تتنافس الشركات التجارية على الأرباح، ولكنها تتسابق أيضاً لاكتشاف أفضل الطرق لتحسين صورتها الإعلانية بهدف تحقيق ربح أكبر، مع حرصها على ألا يكون الكسب الإعلاني على حساب ربحيتها، فهدف تحسين الصورة يصب في النهاية في خانة تحسين الأرباح لا أكثر ولا أقل. من المعروف أن أفضل ما يمكن أن يحصل لصياد هو أن يصيب عصفورين بحجر واحد. لذا تستعين الشركات التجارية بأفضل شركات العلاقات العامة وتدفع مبالغ طائلة لتحسين صورتها. وقد وجدت شركات الإعلان طريقة جديدة لتحسين صورة السلع والاسماء التجارية أمام الرأي العام، المستهلك لتلك السلع. وتعتمد الطريقة الجديدة على ركوب موجة الأخلاقيات السياسية الجديدة التي دخلت العادات في المجتمعات الغربية اخيراً والتي تعرف باسم "الصحيح سياسياً". ولهذا المفهوم ابعاد في الحياة الاجتماعية والسياسية تحاول الشركات الإعلانية الاستفادة منها. وهي اعتمدت لهذا على مبدأ إقرار شرعة "التجارة المنصفة" أي أن تحاول إظهار عمل الشركات التي تكلفها الاهتمام بحملاتها الإعلانية، بأنها شركات تسعى الى الربح، انما بشكل "منصف" للآخرين ولا تود "سحق" منافسيها. ومن المفارقات أن هذه الفكرة الإعلانية تستند الى أفكار المناهضين للعولمة وللشركات الكبرى، والذين يتهمون التكتلات التجارية العملاقة بأنها وراء إفقار البلدان غير المتقدمة بشراء المواد الأولية بأسعار رخيصة جداً، واضافة هوامش كبيرة على مصنوعاتها على حساب الموردين في الدول الفقيرة. ولكن مبدأ التجارة يناقض مبدأ حرية التجارة التي تروج لها المؤسسات المالية العالمية مدفوعة من الشركات التجارية الكبرى التي ترفض أي عائق أمام حرية التعاقد وتقرير الأسعار لأي من المواد الخام أو السلع المصنعة. فكيف يمكن تجاوز هذا التناقض والقيام بالعمل حسب "التجارة المنصفة" التي تحتم تحديد أسعار لا تعكس حركة العرض والطلب؟ الجواب يأتي من قبل شركات الإعلان التي لجأت إليها الشركات الكبرى لتدارك هجمة الإساءة إلى صورتها التجارية التي يشكلها الهجوم المنظم من قبل المناهضين للعولمة وللشركات الكبرى في العالم. ويمكن اختصار النتيجة التي توصلت إليها شركات العلاقات العامة، بعد اعتماد مبدأ الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، بما يأتي: "تدعي المنظمات غير الحكومية والحركات الشعبية المناهضة للعولمة أن الشركات الكبرى تساهم بإفقار الدول الفقيرة مما يثير اشمئزاز المستهلك الأوروبي، فلنبرهن للمستهلك هذا أن عملنا التجاري يساهم بمد الدول الفقيرة بالمال اللازم لدعم نموها وإخراجها من رقعة الفقر"! وللوصول الى هذا "الاقناع" لا يوجد وسيلة أفضل من الإعلام. إذاً كان من المطلوب تجاوز مبدأ فاعل الخير الذي يعمل في الظل والانتقال الى عمل الخير المكشوف تحت أضواء الإعلام. وبعدما كانت أسعار المواد الأولية سراً من أسرار الشركات والمصانع الكبرى، لأنه يحدد هامش ربحيتها، باتت الأسعار هذه عاملاً إعلامياً مهماً في الوظيفة الاعلانية وسياستها التواصلية. فلا تتردد شركة تسويق عن الإعلان أنها اشترت موادها الأولية بسعر معين يتجاوز سعر السوق العالمية وذلك دعماً للموردين في الدول الفقيرة. ومن أبرز المواد التي دخلت إطار "التجارة المنصفة" القهوة والكاكاو. فشركة "ستاربوكس" التي تشتري واحداً في المئة من محصول البن في العالم أعلنت اخيراً أنها تطبق سياسة التجارة المنصفة في سوقي الولاياتالمتحدة وبريطانيا. ويوجد في العالم اليوم حوالي 16 تجمعاً لشركات تدعي العمل حسب شرعة "التجارة المنصفة" ويبلغ مجمل أعمالها حوالي 250 مليون دولار ونشاطها محصور في أوروبا الغربية بشكل خاص، خصوصاً في مجالي البن والكاكاو، ويعود هذا إلى اهتمام الرأي العام في القارة الأوروبية بالفقر المدقع في القارة السمراء التي يشكل البن والكاكاو اهم منتجاتها المصدرة. ولكن على رغم العدد القليل من هذه الشركات الذي يجعل تأثيرها محدوداً جداً على أسعار السوق، فمن البديهي التساؤل كيف تستطيع هذه الشركات الوقوف في وجه الشركات التي لا تطبق مبدأ "التجارة المنصفة" ما ينعكس زيادة في أسعار سلعها بالمقارنة مع السلع الأخرى المتواجدة في السوق؟ الجواب أيضاً هو الإعلام، فقد ثبت ان الثقل الاعلامي لمبدأ "التجارة المنصفة" يعادل حملة إعلانية ويتجاوز مفعولها بقدر كبير 25 في المئة في بعض الأحيان وهكذا فإن ما توفره هذه الشركات من موازنة إعلانية يشكل من حيث المبدأ تعويضاً لارتفاع أسعار المواد الأولية. ولكن هذه الشركات تكسب أيضاً من عدة عوامل، فهي ترفع أسعارها من دون أن ينفر منها المستهلك بحجة أنها تطبق سياسة أخلاقية في تجارتها تبرر هذا الفارق بالسعر، وتزيد من مبيعاتها ذلك أن "الموضة" حالياً هي شراء سلع تتبع هذه السياسة، وتوفر من موازنتها الإعلانية طالما أن الصحافة تتناول أخبارها وتشير إليها كرائدة في هذا المضمار. وهكذا رأت بعض الشركات أنها بمجرد أن تسبح في سياق ما يطلبه أخلاقياً المستهلك تصيب عصافير عدة تطير كلها في فضاء الربح. من المؤكد أن الوزن الإعلامي لهذا النوع الجديد من التجارة سيدفع العديد من الشركات للعمل به في السنوات العشر المقبلة، انما لأسباب إعلانية فقط، وقد تستفيد من هذه السياسة بعض الدول الفقيرة، الا ان الإفادة هذه ستظل محدودة جداً وغير مؤثرة اقتصادياً. ولكن يتبين من بعض التجارب التي وصلت إلى مرحلة متقدمة في هذا المجال ان المستفيد الوحيد هو الشركات والمصانع وأن الذي يدفع ثمن "أخلاقيات التجارة" هو أولاً وأخيراً المستهلك الأوروبي والأميركي، الذي يستطيع تحمل زيادة الأسعار التي يفرضها عليه الإعلام الذي يلعب دور مرآة لما يدور داخل هذا المستهلك من رغبات أخلاقية. ولكن في ظل عولمة استهلاكية جارفة هل يستطيع المستهلك في دول "الصف الثاني" التي تستورد هذه السلع تحمل زيادة أسعار السلع خدمة لأخلاقيات المستهلك الثري