ماذا بقي من هواري بومدين؟ كان الرئيس الجزائري الراحل شخصية تتسم بالغموض الشديد والتكتم. تبدو قسماته صارمة على الدوام. كان حريصاً على النأي عن كل شيء له علاقة بحياته الشخصية والأسرية. وكان مقلاً في أحاديثه الصحافية، مفضلاً ان يكون عملياً ما أمكنه. فجأة رحل بومدين في نهاية السبعينات، تاركاً الجزائر في منتصف طريقها الى الاشتراكية والتصنيع، وربما في بداية طريق المجهول الذي لا تزال تمضي في متاهته منذ تنحي الرئيس السابق الشاذلي بن جديد عن الحكم. وكان بومدين مثيراً ومشوقاً للآخرين، لجهة انغلاق شخصيته، وازدرائه ب "الأنا"، وحرصه على الصمت في كل عمل يقوم به. وعندما انتقل الى الرفيق الأعلى من دون ان ينشر مذكرات - إن كان كتبها - تحسر كثيرون ممن احبوه وتعاطفوا معه، بل ممن كرهوه واختصموا معه، لأنه لم يترك لهم شيئاً يعينهم على فهم الدوافع النفسية لقراراته وسياساته طوال فترة حكمه التي بدأت بانقلابه على رفيق كفاحه الرئيس السابق احمد بن بله العام 1965. وبعد رحيله، وبعدما بدأت الجزائر تغرق في مستنقع العنف والصدام السياسي، لم يعد ثمة وقف كاف لتذكر بومدين ومحاولة تعريف الاجيال الشابة به وتقديم صورة عنه. "الوسط" ذهبت تبحث عن بومدين في عقل أرملته وشريكة حياته السيدة أنيسة التي لا تزال تقيم في المنزل الذي ضمهما معاً حتى تبقى ذكراه وذكرى ايامهما معاً متقدة على الدوام. كانت حصيلة اللقاء هذا الحديث المفعم بالذكريات وأحداث الماضي القريب... * حدثينا في مستهل لقائنا عن نفسك... - انا جزائرية أباً وأماً. وقد هاجر اجدادي الى سورية ولبنان في القرن الماضي للنجاة من بطش الاحتلال الفرنسي. وجدتي لوالدتي مدفونة في بيروت لكني لا اعرف تحديداً مكان قبرها، وللأسف لم اتمكن من زيارة لبنان نفسه رغم اعجابي بشعبه وحبي لفنانته الكبيرة فيروز. وكان والدي من المؤمنين بنشر اللغة العربية واحيائها وتعليمها للجزائريين وكان من الموسرين ولذلك كانت له مساهمات ملموسة في هذا الجانب، وكان حريصاً على ان تكون معظم الافلام التي تعرضها دار السينما التي يملكها في الجزائر العاصمة عربية. * اللقاء الاول مع الرئيس بومدين... هل تذكرين أين كان؟ - زرته لحل مشكل شخصي متعلق بعائلتي وكنت في تلك الفترة محامية ونائباً لوكيل الدولة النيابة وايضاً كنت اكتب بعض المقالات في الصحافة الوطنية وأوقعها باسم مستعار، وهي تتناول اصلاح النظام الجامعي. وقد لفتت انتباهه هذه المقالات وعرف فيما بعد اني اكتبها. وشاهدني مرة خلال نشر الاخبار المصورة اثناء الافتتاح الرسمي لمجلس القضاء وكان عدد المحاميات قليلاً جداً آنذاك وهذا ما لفت انتباهه كوني امرأة. * هل خطر ببالك الزواج من رئيس دولة؟ - قبل ان اعرفه كنت احترمه احتراماً كبيراً، ولم افكر يوماً بالزواج منه، ولكن بعد تعارفنا علمت مدى ذكائه الحاد وبثعد نظره الى كل القضايا، وكما قلت كنت اتمتع بمستوى جامعي ولكني، للحقيقة،تعلمت منه اشياء كثيرة وجديدة، فهو يحب الثقافة ويقرأ كثيراً، ومنفتح على كل الحضارات ويفلسف كثيراً تجارب كبار الزعماء على مر العصور. هذه الخصال والصفات اعجبتني كثيراً وكانت بالنسبة اليّ اغراء فكرياً aleSeduction Mor وبعد ذلك بدأنا نتحدث عن الزواج، مع العلم بأني امرأة صعبة المزاج، ومن الصعب عليّ ان اشعر بالاعجاب تجاه شخص ما حتى لو كان رئيس جمهورية. لكني مع الرئيس بومدين تعلمت اشياء كثيرة، والكثير من التحليلات السياسية، رأيت بعد وفاته انها تحققت. واضافة الى ذلك فهو صاحب ضمير خُلقي، وانسان مؤمن من دون تطرف، ويكره الجوانب المادية. والحقيقة انا من أسرة غنية، لكني تعلمت التقشف الى جانبه، واحتقار الاشياء المادية والترفع عنها. وهو لم يكن يرضخ لأي ضغط جسمي او صحي، ويملك ارادة قوية جداً فهو مثلاً حتى العام 1965 كان يدخن حوالي اربع علب تبغ يومياً، ويشرب القهوة بشكل مستمر، ولكنه في يوم بعينه قرر التوقف عن التدخين والقهوة فتوقف فعلياً، وصار يدخن السيجار الذي كان يتلقاه هدية من الرئيس الكوبي فيديل كاسترو. * كيف كان يعبر عن حبه ومشاعره؟ - كان عندما يقوم بزيارة لاحدى القرى او احد البساتين يقطع احد العروق الخضراء ويحتفظ به ليقدمه اليّ عند عودته. وكان يفضل ان ابقى في المنزل عند عودته كل يوم. وكنت اعرف ان حبه الاول هو للجزائر وهي زوجته الاولى، وانا الزوجة الثانية. فهمت ذلك منذ البداية ولم أشأ ان أنازع الجزائر في حبه لها، فهو قائد عظيم وزوجته يجب ان لا تشغله بمشاكل مادية. واظن انه اختارني لأنه عرف اني مستسلمة لهذه الحال، ولا اتسبب له في اي مضايقات. كانت لي بعض النشاطات الخاصة التي كنت اعتبرها بمثابة وظيفة وكنت دائماً أقرأ بتوسع عن تاريخ بلدان الرؤساء الذين يزورون الجزائر. وكنت ايضاً أقرأ بعض الكتب التي لا وقت لديه لقراءتها، وأقوم بتلخيصها له. العلاقات بيننا لم تكن تقليدية كأي زوج وزوجة، وانما علاقات ثقافية ايضاً. وكنا نبدو كثيراً مثل أخ مع اخته الصغرى، كان بالنسبة الي استاذاً يشرح لي ما لا افهمه وفهمت قضايا كثيرة بعد وفاته. وأذكر انه كان يقول لي مرات بشيء من المزاح ما زلت صغيرة وستفهمين لاحقاً. * هل كان يعلق على اناقة وجمال زوجات الرؤساء عند استقبالكما لهن؟ - الزوجات لم يكن قضية مهمة، لكنه كان يحدثني كثيراً عن الرؤساء. وأذكر اننا قوبلنا بحفاوة بالغة عند زيارتنا لألمانيا الغربية سابقاً من المستشار فيلي براندت وزوجته ووجها اليّ دعوة لحضور اوبرا، لكن بومدين لم يسمح لي بذلك رغم حبي للأوبرا. وقال لي سيكون لديك الوقت الكافي للسفر في المستقبل. واستقبلنا ايضاً الرؤساء كاسترو وتيتو والاسد وعدداً من رؤساء الدول الافريقية وايضاً الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان وزوجته. * ماذا بقي في ذاكرتك من زيارة ديستان للجزائر؟ - عندما استقبلناه كنا نريده ان يرى شخصياً حقيقة الانجازات التي تحققت في الجزائر، ويأخذ ذلك بعين الاعتبار حتى يعرف حماسة الشباب الجزائري وحبهم للسلطة الحاكمة ورئيسها. وزار ايضاً المدارس والجامعات والمركبات الصناعية الضخمة التي بناها الجزائريون بعد الاستقلال. وزارت زوجته بعض الاماكن الاثرية ورأت كيف نحافظ عليها مما أثار اعجابها. * ماذا كان يريد بومدين من دعوة ديستان؟ - كان يرى ان الصفحة القديمة والمؤلمة بين البلدين يجب طيها، وكان ينظر الى المستقبل بأمل تعزيز التعاون بين البلدين بشكل ندي، خصوصاً ان الجزائر كانت شريكاً مهماً لفرنسا في مجال التجهيزات. لكن ديستان لم ينجح في اغتنام تلك الفرصة وأفقد بلده بلايين الدولارات من عقود لم تتم، وبلغنا لاحقاً ان رجال الاعمال الفرنسيين انتقدوه على ذلك انتقاداً شديداً. عدم انجاب الاطفال * عدم انجاب اطفال... هل كان قراراً من الرئيس لكي لا يشغله شاغل عن مشاكل البلاد ام ان هناك اسباباً اخرى؟ - مشيئة الله لم تأذن بذلك، ولم يكن قراراً ذاتياً. وانا لست عاقراً، وكان بومدين - رحمه الله - يرغب في ان يصبح أباً. لكنه كان انساناً حنوناً ويعتبر ابناء الجزائر كلها ابناءه، ولذلك كانت قراراته المهمة موجهة الى مصلحة الفئة الشبابية والطلبة حتى لا يتعذبوا كما تعذب عندما كان طالباً. وعمل شخصياً على دعم اسعار الكتاب المدرسي والثقافي حتى يبني جيلاً متعلماً ومثقفاً وأعطت الدولة عدداً كبيراً من المنح للبعثات الى الخارج للحصول على الشهادات العليا. وكان التعليم ولا يزال حتى الآن مجانياً في كل مراحله في هذه البلاد. * من الطبيعي حصول بعض الخلافات بين الزوجين... كيف كانت خلافاتكما؟ - لا يوجد شيء خاص في هذا الجانب. والخلافات كانت بسيطة جداً لأني كنت احاول ان اتفهم كل مواقفه ولم أكن احب ان اتحدث الى الآخرين عن رحلاتي الى الخارج ومشاهداتي، وكنت اعرف انه يتعب كثيراً ولديه هموم كثيرة وعليّ ان أريحه من كل هذا ولا أزيد همومه. * هل كانت لديه احلام شخصية بعيداً عن السياسة؟ - كان دائماً يتصور انه لن يبقى في الحكم مدة طويلة وسيختار التقاعد عند بلوغه سن ال50. وكان يرى ان عليه البقاء في الحكم حتى اكتمال بعض المشاريع الاقتصادية الضخمة التي بدأ تنفيذها. وقد تم التخلي عنها في ما بعد للأسف الشديد. وكانت توفر فرص عمل لعدد كبير من الجزائريين. كان يقول لي اننا بعد تقاعده سنسافر معاً ونزور مختلف ارجاء العالم. كان اذا اراد ان يمزح يقول لي انني سأبقى في المنزل لأقرأ عليه اكبر عدد من الكتب، وانه لا يريدني ان اقرأ اي صحيفة! وتعجبت من ذلك ولكن بعد وفاته وبعد مواظبتي على مطالعة الصحف وما تكتب من حماقات عرفت ماذا كان يقصد!! ابن عم الرئيس * هل تدخل اي مرة لمصلحة احد اقاربه او اصدقائه للحصول على منصب او شيء ما؟ - المبدأ مرفوض من الاساس عنده، وعائلته كانت محرومة من كل شيء ولم يقبل اي تدخل لمصلحة احد. وحدث مرة ان احد ابناء عمه تقدم الى احدى الشركات الوطنية وعرّف عن نفسه كإبن عم للرئيس، لكن عندما علم الرئيس بالأمر أمر بوضعه في السجن بضعة ايام حتى لا يكررها. وذات مرة طلب احد اقاربه تأجيل التحاقه بالخدمة الوطنية، وتكلم مع والدة بومدين التي نقلت الطلب الى الرئيس، فرفض وأصر على ان ينضم قريبه الى الخدمة العسكرية رغم اجرائه عملية جراحية قبل فترة بسيطة فغضبت والدة الرئيس ورفضت ان تتحدث الى ولدها حوالي شهرين. * كيف كنتما تقضيان اوقات الفراغ؟ - لم نعرف بشكل مشترك راحة بكل معنى الكلمة. وكان لمركز الجزائر الكبير في تلك الفترة على المستوى العالمي دور في ذلك. اذ انه كان يتلقى في تلك الفترة منظمة اوبيك وحرب 1973 وايضاً انعقاد مؤتمرات القمة العربية والافريقية. وكان لا يؤجل استقبال اي موفد اجنبي فإذا وصل مبعوث كان يفضّل استقباله بعد وصوله بقليل. وأوقات الفراغ القليلة التي يتمتع بها كان يقضيها في السباحة والصيد والتنزه. كان بومدين يحب الطبيعة ويدافع عن المحافظة عليها، وزرع كثيراً من الاشجار في بعض الاستراحات التي كانت مخصصة للرئيس وأسرته، ولا اعرف هل هي باقية تلك الاشجار حتى الآن أم لا. احياناً كنا نلعب الشطرنج. لكنه لم يحاول كتابة مذكراته الخاصة لأنه لم يكن لديه وقت لذلك. * هل حدّثك في اي وقت عن الرئيس السابق احمد بن بله ومعارضيه حسين آيت احمد ومحمد بوضياف؟ - قال لي في شهر حزيران يونيو 1978، قبل وفاته بحوالي سبعة اشهر انه سيطلق سراح بن بله قريباً. اما في ما يتعلق بالآخرين فكان يرى انهم كانوا ثواراً في بدايات الثورة، لكن نظرتهم السياسية ضعيفة جداً، ولا تقدم اي حلول لمشاكل البلاد وانهم عاشوا اساساً في المنفى والسجن ولا يعرفون المشاكل الحقيقية للبلاد وللثورة. وهذا ما اعترف به حسين آيت احمد في مؤتمر طرابلس الذي عُقد في تموز يوليو 1962 عندما قال انه يعرف عن الجزائر ومشاكلها الشيء الذي ارادت الحكومة الموقتة واعضاؤها تعريفنا به لكننا لا نعرف خبايا الامور وهذه الاشياء موجودة في الارشيف. بومدين كان يعتقد بأن هؤلاء الاشخاص لا يعرفون مشاكل البلاد الحقيقية ونظرتهم السياسية غير واقعية، وتنصرف بشكل اساسي الى تفريق صفوف المجاهدين والوصول الى الحكم من دون برنامج مخطط. وكان بومدين يخطط للأمام وأقدم على تأميم النفط والمناجم والمصارف، ووضع مشروعاً اقتصادياً ضخماً ولم ينحرف عن هذا الخط. وكان يعتقد بأن بن بله لم يحترم توجهات مؤتمر طرابلس الذي لقي مصادقة اعضاء المجلس الوطني للثورة واكتفى في عهده بتأميم بعض المؤسسات الصغيرة حمامات، صالونات حلاقة... مما لا يوفر العملة الصعبة للجزائر. وبن بله انسان فوضوي وارتجالي في حياته، فيما كان بومدين يدرس بشكل معمّق اي قرار قبل الإقدام على اتخاذه. وهو اول زعيم في المنطقة نجح في تأميم منشآت النفط، الامر الذي عرّضه للخطر. وقال نقولا سركيس وهو احد الخبراء المعروفين في النفط ان هذا القرار حطّم مركّب الخوف الذي شل الحكومات العربية والاسلامية بعد فشل ثورة مصدّق في ايران. وبومدين كان يدرك التهديدات الاجنبية ومحاولة الشركات الفرنسية فرض حظر عليه. وتبعته ليبيا والعراق بعد ذلك بتأميم منشآتها النفطية، وتغير نظام الامتيازات الى المشاركة. وبومدين لم يكن يحب الخطب الجوفاء، بل العمل وكان يقول دائماً ان الشعب سيحكم على الافعال والاعمال وليس على الاقوال. اما بالنسبة الى بوضياف فرأيه سلبي جداً، ويقول الشيء نفسه عنه لجهة عدم معرفته بخبايا الامور، ولكنه لم يكن ينكر انه كان احد الثوار الذين فجروا الثورة، وكان ضمن مجموعة ال22. وأود ان اقول، رداً على الذين يقولون انه أب الثورة الجزائرية ان آباء الثورة عدة، ومنهم العربي بن مهيدي الذي استشهد تحت وطأة التعذيب، وقال عنه أحد جنرالات فرنسا انه على رغم شدة التعذيب لم يفش سراً من أسرار الثورة. وبوضياف قال اكثر من مرة انه ضد النظام العسكري ويجب ان يكون الرئيس منتخباً من قبل الشعب، لكنه هو نفسه صار رئيساً للدولة بعدما طلبت منه القيادة السياسية والعسكرية وكان عمره 73 عاماً ونسي كل ما قاله سابقاً. وايضاً نسي الافكار الاشتراكية الصافية التي كان يدافع عنها وبدأ يدافع عن اقتصاد السوق. * كان بومدين صديقاً للاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية. كيف كان ينظر الى الشيوعية؟ - لم يكن شيوعياً، وكان يدرك ان الشيوعية لن تنجح في البلدان الاسلامية، لكنه كان يفرّق بين الشيوعية والعلاقات مع بلدان اوروبا الشرقية، خصوصاً من العدوان الثلاثي على مصر العام 1956. وموقف الاتحاد السوفياتي منه وتأييده لمصر ومدّها بالسلاح وتهديده لدول العدوان أثّر ايجابياً في نظر الثوار الجزائريين. ويذكر ان اميركا رفضت إمداد مصر بالسلاح، وأعادت النظر في تمويل سد اسوان واعترفت مصر بالصين، وهكذا فهم بومدين والثوار الجزائريون من هم الحلفاء الحقيقيون للعرب ولا بد من الاعتراف بأن البلدان الاشتراكية والصين ساهمت في تنمية الجزائر واعطتها مجموعة من القروض بفائدة لا تتعدى 2.5 في المئة، فيما كانت اوروبا وأميركا تطالبان ب9.5 في المئة، وأيضاً لم تفرض الدول الاشتراكية اي شروط للحصول على السلاح وقطع الغيار خصوصاً ان الاتحاد السوفياتي بلد كبير ومُنتج للنفط وليست له مطامع في النفط العربي. والجزائر لم يكن لديها اي مركّب نقص تجاه الدول الاخرى سواء أكانت اشتراكية او رأسمالية، بل كانت تتكلم مع الجميع من موقع الند، وهذا راجع للوضع الاقتصادي الجيد الذي كانت تعيشه في تلك الفترة. * كيف كان يتفاعل مع مشاكل العالم العربي والاسلامي؟ - عرف بومدين استراتيجية الغرب الرامية الى تفريق صفوف العالم العربي والاسلامي من خلال سياسة "فرّق تسد" وعمل كل جهده لتوحيد هذه الصفوف، وحل الخلافات العربية - العربية او الاسلامية، وساهم بشكل شخصي في حل الخلاف العراقي - الايراني العام 1975 وقال بعضهم انه ندم على ذلك، لكن احدى فرحاته الكبرى كانت توقيع هذا الاتفاق لأنه يعرف ان ثمار هذه الصراعات والخلافات لا يقطفها سوى اسرائيل وحلفائها في العالم، وكان له دور كبير في حرب 1973 وهذا ما اكده مراراً الرئيس المصري الراحل انور السادات. * بعض خصومه كانوا يصفونه بأنه ديكتاتوري. كيف كان يفهم الديموقراطية؟ - الديكتاتورية بالنسبة اليه كانت تعني استغلال الطبقات الكادحة، وهي موجودة في اميركا اللاتينية وبعض الدول الاخرى. والديموقراطية بنظره هي التي تحترم الطبقات الكادحة وتضمن لها شروط معيشة محترمة وايضاً الديموقراطية عنده تشمل التعليم وتأمينه لكل طفل جزائري وتأمين الكتب وضمان فرصة عمل لخريجي الجامعات والشباب. وكان بومدين يرى انه يجب منع الطبقة الغنية من مضاعفة ثرائها اكثر وأكثر. حتى سياسياً كان النقاش الذي تم من اجل تعديل واقرار الميثاق الوطني العام 1976 الذي نقل مباشرة على شاشات التلفزة ديموقراطياً بمعنى الكلمة وهاجم بعض المتحدثين مسؤولي الدولة في اكثر من قضية. وكان يرى ان هذا النقاش بمثابة تحضير للمؤتمر الرابع للحزب الحاكم. وهو المؤتمر الذي عُقد بعد وفاته، وبكل اسف لم يحترم هذا المؤتمر افكار بومدين الذي كان يرى السلطة وسيلة لتقدم البلاد وخدمة مصالحها وتعزيز دورها على المستوى العالمي وليس غاية بحد ذاتها كما يرى رؤساء آخرون قبله وبعده، عدا الرئيس الحالي اليمين زروال. * كيف كانت علاقاتك بقيادات الحزب والدولة قبل وبعد وفاة الرئيس؟ - لم تكن لدي علاقة خاصة بهم، ولم احاول الاتصال بأي منهم من الرئيس الشاذلي بن جديد حتى الرئيس محمد بوضياف. لكني اتصلت بالرئيس زروال واعتقد ان هناك فرقاً كبيراً بينه وبينهم لأنه يختلف عنهم. وقد استقبلني عندما كان وزيراً للدفاع بناء على طلبي، اذ التمست منه توفير امنية لي. واسمعني كلاماً طيباً اذكر منه قوله انه يعتبر الرئيس بومدين أباً ومؤسساً للجيش الجزائري الحديث. وعندما استقبلني في ذكرى رحيل بومدين وكان رئيساً للجمهورية قال لي ان ما نعيشه اليوم يعزى الى انجازات تحققت في عهد بومدين. وهذا اعتراف جميل ويشرف الرئيس زروال ويدل على نوع من العظمة وليس على الغيرة التي كان يتسم بها الرؤساء السابقون. وقد أحزنني - في المقابل - ان الرئيس الراحل بوضياف لم يعترف بالانجازات التي تحققت خلال عهد بومدين رغم ان اعداء الجزائر قالوا انها غادرت شاطئ البلدان المتخلفة. وانا اعتبر الرئيس زروال انساناً وطنياً، ولا اشك في ذلك وتأكد لي ان همه الاكبرمثل غالبية الجزائريين ان يعود السلم والاستقرار الى البلاد. * هل كان بومدين يلبي دعوات كبار رجال الدولة لحضور حفلات زواج او ميلاد؟ وهل كان يحتفل شخصياً بعيد ميلاده او ميلادك؟ - كان كل همه العمل السياسي. ولم يحضر اي حفل مثل هذا. والمنزل الوحيد الذي كان يزوره هو منزل والدته. ولم يكن يعطي اي اهتمام بيوم ميلاده، او ميلادي. هذه المناسبات كانت تمر عادية، وهذا لا يدل على عدم عاطفة او قسوة، لكن امور السياسة كانت تأخذ كل وقته. * هل ترك رصيداً وثروة؟ - الدار الوحيدة التي يملكها هي قبره! ليست لديه اي ثروة داخل الجزائر او خارجها. حتى اكلنا كان يأتينا من ثكنة الجيش بحكم منصبه. * وماذا كان يقرأ؟ واي موسيقى كان يفضّل سماعها؟ - كان يقرأ الصحف الوطنية، وعدداً من الصحف العربية والاوروبية، ويطالع اخبار وكالات الانباء حتى انه احياناً كان يبلغ وزير الاعلام بخبر سياسي مهم. وكان يقرأ بسرعة. وفي مجال الكتب كان يحب الكتب التاريخية، والشعر العربي القديم والحديث، ويقرأ لنزار قباني ومحمود درويش. اما الموسيقى فقد كان يحب جداً صوت فيروز خصوصاً اغانيها عن القضية الفلسطينية. وكان يستمع الى محمد عبدالوهاب وام كلثوم. وجزائرياً كان يستمع لرابح درياسة والمطرب عيسى الجرموني. وكان ايضاً يسمع الموسيقى الكلاسيكية. * هل كان متأكداً من عدم تجاوزات قوات الأمن لمعاملتها المواطنين؟ - يجب ان تعرف انه في عهده لم يكن هناك غير سجين سياسي واحد هو الرئيس بن بله. ولم يكن سجيناً بالمعنى المفهوم، بل كان في اقامة جبرية وكانت السلطة توفر له كل ما يطلبه. وقد شجع الرئيس بومدين فكرة زواج بن بله عندما كان في الاقامة العام 1967 و1968 لم اعد اذكر تحديداً. وحتى المعارضون له الذين كانوا في الخارج وعائلاتهم في الجزائر لم يقطع عنهم رواتبهم، وكان يؤكد انه لا يحب المساس بلقمة عيشهم. * من هي الشخصيات المفضلة لديه؟ - أولاً النبي محمد ص، وايضاً سيدنا عمر بن الخطاب وصلاح الدين الايوبي ونابليون وحتى الجنرال ديغول، وكان يقول صحيح انه كان عدونا لكنه وطني ويحب بلاده وكان يحب الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ويحترمه جداً وان كان يعيب عليه عدم اهتمامه بشكل جيد بالجيش المصري، لكنه لم يكن يشكك في وطنيته. وأيضاً كان يكن احتراماً ومحبة كبيرين للملك فيصل، وتحسر جداً على اغتياله، وكان يعتبره احد المشاركين الرئيسيين في حرب 1973 من خلال معركة النفط. وكان بومدين يفخر بموقف الملك فيصل من القضية الفلسطينية، خصوصاً اعلانه انه يتمنى ان يصلي في القدسالمحتلة. * كيف تعيش شريكة بومدين الآن؟ وهل تحصلين على معاش منتظم؟ - بعد ايام من وفاة بومدين طُلب مني الخروج من الدار التي كنا نسكنها رغم إلحاحي على البقاء فيها وجعلها متحفاً ليعرف الجيل الحالي والاجيال المقبلة كيف كنا نعيش. ومنذ ذلك الوقت نُقلت الى الفيلا التي اقيم فيها حالياً وهي ملك للدولة، واحصل على معاش شهري. وبعد وفاة زوجي اخترت حياة جديدة استجابة لرغبته، وذلك بأن اهتم بالكتابة. وبذلت كل جهدي في هذا المجال، واعكف منذ مدة على تأليف كتاب عن تاريخ الجزائر. * كيف كان بومدين يتعامل مع مرضه؟ وكيف كانت الساعات الاخيرة في حياته؟ - كان يحاول ان ينسى ذلك. وأحمد الله الذي رزقني قلباً مؤمناً وأعصاباً قوية. كان بومدين مؤمناً ايماناً حقيقياً، ويترك الامور لمشيئة الله ولم يكن يخشى الموت. وقد كانت الايام والساعات الاخيرة صعبة جداً بالنسبة لي حيث بقيت الى جانبه في المستشفى منذ 18 تشرين الثاني نوفمبر حتى وفاته في 27 كانون الاول ديسمبر وكان يفصلنا حاجز زجاجي فحسب، اذ انه كان يعتبر في غيبوبة تامة. وامضيت الايام الثلاثة الاخيرة من دون اكل او نوم. وأحب ان اقول اني تحملت الحياة من بعده بمساعدة الذين أحبوه، وهم غالبية الشباب الجزائري ورغم كل المحاولات لمحوه من الذاكرة، فهو باقٍ في قلوب ابناء الشعب. انيسة منعالي بومدين - تحصلت على ليسانس الحقوق من جامعة السوربون حيث اكملت دراسة القانون بعد ان درست السنوات الثلاث الاولى في جامعة الجزائر. - عملت محامية ووكيلة للنيابة في الجزائر قبل زواجها من الرئيس الراحل هواري بومدين العام 1973. - تحصلت بعد ذلك على ليسانس الأدب العربي من جامعة الجزائر، ثم علي دبلوم عال في الدراسات الادبية والحضارة العربية من جامع السوربون. - ترجمت للفرنسية شعر الشاعرة الجاهلية الخنساء، وصدرت لها رواية "نهاية عالم" بالفرنسية، ولها ديوان شعر عنوانه "النهار والليل.