أسعار النفط تتراجع بنسبة 10% بعد إعلان ترمب فتح مضيق هرمز    رينارد يعلن رحيله عن تدريب الأخضر    أرتيتا: آرسنال لن يلعب من أجل التعادل مع مانشستر سيتي    "الأرصاد": التوقعات تشير إلى هطول أمطار على منطقة الرياض    صُنّاع الإيجابية يحتفلون بحفل معايدة مميز ضمن فعاليات معرض بيلدكس بمكة المكرمة    آل الشيخ: نعيم القلب في القرب من الله    الدوسري: الإيمان بالقضاء والقدر أصل الطمأنينة    الذهب يستقر ويتجه لتحقيق مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي    إحباط تهريب 29 كيلوغرامًا من الكوكايين في ميناء جدة الإسلامي    ليلة بهيجة في حفل زواج المهنا وآل لبده    فتح باب التسجيل في برنامج الشباب الصيفي    بعد صفقة الهلال المليارية.. خبير استثماري يتوقع قيمة النصر المالية    عبدالعزيز بن سعد يشهد حفل اعتماد حائل "مدينة صحية" من منظمة الصحة العالمية    سفير خادم الحرمين الشريفين لدى المملكة المتحدة يلتقي الطلبة المبتعثين في بريطانيا    غرفة تبوك تستضيف برنامج عطاء    روسيا تقصف شمال أوكرانيا    الشقق المخدومة ترفع الشواغر ومكة تتصدر    تراجع أسعار الذهب    إيقاف طاقم تحكيم مباراة بالدوري المصري    وقف إطلاق النار في لبنان يدخل حيز التنفيذ    جهاز ذكي لرصد ضغط الدم    رونالدو شريكاً ومستثمراً.. تفاصيل خطة بيع 70% من أسهم نادي النصر    قبل موقعة الوصل.. إدارة النصر تنهي ملف مارسيلو بروزوفيتش    القبض على مصري في مكة لارتكابه عمليات نصب واحتيال    نجاح عملية عاجلة لفصل توأم ملتصق سعودي بعد عملية جراحية دقيقة استغرقت 6 ساعات ونصفًا    نائب أمير المدينة يستعرض برامج "وقاء" لخدمة الحجاج    هدنة تنتظر التمديد تحرك باكستاني وأمريكا تصعد لهجتها    الشؤون الإسلامية في جازان تنفّذ أكثر من 300 ألف منجز خلال الربع الأول من عام 2026م    ترقب للتحركات الأمريكية بيروت بين هدنة معلقة ومفاوضات مؤجلة    تشاور أوروبي لإعادة هيكلة الناتو    نائب أمير نجران يستعرض تقرير أعمال القطاع الصحي غير الربحي بالمنطقة    جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تحتفي بإنجازات "راية البحثي" وتدشن نسخته الثانية    فرع غرفة الشرقية بالجبيل ينظم لقاءاً إستشارياً لرائدات الأعمال    سمو أمير المنطقة الشرقية يرعى تكريم 121 طالبًا وطالبة بجائزة "منافس" لعام 2025    رئيس وزراء باكستان يزور المسجد النبوي    نائب أمير منطقة مكة يرأس اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة    نادي كفاءات يشارك في ملتقى اندية القراءة الثاني        رئيس وزراء باكستان يُغادر جدة    بحث تعزيز التعامل مع الحالات الحرجة للأطفال    النصر يعبر الاتفاق ويقترب من لقب «روشن»    تذكرة بمليون جنيه.. حفل «الهضبة» يشعل مواقع التواصل    مهرجان «مالمو 16» يكرم عبد الله المحيسن    طفل بريطاني يطلق النار على رأس صديقه    «تعليم الشرقية» تنظم لقاء التجارب المتميزة    أبو الحسن وشنكار يحتفلان بعقد قران أمين    جامبا أوساكا الياباني يتأهل إلى نهائي دوري أبطال آسيا 2    انفراجة مرتقبة في الأيام المقبلة.. واشنطن ترجح اتفاقاً قريباً مع طهران    تأكيد على أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية لإعادة الاستقرار.. ولي العهد ورئيس الوزراء الباكستاني يبحثان المستجدات الإقليمية والدولية    رئيس وزراء جمهورية باكستان الإسلامية يصل إلى جدة    1.8 % معدل التضخم    اطلع على تقريره السنوي .. أمير نجران يؤكد أهمية دور التدريب التقني بالمنطقة    أمانة نجران تطرح 35 فرصة استثمارية في مواقع متعددة    أمير نجران يقدّم تعازيه في وفاة آل جيدة    المملكة تعزي تركيا في ضحايا حادث المدرسة بكهرمان مرعش    أمير الشرقية يستقبل رئيس وأعضاء جمعية رائد    «إدمان الشوكولاتة» يثير الجدل في بريطانيا    نبتة برية تحارب البكتيريا المقاومة للعلاج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحمد بن بله يتذكر . رفض بوضياف التحول آلة فقتلوه انقلاب بومدين قرار اتخذته "زمرة وجدة" 2
نشر في الحياة يوم 05 - 02 - 1996

ماذا يقول الرئيس أحمد بن بله عن رفاقه الذين شاركوه في صنع الثورة، ولا سيما منهم محمد بوضياف وحسين آيت أحمد؟ وماذا يقول عن الرئيس الراحل هواري بومدين الذي تزعم الانقلاب ضده ودفعه الى السجن، وعن الرئيس السابق الشاذلي بن جديد؟
روى بن بله قصته الطويلة مع بوضايف وحكاية الاجتماع الحاسم الذي أطلق شرارة الثورة وتوقف عند لقائه مع بوضياف الرئيس، وتصوره لأسباب اغتياله.
وتحدث بود عن علاقة الأيام الكبيرة مع حسين آيت أحمد وعن أسباب الخلاف. ورفض نبش القبور في الحديث عن بومدين، لكنه قال ان الانقلاب كان من صنع "زمرة وجدة" وان بومدين كان على الأقل يعرف بضلوع بعض المحيطين به في الفساد. وهنا نص الحلقة الثانية:
الرئيس الراحل محمد بوضياف من الاسماء التاريخية في الثورة الجزائرية ماذا تذكر عن علاقتك معه؟
- اتذكر علاقة الأيام الكبيرة، أيام الاعداد للثورة وانجازها. سأروي لك حادثة تعبر عن شخصية الرجل. انطلاق الثورة كان مصادفة. قبض عليّ وقبض على محساس أحد صانعي الثورة. كان بوضياف خارج السجن لكنه توارى. ولم تكن قيادة الحزب حزب الشعب تؤيد إنطلاقة العمل المسلح ووزعتنا في انحاء مختلفة لئلا نلتقي وحلت الجهاز الخاص الذي كنت اشرف عليه.
هربت ومحساس من السجن وفرقونا. مشى محساس الى فرنسا ومشيت أنا إلىها أيضاً في الطريق الى اندونيسيا. ذات ليلة، وكنت اخرج في الظلام لأن صوري معلقة على الجدران، التقيت محساس في باريس وجهاً لوجه. قال لي يجب ان نرى بوضياف. كان ذلك في 1953. اجتمعنا في مون روج مع بوضياف. عملنا لمدة ثلاثة أيام وقررنا اعادة الجهاز الخاص ووضعنا اللمسات لانطلاق الثورة. من نكلف مسؤولية الجهاز؟ أنا غير ممكن لأنني ذاهب الى اندونيسيا. طرحت اسم بوضياف، تحفظ محساس قليلاً. لانه اعلى منه في التراتبية وأقدم، لكنه وافق في النهاية.
قلت لهم سأتوقف في القاهرة وسأتصل بمجلس قيادة الثورة المصري. ذهبت ولم أكن اتكلم العربية بشكل مقبول وكنت أحتاج الى مترجم، ولكن فور لقائي مع عبدالناصر حصل التفاهم. اقنعته بأن الثورة آتية في الجزائر وتحتاج الى دعمكم. لم يكونوا على علم بوجود الجهاز الخاص. وهكذا بدأت علاقات الاخوة بيني وبين عبدالناصر.
كانت قيادة حزب الشعب تعارض عملنا، وكان الاحول حسين في القيادة وكذلك بن خدة الذي تولى رئاسة الحكومة الموقتة بعد فرحات عباس. وقف هؤلاء ضد العمل العسكري، ولكن يجب ان نعترف لهم بمزايا عظيمة مثل النظافة وغيرها. شنت قيادة الحزب حملة لتدمير الجهاز وتولت الاتصال بالمناضلين لاقناعهم بعدم السير معنا. وعرف بوضياف بأن القيادة تنوي التوجه الى صومعة حيث كان لدينا المركز الرئيسي للمتفجرات. وأراد تحويل زيارة القيادة الى فرصة للنقاش لئلا يكون رأيها الوحيد المطروح. حصل نقاش بين الاحول حسين وبوضياف تغلبت خلاله آراء القيادة. انفعل بوضياف وقال كلمة تاريخية: "والله سنفجرها ولو بواسطة قردة شيفا". وكان يقصد ان الثورة ستنطلق واذا غاب الرجال سنستعين بالقردة الموجودين في منطقة شيفا.
دور بوضياف
ماذا كان دور بوضياف؟
- كان دوره في البداية مهماً جداً. توجه الى الجزائر واجرى اتصالات وجمع الصفوف المبعثرة والتقى مجموعة ال 22، اي مسيري الجهاز السري الذي كنت اشرف عليه وقرروا اطلاق الثورة. كنت من حين الى آخر اذهب الى سويسرا باسم مستعار وأرى هذه القيادات واخطط معها.
انطلقت الثورة في أول نوفمبر تشرين الثاني 1954. وكان قبل نحو شهرين عقد آخر لقاء ضمني وبوضياف وديدوش مراد الذي قتل بعد شهر ونصف شهر من انطلاق الثورة وهو من اعظم رجالاتها. ووضعت اللمسات الأخيرة في هذا الاجتماع الثلاثي في سويسرا، واخترنا فيه اسم جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير وكانت اجتماعات مع القيادة الموسعة سبقته ايضاً في سويسرا.
كان بوضياف للأسف مريضاً ولم يقل لي. ولو عرفنا بحالته الصحية لما عيناه منسقاً داخل الجزائر. قبل ثلاثة أيام من اندلاع الثورة فاجأني بالقول انه مريض بالسل وكان ضعيفاً وشاحباً وعولج لاحقاً من هذا المرض في أحد مستشفيات مدريد. وهكذا بين 1954 و1956 كان خارج الجزائر بسبب مرضه.
من قاد الثورة داخل الجزائر؟
- كان هناك تنظيم بشرف على المناطق، وقادتها ينسقون معنا في الخارج. من ابرز هؤلاء القادة مصطفى بن بولعيد وكان مسؤولاً في منطقة الاوراس حيث تركز ثقل الثورة في سنتها الأولى. وقبل انتهاء السنة الأولى انطلقت الثورة شمال قسنطينة، وبعد شهرين انطلقنا - بتنسيق عسكري مع الاخوة في المغرب - في كل المنطقة الغربية وفي المغرب ايضاً. وأدت عملية 2 اكتوبر تشرين الأول 1955 الى رجوع الملك محمد الخامس من مدغشقر. ووافق الحبيب بورقيبة على حكم ذاتي منقوص خلافاً للاتفاق الذي كان عقد بيننا في القاهرة، اي بين الثورة الجزائرية وعلال الفاسي والثورة التونسية التي كان يمثلها المرحوم صالح بن يوسف. كان الاتفاق ينص على ان لا يقبل اي من البلدان الثلاثة بأي حل يقل عن استقلال هذه البلدان. وقبل بورقيبة بعد اطلاقه بالتفاوض مع الفرنسيين ووافق على حكم ذاتي فدخل صالح بن يوسف المعارضة. خافت فرنسا من انتشار الثورة فسمحت له بالعودة واعطت المغرب استقلالاً كاملاً غير منقوص.
قصة الخلاف
عدت وبوضياف الى الجزائر، ماذا كان موقعه الفعلي؟
- كانت المعركة الاساسية الربط مع المشرق العربي. على مدى ثلاث سنوات تم تناسي القاهرة، واقتصرت على المغرب وتونس حيث دخلت في اشياء محلية وادارت ظهرها للمشرق العربي. للاسف لم يكن بوضياف الى جانبي، كان مع آيت احمد والحكومة الموقتة. ظهر الخلاف لدى خروجنا من السجن وقبل عودتنا الى الجزائر. كنت مع خيضر ورابح بيطاط في خط الربط مع القاهرة، وكان آيت أحمد وبوضياف مع الحكومة الموقتة. فكرنا نحن الثلاثة في ضرورة حل المشكلة داخل المجلس الوطني للثورة قبل دخولنا الى الجزائر تحاشياً لنقل الصراع الى داخل البلاد. استطعنا التوجه الى طرابلس وشاركت المناطق العسكرية الجزائرية الست وكان لكل واحدة منها خمسة أصوات. أيد 27 صوتاً من اصل 30 موقفي لجهة تكوين قيادة من سبعة اشخاص بينهم آيت أحمد وبوضياف ولكن حصلت مناورات، وبحث آيت أحمد وبوضياف عن ذريعة وتوجها الى تونس بحجة ان ثلاثة من البارزين انسحبوا، وكانا يقصدان نفسيهما ومعهما بن خدة، واقترحوا ارجاء القرار الى ما بعد العودة الى الجزائر. قررنا نحن الذين بقينا في طرابلس ان ندخل الجزائر ونعقد اجتماعاً في تلمسان وان تأخذ المقررات التي اتخذت في طرابلس طريقها الى التنفيذ.
هكذا انتهت الازمة من دون طلقة واحدة. ادخلنا آيت أحمد وبوضياف في القيادة المؤلفة من سبعة. ولم يشارك آيت أحمد في اي اجتماع فيما شارك بوضياف مرة واحدة وانسحب. كانت لدينا مشكلة في الولايات وهي ضرورة تسليم السلاح الى الجيش وقد فسحت.
لكن بوضياف دخل السجن في عهدك؟
- وضع قيد الاقامة الجبرية لبضعة اسابيع بعد قيامه بأعمال تشويش وسافر الى الخارج واستقر في المغرب.
ماذا قال بوضياف؟
ومتى التقيت بوضياف مجدداً؟
- بعدما ذهبوا واقنعوه بعد 26 عاماً بالعودة. التقيته اثر عودته الى الجزائر وتوليه الرئاسة. طلب ان يراني فذهبت اليه.
كيف كان اللقاء؟
- اتصل رجل من مكتبه وقال لي الرئيس يريد ان يراك فقلت أنا مستعد. ذهبت وكان التلفزيون حاضراً. تصافحنا وتعانقنا بحرارة. بيني وبينه وبين آيت أحمد علاقة أخوة ولو رافقتها اختلافات. حين دخلنا جاء سكرتيره لتسجيل الحديث فقلت لبوضياف: "محمد قل للرجل ان يمشي لانني أريد ان اكلمك كلام القلب" فصرف السكرتير.
قال: "أحمد يجب ان نتعاون"، فأجبت: "أنا مستعد ان اعاونك ولكن كيف ومن اجل ماذا؟ هل اعاونك من اجل ان تستمر في الدم مع الزمرة المحيطة بك؟ هكذا لا استطيع. اما اذا كنت جئت للابتعاد عن الدم واعادة الجزائر الى بر الامان فأنا مستعد". قال: "يجب ان يرجع الأمن". فأجبته: "الأمن لمصلحة من؟ لمصلحة الشعب أم لمصلحة زمرة العسكريين التي جاءت بك ودفعت البلاد الى الخراب؟". فقال: "أنا افهم ذلك لكنني احتاج الى وقت. أنا لست مع الخراب ولكن يلزمني وقت. ضروري ان يرجع الأمن". اجبته: "لست معك في ذلك، فالقرار الحقيقي في يدهم وسيستخدمونك لبعض الوقت ثم تصبح أسير وضعك". قال: "يا أحمد أنا اعاهدك على ان امشي في الاصلاح وان افرض الخطة التي اعتقدها ملائمة وأنا احتاج اليك. بودي ان تشاركني في الاتصالات مع الاحزاب لأنها مترددة". اجبته: "أنا سأساعدك بسكوتي".
والواقع انني ذهبت الى لقاءات مع الاحزاب وسكت وتدخلت في النهاية لتبرير الاجواء ونصحت باعطائه فرصة. اتفقنا بعد ذلك اللقاء على ان نلتقي ثانية. لم يتصل بوضياف وأنا من عادتي ان لا اتصل فاذا اتصلوا وارادوا سماع رأيي لا اتردد والا فأنا لا اتصل لئلا اثقل عليهم.
المرة الثانية التي شاهدت فيها بوضياف كان ممداً في النعش ومررت للانحناء تحية لذكراه.
من قتل بوضياف؟
- الذين جاؤوا به. هذا رأيي وهذا رأي الشعب. هم وراء مقتله بطريقة أو بأخرى. الذين جاؤوا ببوضياف هم الذين قتلوه. بوضياف مثلي ومثل آخرين، لديه مزايا ولديه اخطاء. لكنه في النهاية رجل عظيم وليس من جماعة الرشاوى والفساد. في اليوم الذي ادرك حجم تراكمات الفساد واراد ان يتصرف ضربوه. وكان هذا الامر متوقعاً.
هل لمح بوضياف الى خوفه من الجيش؟
- لا، بوضياف ليس من النوع الذي يخاف.
لماذا قتلوه تحديداً؟
- لانه لم يبد استعداداً للتحول آلة في يدهم. شعروا بأنه يمشي في خط غير الذي يريدونه فأزاحوه.
خلافك مع حسين آيت أحمد قديم؟
- اختلفت معه على قضية الامازيغية. هو لديه رؤية وأنا لدي رؤية اخرى. نحن من أصل امازيغي لكننا تعربنا منذ 13 قرناً ونعتبر اللغة العربية اساسية. أنا مع الامازيغية ولكن من دون اي تناقض لها مع العروبة والاسلام ومن دون ان تكون مساوية لهما. مع اعتقادي انه يجب اخذها في الاعتبار. شعرت بأن الامازيغية لدى آيت أحمد هي اكثر من ذلك فتباينت مواقفنا.
متى تعرفت اليه؟
- من البداية، في الحزب. حصلت أزمة داخل الحزب بسبب العروبة والتشديد عليها وقصة الامازيغية وحدودها. يبقى ان آيت أحمد رجل عظيم، واحد من رجال نوفمبر، انه من دمي ولحمي فقد عشنا معاً اشياء عظيمة في التحضير للثورة وفي السجون وفي الثورة. الحنين يحتفظ ببريقه حتى ولو اختلفت المواقف.
كيف هي علاقتكما اليوم؟
- كويسه، شاركنا معاً في الارضية المشتركة في روما. نحن نتكلم كأخوان.
محساس المظلوم
من بقي من القيادات التاريخية للثورة؟
- هناك أحمد محساس الذي لم ينصفه التاريخ. كان محساس مسؤولاً عن بوضياف في الحزب. محساس من مؤسسي الثورة الجزائرية، شارك معي وزيراً للزراعة. سأروي لك قصة طريفة: كنا معاً في السجن في بليدة في أيام صعبة جداً وفي سجن صعب. صعدت الى السطح وكان عليّ ان اسعفه في الصعود من دون الانحناء كثيراً بسبب وجود خط كهربائي. حاول مرتين ان يصل الى يدي لكنه فشل. عندها قال لي: "اذهب انت يا أحمد". ولم يكن وارداً بالنسبة إلي الذهاب بمفردي. ولم أجد أفضل من استفزازه لمساعدته وهكذا شتمته فاستفزته الشتيمة ومد يده فوصلت الى يدي وساعدته على التسلق وغادرنا المكان. كان ذلك عام 1952.
ذهبت مع محساس بعد فرارنا الى منزل رفيق مناضل في الريف في منطقة بليدة واختبأنا هناك. كانت زوجة صاحب المنزل حاملاً ووضعت قبل اوانها. وتقضي التقاليد بإقامة حفلة في اليوم السابع بعد ولادة الطفل. وتعني الحفلة مجيء عشرات او مئات الاشخاص ونحن نريد ابقاء وجودنا سرياً لأن الشرطة الفرنسية لم تكن بعيدة. وفي النهاية لم نعثر على مكان للاختفاء سوى المكان الذي اعده صاحب المنزل لكلبه خارج البيت وهو اشبه بكوخ صغير. واستلزمت محاولتنا الدخول الى الكوخ اعداداً دام خمسة أيام. لو بقينا في المنزل لاقترب الاولاد واكتشفوا مكاننا اما الاقامة مع الكلب الشرس فقد حالت دون اقتراب الاولاد ودون افتضاح امرنا. ولكن في اليوم السابع كان محساس يسعل وأنا اغلق فمه بالوسادة لئلا يتنبه المحتفلون الى وجودنا. وكنت من مقر اقامتنا هذا اسمع حديث النساء وواحدة منهن كانت تقول: "لن يستطيعوا الامساك ببن بله أبداً، معه خاتم سيدنا سليمان".
بومدين طالب في الازهر
متى تعرفت إلى الرئيس الراحل هواري بومدين؟
- تعرفت إليه في القاهرة. كنت احضر للثورة مع اخوان آخرين وكان بومدين طالباً في الازهر. كنت، بعد اندلاع الثورة في تشرين الثاني نوفمبر 1954 اتصل به وببعض الطلبة الجزائريين الموجودين في القاهرة واحضهم على العودة الى البلاد اذ كنا نحتاج الى كوادر متعلمة.
كيف كانت شخصيته حين تعرفت إليه؟
- بومدين شخص لديه مواهب، وحساس تجاه القضية الوطنية.
متى عاد الى الجزائر؟
- عاد بعد تدريب بسيط في عين شمس لمدة شهر تقريباً. عاد في باخرة الملكة دينا. استخدمنا هذه الباخرة لأنها قادرة على قطع مسافة 2500 كيلومتر ولأننا كنا نريد ايصال السلاح الى المنطقة الاسبانية وليس الى الشرق الجزائري. نقلنا سلاحاً في المركب وبضعة رجال بينهم بومدين. اعتقد بأن ذلك كان في آذار مارس 1955.
ماذا فعل بعد عودته؟
- كانت لدينا آنذاك قيادة في تونس وأخرى في المغرب. التحق بالجماعة التي كانت في وجدة. اعتقد انه دخل الأراضي الجزائرية مرة واحدة لمدة اشهر فقط وعاد الى وجدة.
لماذا صعد في السلم العسكري؟
- صعد بسبب استمرار الثورة والاحداث التي أدت الى سحق معظم الكوادر. حدثت كارثة للكوادر. على مدى سبع سنوات ونصف سنة قتل مليون ونصف مليون جزائري. استنزفت المواجهة الكثير من الكوادر وكان لا بد من العثور على بدائل. هكذا تدرج بومدين. وفي الحقيقة كانت لديه المواهب اللازمة لقائد عسكري.
هل كانت بينكما علاقة حين كان في وجدة؟
- لم تكن لديّ علاقات مباشرة معه فهو لم يكن بارزاً في تلك المرحلة. كانت لديّ علاقة مع بوصوف.
ماذا كان اسمك الحركي خلال الحرب؟
- كانت لديّ اسماء كثيرة بينها مزياني مسعود. كان لديّ نحو 20 اسماً وجوازات سفر عدة أغيّرها باستمرار. كنت اذهب الى اسبانيا والريف الاسباني وطرابلس التي كانت حبل الوريد فكل السلاح الذي كان يأتي من الشرق كان يمر عبرها. كل سلاحنا جاء من الشرق، نحن لم نحصل على قطعة سلاح واحدة من الاتحاد السوفياتي أو الصين او العالم الاشتراكي. سلاحنا جاءنا من العرب. في البداية لم يعترف الاتحاد السوفياتي بالحكومة الموقتة، اعترف بها لاحقاً.
من ساعدكم من العرب؟
- كلهم، هناك من ساعدنا بأموال لكن مصر كانت في الطليعة وكانت المساعدات بواسطتها.
صعود بومدين
أعود الى السؤال كيف صعد بومدين؟
- كان بومدين يتعاون مع بوصوف المسؤول العسكري وراح يتدرج. في وقت ما كان لا بد من ان يكون لدينا أركان وصار بومدين من بينهم، وكان يوم الاستقلال وصل الى مستوى رئيس أركان جيش التحرير الوطني.
في تلك المرحلة حصل نزاع بين الخارج والداخل؟
- حصلت نزاعات وليس مجرد نزاع.
أين وقف بومدين؟
- انا كنت في السجن. ففي 1956 اقتاد الفرنسيون الطائرة التي كنت فيها مع بوضياف وآيت احمد وبيطاط وخيضر. كنا في رحلة من الرباط الى تونس. وكانت المفاوضات مع الفرنسيين قد حققت تقدماً واعتبرنا ان علينا قبل اتخاذ قرار نهائي مشاورة حلفائنا اي مصر وتونس والمغرب، تونس والمغرب بسبب موقعهما ومصر كونها الحليف الأساسي للثورة الجزائرية. كنا ننوي عقد اجتماع في تونس لكن الجيش الفرنسي خطف الطائرة. حصل ذلك في 22 تشرين الأول اكتوبر وفي 29 من الشهر نفسه حصل العدوان الثلاثي.
اذا وضعت الحادث في اطاره التاريخي يتبين لك ان الغرض كان ضرب الثورة الجزائرية وضرب عبدالناصر. طبعاً كان دور عبدالناصر كبيراً فهو كان محركاً لكن الثورة الجزائرية صنعت من الداخل وانطلقت من الداخل. انها قرار جزائري محض. الثورة كانت من صنع جزائري ولم تكن بنت ساعتها. هناك تراكمات بدأت من 1926. هناك كلام كثير ان الثورة الجزائرية صنعت في القاهرة ودبّرت في القاهرة. هذا الكلام غير صحيح. الثورة وليدة العبقرية الجزائرية وعبدالناصر كان حليفاً كبيراً لها.
حادث الطائرة كان اذاً جزءاً من استراتيجية لضرب الثورة الجزائرية عن طريق خطف قادتها وضرب حليفهم عبدالناصر. هذا ما قاله لي قائد الجيش الفرنسي بعد اعتقالنا. اقتيدت الطائرة الى الجزائر ونقلنا لاحقاً الى فرنسا. قال لي اكثر من ضابط كبير اذا كنتم تريدون حلاً عليكم التحاور معنا كجيش. وبدا واضحاً انهم كانوا يريدون قطع الطريق على أي حل يتم التوصل اليه مع الحكومة الفرنسية. وهكذا بقيت في السجن ست سنوات. في هذه الاثناء تشكلت قيادة وكذلك حكومة موقتة وكنت نائباً لرئيسها فرحات عباس وكان القادة الذين اعتقلوا معي وزراء فيها.
أمر بالقتل
اعود الى الصراع بين الداخل والخارج...
- كاد القتال ان يقع بين الفريقين لكن ذلك لم يحصل. ما حدث شبيه بما يحدث في أي ثورة. كانت الثورة بوضوح عربية - اسلامية ولديها رابط عضوي بالثورة المصرية. في وقت معين حصل انحراف وتجلى في مؤتمر صومام في 1956. رأس المؤتمر رجل اسمه عبّان، وقد قتل بقرار من القيادة. كان عبّان آنذاك الرجل القوي في الثورة وجاء بأفكار فرنكوفونية وأمازيغية وأعطى للثورة مساراً غير ذاك الذي يحافظ على الروابط الوثيقة مع العالم العربي، قتل بعد عامين بقرار من بعض العناصر البارزة في القيادة. قد يكون القتل تم بصورة شنيعة لكنه تم بقرار. مثلاً لم تكن في الوثيقة في مؤتمر صومام اي كلمة عن العرب أو عن الهوية الاسلامية. بدأ المؤتمر قبل دخولي السجن بنحو شهرين. عقد في آب اغسطس. كان يجب ان احضر وكنت في القاهرة لكن عبان عمل لئلا تحضر المجموعة الموجودة في القاهرة. هكذا خرج مؤتمر صومام على الهوية العربية - الاسلامية وأنذر بحدوث شرخ في الثورة على رغم ان القبض علينا سلط الاضواء على قضية اخرى، لكن المسألة انفجرت وقتل عبان.
هل لعب بومدين دوراً في قتل عبان؟
- لا لم يكن بعد في موقع القيادة. الدور الأساسي في قتل عبان لعبه بوصوف.
في 1962 انتصرت الثورة؟
- نعم وانتصر الخط العروبي وكادت ان تقع صدامات. انتصرت الثورة بعد استفتاء نظمته فرنسا وطالب 90 في المئة من المواطنين بالاستقلال.
كيف كانت علاقتك مع بومدين في الأيام الأولى؟
- جيدة.
يقال انه كان رجلاً قاسياً وصارماً لا يضحك؟
- كان رجلاً قاسياً وغير منفتح لكنه كان رجلاً قيادياً. لا أريد الخوض اكثر في الموضوع الشخصي. اذكروا حسنات موتاكم. انا انتخبت رئيساً وكنت مرشحاً وحيداً من قبل الجبهة.
ألم يحاول احد ان ينافسك؟
- لا، كانت المبايعة كاملة والشعب في حالة بهجة وزغاريد.
كيف كانت نتيجتك في الانتخابات؟
- اكثر من 90 في المئة.
والتأييد لك في المناطق البربرية؟
- حصلت على غالبية لكنها كانت أقل مما حصلت عليه في مناطق اخرى.
صرت رئيساً وبومدين وزيراً للدفاع، كيف كانت العلاقة بينكما؟
- في البداية كانت كويسة.
"انقلاب" بومدين
ما الذي دفع بومدين في رأيك الى العملية الانقلابية ضدك؟
- يمكن ان نلخص ذلك على الشكل الآتي: انا لم اعتبر ان الجيش هو الأساس في الثورة الجزائرية، اعتبرت ان جبهة التحرير الوطني هي الأساس. بومدين اعتبر ان الجيش هو الأساس. لم يصرح بذلك لكن ممارساته كانت تصب في هذا الاتجاه. وهناك مسألة السلوك الشخصي انا لا أقر مثلاً بتسليم مواقع قرار لمن يتعاطى الزنى او الخمر او انحرافات اخرى.
هل يمكننا العودة الى تلك الليلة التي اخرجت فيها من الحكم الى السجن؟
- حصلت الحركة قبل يومين من انعقاد المؤتمر الافرو - آسيوي في الجزائر اي انها حصلت في 19 حزيران يونيو 1965 وقبل ما كان يشكل باندونغ الثاني. وبفعل الانقلاب العسكري لم ينعقد المؤتمر الذي كنا نحضّر له منذ شهور على امل ان ينتهي بتصور لنظام عالمي جديد يأخذ في الاعتبار مصالح الدول النامية.
كنت في منزلي وجاؤوا في الساعة الثانية فجراً. كانت القوة بقيادة الكولونيل الطاهر الزبيري. ابلغوني ان الجيش استولى على السلطة وسيلغي كل المؤسسات. اخذوني الى وزارة الدفاع ثم الى مقر الشرطة وبعدها الى بليدة حيث احتجزت داخل مقر وحدة تابعة للجيش. بقيت 15 سنة هناك.
لم يحدث أي تبادل للرسائل بينك وبين بومدين؟
- ابداً. انا قررت ان لا اكتب اليه وأن لا أكلمه او اطلب منه شيئاً.
القرار للزمرة
هل سبق الحركة العسكرية صدام شخصي بينك وبين بومدين؟
- لا. حصلت مناقشات لكنها لم تتطور الى خلافات حادة ذات طابع شخصي. كانت العلاقات عادية. انا لا استخدم الألفاظ القاسية في التحدث الى الآخرين وبالتالي لا اسمح باستخدامها في مخاطبتي او مخاطبة الآخرين.
هل كان لديك شكوك في ان وزير دفاعك يحضر انقلاباً؟
- الحقيقة ان قرار الانقلاب لم يتخذه بومدين بل اتخذته الحاشية ودفعته الى الواجهة في التنفيذ. القرار اتخذه بوتفليقة وأفراد الحاشية. نحن نسميهم زمرة وجدة، بوتفليقة ومدغري وشريف بلقاسم وغيرهم. عرفت لاحقاً ان المبادرة لم تأت من بومدين بل من الزمرة التي اتخذت القرار وكان بومدين مظلة لهذا القرار. ليس من طبعه المبادرة.
ما هو ابرز شيء في طباع بومدين؟
- رجل تكوّن في الجيش.
هل هو شجاع فعلاً؟
- الشجاعة قاسم مشترك بين الجزائريين رجالاً ونساء.
وما هي النقاط السيئة في شخصيته؟
- ابرز عيوبه هو تكوين الزمرة التي التفت حوله. رجل الثورة يجب الا يقبل بأسلوب الزمرة. ثم ان هذه الزمرة يمكن ان تخمر وتزني وأن ترتكب تجاوزات.
هل تلمح الى سلوكه الشخصي؟
- لا أريد التكلم على الموتى. انا شخصياً لا أحب نبش القبور. دعني اكتفي بالقول ان سلوكيات بعض اعضاء الزمرة لم تكن تتماشى مع مبادئ ثورة عظيمة كالثورة الجزائرية ومع تقاليد شعبنا.
هل نفهم انه كان على علم بالفساد؟
- كان يعيش مع هؤلاء. على الأقل كان يعرف بوجود الفساد وضلوع من حوله. لا يمكن الا يكون مطلعاً وأنا لا أريد الكلام عنه شخصياً. مع ذلك نقول ان بومدين عمل كثيراً في الثورة وفي الجيش وفي نظام الجيش وكان له فضل كبير، وكان رجلاً وطنياً.
بن جديد ليس مؤهلاً
والشاذلي بن جديد؟
- لا أعرفه كثيراً.
لكن الفساد زاد في عهده.
- لم يستمر فقط بل بلغ حدوداً قياسية.
هل تعتبر انه كون زمرة حوله؟
- كون جهازاً حوله. شاع الفساد في البلاد لكن الحقيقة هي ان الفساد بدأ في عهد بومدين.
من جاء بالشاذلي بن جديد الى السلطة؟
- جاؤوا بالشاذلي بن جديد كتسوية بعدما تعذر الاتفاق على احد المتنافسين الآخرين الذين كان بوتفليقة بينهم. حصل توتر وتجاذب وكاد ان يؤدي الى فتنة واقتتال فلعب قاصدي مرباح المسؤول عن الأمن العسكري - وهو جهاز قوي كان يتحكم بالبلاد - دوراً كبيراً في ترشيح الشاذلي وضمان وصوله. جاء الشاذلي كحل وسط.
هل تعتبر الشاذلي بن جديد ضعيفاً؟
- لا أقول ضعيفاً لكنني اعتقد بأنه ليس مؤهل لتولي أرفع منصب في البلاد.
لماذا أزيح الشاذلي؟
- ازيح عندما ظهر الخطأ الفادح في حساباته بالنسبة الى الانتخابات التي اسفرت عن فوز التيار الاسلامي. اختار كبار الضباط ازاحته، اي خالد نزار الذي كان وزيراً للدفاع ومعه مجموعة اخرى.
لم يحدث لقاء بينك وبين الرئيس السابق الشاذلي بن جديد؟
- التقيته يوم كان قائدا لمنطقة عسكرية قبل الانقلاب الذي نفذه بومدين. كان قائداً للمنطقة الغربية وفيها مسقط رأسي مغنية. كنت أزور المنطقة لأرى امي فأراه احياناً.
ألم يكن شريكاً في حركة بومدين؟
- لا، لم يكن له ضلع أساسي فيها لا بل كان متردداً.
الأسبوع المقبل: الحلقة الثالثة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.