هيئة الأمر بالمعروف التوعوية تحت شعار "مكارم الأخلاق"    السياحة السعودية تطلق تقويم الفعاليات لأشهر الشتاء    "سعود الطبية" توضح أسباب الارتجاع الحمضي المريئي    للمرة الأولى منذ 3 أشهر.. خام «برنت» يهبط ل71 دولاراً للبرميل    البرلمان العربي يؤكد دعمه لمبادرة الشبكة البرلمانية لحركة عدم الانحياز    "سلمان للإغاثة" يتكفل بالنفقات السنوية للطلبة الأيتام والأكثر احتياجاً في مدارس المشيخة الإسلامية الألبانية    الكويت تؤكد أن الأمن والاستقرار في العالم لن يتحقق إلا بنزع السلاح النووي من الشرق الأوسط    ديوان المظالم يقرر دمج خدمات إيداع وتبادل المذكرات في خدمة واحدة    الغابون تعلق الرحلات الجوية مع جنوب أفريقيا    شركة أدوية تستبعد أن تكون اللقاحات الحالية فعالة ضد «أوميكرون»    أخضر السلة يكسب المنتخب الأردني في تصفيات كأس العالم    عضو ب"حقوق الإنسان" يكشف عن صور جرائم الاتجار بالأشخاص    "الأرصاد" يوضح حالة الطقس المتوقعة اليوم.. وينبه من رياح نشطة وأتربة مثارة في عدة مناطق    كلية المسجد النبوي تعلن عن بدء القبول الإلكتروني للطلاب    "سعود الطبية" توضح أهمية مثبت تقويم الأسنان الداخلي الثابت وطرق المحافظة عليه    النقابة العامة للسيارات تؤهل الكوادر النسائية في خدمة ضيوف الرحمن    الصحف السعودية    الاتحاد البرلماني يناقش مخاطر نقل الأسلحة وحملة اللقاحات العالمية    تقرير شرطة جازان على طاولة أمير المنطقة    الفيصل يستعرض تجهيزات "فورمولا1" السعودية    سمو أمير منطقة جازان وسمو نائبه يتسلمان التقرير السنوي لشرطة المنطقة ..    «حافلة سياحية» لنقل الزوار بين معالم مدينة المصطفى            مدرب الأخضر يواجه الإعلام    لبنان.. صرخات الجوع تدوي في يوم الغضب    انطلاقا من مبادئ الإسلام السمحة المملكة تؤكد ضرورة عقد اجتماع وزاري للوضع الإنساني في أفغانستان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من مجتمع القضية الكبرى إلى مجتمع المشكلات الصغيرة
نشر في الحياة يوم 03 - 03 - 2013

يعاني مجتمع الثورة السوري من ألف مشكلة، لكنه يُظهر حيوية متعددة المستويات أيضاً، فغير أشكال متنوعة من المقاومة في ظروف بالغة العسر طوال عامين، تلفت النظر جهود مجتمع الثورة على مستويين: التنظيم الذاتي، والتعبير المتعدد الأدوات عن الرأي.
في غير مكان من البلد، تتشكل مجالس محلية، منتخبة بمقدار ما تسمح الظروف، تحاول تنظيم أوضاع السكان في مناطقهم، بما فيها الشؤون الأمنية، والمقصود بهذه خاصةً ضبط تجاوزات متنوعة وتعديات على الناس والأملاك في هذه المناطق، ومنها أيضا ضمان التموين وتوزيعه، والاهتمام بالشؤون الصحية... وغير ذلك من القضايا الحياتية للناس. ليست كل هذه التشكيلات منتخبة، بعضها بادر إليه مواطنون متطوعون لتسهيل شؤون الحياة في محيطهم، وبعضها يتبع تنظيمات أو منظمات، من أبرزها الإسلامية. يلفت الانتباه اهتمامها بالتعليم، الديني طبعاً، بينما ليس هناك تعليم للأطفال منذ أكثر من عام في العديد من المناطق، وهذا كارثي طبعاً.
الوجه الثاني لحيوية مجتمع الثورة، أو بالأصح مجتمعاتها المتنوعة، هو أشكال تعبيرية متنوعة، تتمثل بخاصة في عشرات الصحف والمجلات الجديدة، وانفتاح شهية السوريين على التعبير عن أنفسهم بصور شتى، لا تقتصر على الكتابة والكلام، بل تشمل أيضاً اللافتة والغرافيك والصورة والشريط المصور والأغنية وغيرها.
مستوى الصحف الجديدة، من حيث الحيوية والتنوع، لا يقارَن بصحف النظام، ويعمل فيها ويصدرها بكلفة محدودة ويوزع نسخها الورقية شباب وشابات أساساً. هي تحمل حساسية جديدة، شابة، مغايرة كثيراً لحساسية الجيلين السابقين، على نحو يتجسد في أسماء كثير من هذه الصحف الجديدة: «طلعنا عالحرية» (لجان التنسيق المحلية)، «عنب بلدي» (داريّا)، «زيتون» (إدلب)، «حنطة» (السلمية)، «سنديان» (اللاذقية)... يتعثر بعضها ويتوقف ويعود إلى الحياة.
وأول دلالة لذلك، أن سورية تنتج اليوم من الأسماء والكيانات والذاتيات الفردية والجمعية ما لم تنتج طوال خمسين عاماً من الحكم البعثي، هي تنتج الحرية. وجها إعادة التشكل الاجتماعي والوطني هذان، التنظيم الذاتي والتعبير، هما ما يمنح فكرة الحرية في سورية مضموناً إيجابياً يتجاوز إسقاط النظام.
لا شيء من ذلك أو يشبهه من طرف مجتمع النظام المكافح من أجل العبودية، والأسير لغروره وانحطاطه الثقافي والأخلاقي.
لا شيء من ذلك أيضاً لدى المعارضة المنظمة. وهذا ليس للقول إن أحوال مجتمع الثورة أو مجتمعاتها المحلية المتنوعة واعدة ومبشّرة، فالواقع أنه يمكن التكلم على مظاهر انحلال واسعة، عن تهتك شديد للروابط الاجتماعية، حتى على المستويات المحلية، عن انتشار العنف، وعن توسل العنف لتصفية حسابات متنوعة أو لجني مكاسب خاصة. لا تفي صيغ التنظيم الذاتي بالحاجة في معظم المناطق، ولا تزال عوامل الانحلال والتبعثر والأنانية أقوى حضوراً وأثراً من عوامل الالتئام والتعاون والعمل المشترك.
ما يظهر اليوم في شروط الثورة، أن نسبة السوريين الذين لا ضوابط ذاتية لهم عالية. هذا التكوين البشري هو قاعدة الطغيان وسنده، وتقليص هذه النسبة من التحديات الكبيرة التي ستواجه السوريين الجدد في مستقبل قريب.
الحرية التي تكسب بالثورة سيتعين إعادة كسبها عبر تربية الضمير والانضباط الذاتي.
مع ذلك، ليست مظاهر الانحلال هذه غير صعوبات عملية، كبيرة وكثيرة، لكنها واضحة، ومن شأن تخصيص جهد ووقت وموارد لمواجهتها أن يحقق تقدماً سريعاً في معالجتها وحلها.
هناك مشكلات أشد عسراً، تتصل بالمجموعات الإسلامية الجهادية، التي لا تخفي تطلعها إلى مثال للتنظيم الاجتماعي والسياسي لا يتغاير كثيراً مع ما عرفته سورية منذ نشوء كيانها المعاصر، وإنما هو يفيض على الكيان السوري ذاته ويتجاوزه نحو ضرب من الأممية الإسلامية. وفي غياب ديناميات واقعية تسند هذا النموذج، لا يمكنه أن يتحقق بغير عنف مهول.
هذه المجموعات تحوز حالياً شرعية مزدوجة من مواجهتها لنظام قتل عام، ومما تعرض له الإسلاميون من استبعاد طوال نصف قرن، فضلاً عن الشرعية الإسلامية العامة، لكنها تطرح مشكلة لا تختلف عن المشكلة التي تعاني منها سورية في ظل النظام البعثي والأسدي، بخاصة من حيث إرادة الطرفين رد المجتمع السوري المتنوع، الفائض التنوع، إلى مجتمع قضية كبرى واحدة، يفترض أن تتمركز حولها حياة السوريين وثقافتهم وسياستهم. إنها «الإسلام» في حالة، و «القضية العربية» في حالة، وقد آلت الأخيرة إلى تخوين المجتمع على نحو يبيح قصفه بصواريخ «سكود»، وتدمير البلدات وأحياء المدن فوق رؤوس ساكنيها على ما نرى اليوم.
للتكفير والتخوين بنية واحدة، وكلاهما سياج للسلطة المطلقة، والأممية الإسلامية أكثر حتى من الأممية العربية، من حيث كونها طوبى بلا سند واقعي، تؤسس لمصادرة حياة المحكومين من قبل أقلية لا بد أن تحكم بالطغيان.
كثير على الثورة السورية أن تواجه نظاماً احتلالياً مدعوماً من دولتين قوميتين شديدتي القسوة، وتبطن سياسة أجهزة القتل فيها نزعة ثأر تاريخي («كربلاء»... إلخ)، وتثقل كاهلها تشكيلات دينية مقاتلة شديدة التعصب، ترفع قضيتها فوق الناس، وتريد حكم الجميع غصباً عنهم. وفوق هاتين مشكلات ما لا يحصى من المشكلات الحياتية اليومية.
لكن هذا هو الحال ولا مهرب منه. وهو يطرح، في ما يتجاوز التخلص من الشبّيح العام، مشكلات الإصلاح الاجتماعي والتربوي والأخلاقي، بما في ذلك حفز قيم التواضع في مواجهة الغرور، والتنظيم في مواجهة الاعتباط، والتسامح في مواجهة التعصب، واحترام المجتمع في مواجهة المزايدة السياسية والفكرية عليه، أي ضد التشبيح.
وليس غير مشاركة أكبر عدد من السوريين في شأنهم المشترك، والتوسع في صناعة الحرية عبر التنظيم الذاتي والتعاون، وعبر تملك الكلام والتعبير، والمقاومة طبعاً، بما فيها المسلحة، ما يمكّن سوريين من تملك التغيير والتحكم بمحصلاته.
الرهان هو التحكم بشرط الحياة والتحول نحو مجتمع المشكلات الصغيرة الكثيرة بعد ما يكاد أن يقارب 6 عقود من القضية الكبرى الطاحنة للبشر. مجتمع القضية الكبرى لم يحقق تقدماً، لا على مستوى القضية الكبرى المزعومة، ولا على مستوى المشكلات الصغيرة التي لا تعد.
مجتمع المشكلات الكثيرة هو مجتمع الكثرة من الناس، مجتمع الناس الذين يحررون أنفسهم بينما يغيرون حياتهم، بمقدار ما إن مجتمع القضية الكبيرة الواحدة هو مجتمع الطغيان والموت.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.