الرأي الشائع تقليدياً ان روسيا تسعى للعودة الى الشرق الأوسط من البوابة العربية. ويتصور بعضهم تلك البوابة ضيقة محصورة تؤدي الى رواقين فقط: الشأن الفلسطيني والعلاقة مع الأنظمة العربية الراديكالية. ويأخذون على روسيا اخفاقها في رد محاولات إبعادها عن حل القضية الفلسطينية من جهة، كما يأخذون عليها من جهة أخرى تماديها في العلاقة مع ليبيا والعراق الى درجة تلحق، في اعتقادهم، ضرراً بمصالح روسيا نفسها في الشرق الأوسط، ذلك ان تأييدها للأنظمة العربية الراديكالية وإهمالها الأنظمة العربية المعتدلة باتا ذريعة بيد الولاياتالمتحدة كي تعزز تواجدها بشتى أشكاله في المنطقة. إلا أن المحللين لا يشكون في ادراك الكرملين هذه الحقيقة، فهو يتخذ خطوات في اتجاه تصحيح المسار وتوافر التوازن في سياسته الشرق الأوسطية. فجاءت جولة وزير الخارجية الروسي ايغور ايفانوف الأخيرة لتشمل عدداً من الدول العربية المعتدلة أيضاً. وفي هذا السياق تقف ايران على حدة. فبعض المحللين الروس ينظر الى موقف روسيا منها بمنظار العلاقة مع الدول الراديكالية المتطرفة فقط. في حين أن ايران بالنسبة الى روسيا هي البوابة الأقرب والأوسع لولوج الشرق الأوسط. ولا تنحصر القضية في كون ايران شهرت سيفها في وجه "الشيطان الأكبر" منذ عهد الإمام الخميني. فالموقف الايراني تجاه الأميركيين ليس السبب الأول والأخير لعلاقة روسيا المتميزة بايران. وحتى مصطلح "امبراطورية الشر" أطلقه على الاتحاد السوفياتي رونالد ريغان وليس الخميني، ذلك ان العلاقات بين روسياوايران على العموم ظلت طيبة على مدى العصور. وهنا نتذكر رسالة الخميني الشهيرة الى الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف ودعوته الى اعتناق الاسلام، فهي تنطوي على حسن نية ولا تنم عن حقد دفين على الروس. ثم ان الخميني لم يتوجه الى ريغان بدعوة مماثلة! تاريخياً دخلت روسيا الشرق الأوسط عبر ايران وليس فقط من خلال البعثات الرسولية الارثوذكسية الى فلسطين في القرن التاسع عشر، ذلك ان بدايات القرن العشرين شهدت صراعاً حاداً بين روسيا وبريطانيا وفرنسا على الخليج العربي. آنذاك دخل الأسطول الروسي الخليج بطرق بحرية ملتوية، إلا أن المنطلق الأساسي للتوغل الروسي في أعماق المنطقة هو البر الايراني. وليس في ذلك وجه غرابة نظراً الى كثرة الأسباب التي دفعت الروس الى اختيار هذا المسار. فخلافاً لتركيا لم تلاحظ على ايران رغبة في الهيمنة على خاصرة روسيا من جهة الجنوب القوقازي. وعلى رغم درامية العلاقة مع ايران في عهد الشاه وتشابك المصالح الجيوسياسية لم تتعرض روسيا لأطماع فارسية سافرة. وحروب المنطقة ذات صبغة روسية عثمانية. إلى ذلك باتت ايران ككفة ميزان بالنسبة الى روسيا لتأمين توازن القوى في المنطقة، ما أضفى على العامل الايراني أهمية بالغة. وحتى ازدياد اهتمام الروس بالعراق في الآونة الأخيرة ليس من بنات الصدفة ولا يثير الاستغراب. فهو امتداد للاتجاه الايراني نفسه في السياسة الخارجية الروسية. ولعل ذلك هو سبب حدة الرد الروسي الأخير على الأميركيين في كل ما له صلة بالعلاقة مع ايران. وكل ما يتعلق بالتعاون الروسي - الايراني يثير حفيظة الولاياتالمتحدة، لا سيما ان رقعة هذا التعاون واسعة واحجامه كبيرة. وهو يشمل اتجاهات عدة، هي الطاقة الذرية ونفط قزوين والغاز والتعدين وصناعة المكائن المدنية والعسكرية وتجارة الأسلحة. والمنافع الاقتصادية على روسيا من التعاون مع ايران تزداد تصاعدياً، فيما التسهيلات التجارية الأميركية الموعودة تتبخر من عام لآخر. وفي خضم الصراعات الانتخابية في الولاياتالمتحدة أثير من دون سبب واضح موضوع التعاون بين روسياوايران، وجرى تمهيد اعلامي للبحث في الموضوع تضمن دعوة الى فرض عقوبات اقتصادية على روسيا واعادة النظر في كل جوانب العلاقات الروسية - الأميركية. واللافت ان جذور الخلاف الحالي بين موسكو وواشنطن على ايران تعود الى ما قبل خمس سنوات. فنبش الجانب الأميركي تلك الجذور في الأسابيع الأخيرة. كانت الولاياتالمتحدة أبدت امتعاضها لمشاركة الروس في بناء المرحلة الأولى من محطة بوشهر الكهرذرية. وفي العام الماضي عمد الأميركيون الى منع المساعدات عن المؤسسات العلمية والفنية الروسية ذات العلاقة جامعة مندلييف وجامعة البلطيق ومعهد الطيران وعدد من المصانع الحربية. ولم يكن لهذه "العقبات" تأثير موجع، ذلك ان تلك المساعدات ضئيلة أصلاً. إلا أنها أرعبت حكومة تشيرنوميردين، فوافقت على توقيع بروتوكول سري العام 1995 نص على أن توقف روسيا تعاونها العسكري والنووي مع ايران بمضي خمس سنوات من ذلك التاريخ. وفي اطار نبش بذور الخلاف أخيراً كشف الجانب الأميركي النقاب عن البروتوكول السري، ما أثار استياء روسيا وأثار ضجة لن تمضي من دون مضاعفات. فأقدمت روسيا على مجازفة الانسحاب من بروتوكول غور - تشيرنوميردين وساقت الدليل على رغبتها في تصحيح خطأ كلفها بليارات الدولارات من تلكؤ تجارة السلاح مع ايران كما أظهرت نيتها في اعادة النظر في توجهات السياسة الخارجية التي صاغها في منتصف التسعينات الرئيس السابق بوريس يلتسن ورئيس وزرائه تشيرنوميردين ووزير الخارجية اندريه كوزيريف. وعزا مسؤولون روس أمر الانسحاب من البروتوكول الى التطورات الايجابية الأخيرة في سياسة ايران الداخلية والى فضح سرية البروتوكول من قبل الأميركيين والى خرق بنوده بظهور سلاح أميركي الصنع عند قوات "طالبان". وجاءت ردود فعل الأوساط الاجتماعية في روسيا مشجعة، فأكد كثيرون ان روسيا ترغب في رسم سياستها بنفسها ولوحدها، وأنها كان يجب أن تفسخ بروتوكول غور - تشيرنوميردين من زمان كونه ينتقص من استقلال البلاد، وأن خطوة كهذه ستكون اشارة طيبة يتقبلها العالم الاسلامي بكل سرور. خلاصة القول ان الروس حسب غور - تشيرنوميردين ينهون تعاونهم العسكري مع ايران بهدوء في العام 1999 بعد ان تنتهي مواعيد العقود القديمة لتسليم آليات حربية غدت بالية منذ العهد السوفياتي، ولا يوقعون عقوداً جديدة بعد ذلك التاريخ. وكانت لإيران العام 1995 أسلحة وآليات عتيقة معطلة أميركية الصنع، فاشترت من الاتحاد السوفياتي ثم من روسيا ثلاث غواصات من طراز "كيلو" وترخيصاً لصنع دبابات "ت - 72" ومدرعات "ب م ب -2"، كما اشترت ثلاثين طائرة من طراز "ميغ - 24" و"ميغ - 29". وحالياً تمتلك ايران 30 قاذفة قنابل "سوخوي - 24" منها حوالي عشر طائرات كانت لجأت الى ايران من العراق أثناء "عاصفة الصحراء" و35 مقاتلة "ميغ - 29" منها حوالي 20 طائرة وصلت من العراق أيضاً. وخلال فترة بروتوكول غور - تشيرنوميردين أضاعت روسيا فرصاً كبيرة في مجال تجارة السلاح مع ايران. فقد كان بوسع ايران ان تشتري من روسيا وهي تريد أن تشتري الآن أسلحة بمبلغ اضافي قدره 1.5 بليون دولار، منها وسائل الدفاع الجوي ابتداء من صواريخ "الإبرة" وحتى صواريخ "ف - 300" البعيدة المدى، وكذلك الرادارات والصواريخ المضادة للدبابات وصواريخ "ماسكت" و"ياخونت" المضادة للسفن اضافة الى الدبابات الجديدة "ت - 80". وتفيد تقديرات الخبراء ان القيمة الاجمالية للعقود الروسية مع ايران كانت تراوح بين 7 و9 بلايين دولار، فيما بلغت قيمة الصادرات الروسية الى ايران في الفترة 1991 - 1994 وحدها أربعة بلايين دولار. وقامت هذه الاغراءات أيضاً وراء الاعلان عن عدم التقيد ببروتوكول غور - تشيرنوميردين، لا سيما ان تعزيز التعاون العسكري والفني مع ايران أمر تمليه المصلحة الجيوسياسية وضرورة توافر التوازن الاقليمي والاستقرار في المنطقة. والى ذلك فإن ايران ضرورية لروسيا ليس فقط كسوق للسلاح، بل وكعامل ضاغط في السياسة النفطية وكحليف استراتيجي عظيم الفائدة عند الاقتضاء، ذلك ان التوجهات الايرانية في هذا المجال أقرب الى السياسات النفطية الروسية. وإذا دعت الحاجة فالسلاح الروسي المباع الى ايران يمكن أن يستخدم لغلق مضيق هرمز في حال نشوب حرب بترولية تكون روسياوايران طرفاً فيها. وهذا ما يخشاه الأميركيون أكثر من أي شيء آخر. ويبدو ان روسيا ماضية في تكثيف العلاقات مع ايران بشتى السبل. فقد أعلنت وكالة "انترفاكس" قبل أيام نقلاً عن مصدر في وزارة الطاقة الذرية الروسية ان موسكو ستوقع عقد تشييد المرحلة الثانية من محطة بوشهر الكهرذرية بحوالي بليون دولار قيمة المرحلة الأولى كانت 800 مليون دولار. ويشرف الفنيون الروس حالياً على انجاز الأعمال التكميلية للمرحلة الأولى. ووقع البنك المركزي الروسي والبنك الايراني اتفاقية تعاون نصت على فتح فرع لمصرف "ملي" الايراني في موسكو، ولم تستبعد إمكان تمويل البنك المركزي الروسي صفقات الأسلحة التي يرغب فيها العسكر الايرانيون. والى ذلك توظف روسيا حتى الأوساط الاجتماعية لدفع التعاون مع ايران الى أمام. فقد زار وفد برلماني روسي طهران أخيراً والتقى الرئيس خاتمي كما التقى المرشد علي خامنئي. وهو نادراً ما يقابل وفوداً على هذا المستوى. واللافت ان الروس اختاروا أعضاء الوفد البرلماني من بين النواب المسلمين فقط. ولمناسبة شهر رمضان وافتتاح معرض القرآن يزور طهران حالياً وفد من أساتذة الجامعات الروسية المتخصصين في الاسلاميات وعلوم القرآن