استقرار أسعار الذهب    رابطة العالم الإسلامي تُرحّب باعتماد مجلس حقوق الإنسان بالإجماع قرارًا يُدين الاعتداءات الإيرانية على الدول الخليجية والأردن    سقوط شظايا صاروخ على سطح منزلين ولا إصابات    ذكرى البيعة عهدٌ يتجدد    سلام هي حتى مطلع الفجر    ولاة الأمر.. حضور إنساني    وزير الدفاع يتلقى اتصالًا من وزير الدفاع المجري    رينارد يستدعي السويلم    قرعة نخبة آسيا تضع الأهلي في طريق الهلال    ربيع الرياض    تحذيرات متكررة.. ومغامرة مستمرة    أنغام تفتح تاريخها الفني في ليلة طربية مرتقبة    العيد في السعودية.. حكاية طمأنينة    نجاح عملية سحب قولون طفل بتقنية «سونسن»    سيكولوجية الحروب    الأمم المتحدة: الهجمات الإيرانية على المدنيين في الخليج ترقى إلى جرائم حرب    سوسيولوجيا «العيد» في الفن    العولمة كدوّامة بصرية    انخفاض أسعار النفط على خلفية الخطة الأميركية لإنهاء الحرب    المملكة تؤكد أهمية استمرارية العمليات التشغيلية البحرية    اليمامة الصحفية تقيم حفل معايدة لمنسوبيها بمناسبة عيد الفطر    كلاسيكو البرازيل وفرنسا أبرز الوديات الدولية    كتب التاريخ خلال 9 أعوام ودون اسمه في قائمة الأساطير.. صلاح ينهي مشواره مع ليفربول بإرث لا ينسى    أمير تبوك يواسي أبناء الشيخ علي زيدان البلوي بوفاة والدهم    14.8 مليار ريال تسوق أسبوع    تفاقم مخاطر الانفجار الإقليمي.. تحذير أممي: ضربات المنشآت النووية تنذر ب«كارثة مطلقة»    أسرة محرق تتلقى التعازي    الأرصاد تحذر من شواهق مائية وأعاصير قمعية    طرحت برامج نوعية في مجالات صحية متقدمة.. «كاساو» تفتح باب القبول للدراسات العليا    قتلى وجرحى وتوتر حول وقف النار.. قصف الاحتلال مستمر على غزة    مفتو العالم الإسلامي: العدوان الإيراني إجرام غير مسبوق    غواصات وعوامات للرصد اللحظي حتى 12 ميلاً.. تقنيات متقدمة لمراقبة سواحل السعودية وحماية البيئة    تعدي عليها.. حبس شقيق شيرين عبد الوهاب    الاكتفاء بموافقة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني.. توحيد إصدار تراخيص التعليم الإلكتروني الخاص    بتنظيم وزارة الثقافة ..الرياض تستضيف مهرجان الفنون التقليدية 2026    161 ترخيصًا و 1419 وظيفة.. 3.14 مليار ريال استثمارات صناعية جديدة    ذكريات العيد في مجلس البسام    في ملحق تصفيات أوروبا لكأس العالم.. إيطاليا تتشبث بالأمل في مواجهة أيرلندا الشمالية    مختص: قياس الضغط المنزلي أدق من قراءة العيادة    شاشة الهاتف تسرع ظهور الشيب والتجاعيد    نائب أمير نجران يعايد منسوبي إمارة المنطقة    على ضفاف المجاز.. شعراء صبيا يحيون اليوم العالمي للشعر في أمسية أدبية استثنائية    فعالية "عيد وسعادة" تُبهج أهالي الجبيل في أجواء احتفالية مميزة    الصمعاني: تعزيز كفاءة الأداء لتطوير المنظومة العدلية    تحديد مواعيد زيارة مجمع طباعة المصحف    تمديد تأشيرات الزيارة والعمرة المنتهية وتمكين المغادرة دون غرامات    حالة مطرية شديدة تضرب دول خليجية نهاية الأسبوع مع صواعق قوية وبرديات    الأمم المتحدة: هجمات إيران على المدنيين في الخليج والأردن ترقى إلى جرائم حرب    سمو وزير الخارجية يجري مباحثات مع نظيريه في مصر وسوريا    "إفتاء عسير " يهنئ عضو هيئة كبار العلماء بعيد الفطر المبارك    لقاء معايدة لمنسوبي المنظومة الصحية بمنطقة عسير    الدفاع المدني: سقوط شظايا اعتراض صاروخ باليستي على سطح منزلين بالمنطقة الشرقية ولا إصابات    السعودية تؤكد أهمية استمرارية العمليات التشغيلية البحرية وسلامة البحارة    بحثا تطورات الأوضاع وتداعياتها على مختلف الأصعدة.. وزير الدفاع ووزيرة القوات المسلحة الفرنسية يستعرضان التعاون الدفاعي    العيش في حي متطور يحمي من السكتة الدماغية    الاتحاد الخليجي يعتمد نظام التجمع لنصف نهائي ونهائي دوري أبطال الخليج 2026    «الإسلامية»: تقديم 2.3 مليون خدمة دعوية للمعتمرين    معايدة الأسر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"بلاد الشمس المشرقة" تجاوزت السنوات العجاف . اليابان : المارد يتطلع الى المستقبل
نشر في الحياة يوم 25 - 11 - 1996

لم تحمل الانتخابات العامة في اليابان أي جديد، على رغم ان التوقعات كانت كبيرة في أن تشكل الفرصة الذهبية التي تنتظرها أكثرية المجتمع الياباني للتعبير عن سخطها وسقمها مما آلت اليه الأوضاع على يد القوى السياسية "التقليدية"، والتصويت بالتالي لمصلحة "التغيير" والقوى الجديدة.
لكن جاءت نتائج الاقتراع مغايرة لتلك التوقعات الطموحة، اذ كرست من جديد مواقع "التقليديين" وبرهنت ان المجتمع الياباني لا يزال متمسكا بالأولوية نفسها التي طالما حكمت توجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي تحديداً المحافظة على الاستمرارية والاستقرار وتجنب المجازفة بتغييرات جذرية قد تعرض الوضع القائم في البلاد الى هزات غير مضمونة العواقب. وفوق ذلك ربما اثبتت الانتخابات الأخيرة صحة الاقتناع السائد وهو ان "بلاد الشمس المشرقة"، كما يحلو لليابانيين تسميتها، تظل أحجية معقدة يصعب على المراقب الخارجي فهمهامهما بلغت درجة اطلاعه على أوضاعها .
المعجزة اليابانية
والواقع ان المجتمع الياباني، سياسة وثقافة وحركة يومية، يظل تعبيرا محيرا عن هذا الخليط العجيب والمدهش من الانفتاح والانغلاق، ومن التحرر والمحافظة، ومن الحداثة العصرية والتقاليد التاريخية، ومن التفاعل مع العالم الخارجي والتمسك بالخصوصية الذاتية في آن معاً. وقد يكون التوصل الى فهم هذا الخليط وطريقة تمكن اليابانيين من التعايش معه المدخل الأفضل لفهم اليابان ومكوناتها، والتفسير الوحيد لأسباب "المعجزة اليابانية".
لقد باتت "المعجزة اليابانية" معروفة جيداً من خلال النجاحات التي حققتها. ويكفي انها نقلت هذه البلاد في أقل من عقدين من الزمن، خلال الخمسينات والستينات، من هزيمة الحرب العالمية الثانية وما ترتب عليها من خسائر ودمار شامل، الى القوة الاقتصادية العالمية الثانية بعد الولايات المتحدة، والمارد المالي والتجاري والتكنولوجي الذي دفع الأميركيين أنفسهم الى الشعور بالخطر حيال التهديد الذي يمثله على أسواقهم ومستقبل ازدهارهم. و"الحرب التجارية" التي شعرت واشنطن بضرورة خوضها مع اليابان لم تكن الا واحدة من حروب مماثلة اضطرت جميع الدول الصناعية الرئيسية الأخرى في العالم الى خوضها لحماية صناعاتها وتجارتها وأسواقها من هذا "الغزو الياباني الداهم". فما عجز اليابانيون عن تحقيقه حرباً في الثلاثينات والأربعينات، نجحوا فيه بجدارة سلماً اعتباراً من الستينات والسبعينات، الى أن وصلت بلادهم الى ما وصلت اليه كعملاق صناعي وتجاري ومالي وكرائدة للتكنولوجيا المتقدمة في العالم على مشارف القرن الواحد والعشرين.
لكن تحقيق هذا النجاح الخارق لم يكن سهلاً. فاليابانيون لا يزالون يتحدثون بكثير من الافتخار الهادئ عن "السنوات الصعبة"، التي يقصدون بها الفترة التي مرت بها بلادهم بعد الحرب العالمية الثانية وكانت فيها تحت الوصاية والبعض يقول الاستعمار الأميركية المباشرة. ويذكّر اليابانيون في أحاديثهم عن تلك الفترة، التي كانت البلاد في حاجة فيها الى اعادة تعميرها من الصفر تقريباً، بالفقر المدقع الذي عاشوا فيه آنذاك، وافتقادهم الى أبسط مقومات الحياة، واضطرارهم الى العمل ساعات طويلة، بل ومن دون توقف احياناً، من أجل اعادة الإعمار. ويتحدثون أيضاً بكثير من الافتخار عن نجاحهم في اللحاق بالتكنولوجيا الغربية، ومن ثم "تفوقهم عليها"، وكيف كانوا يشعرون عندما "يتمكنون من الحصول على تصاميم سيارة أو محرك أو جهاز راديو قديم، فيعيدون تفكيكه وتركيبه ثم يدخلون عليه تحسينات تجعل النسخة اليابانية أفضل من الأصل الغربي"، الى أن أصبحت القاعدة الصناعية اليابانية قادرة على منافسة نظيراتها في العالم، ودخلت الأسواق الدولية كند للصناعات الأميركية والأوروبية.
التحالف المثلث
وكان "التحالف" الذي قام على أنقاض الحرب والهزيمة بين نخبة سياسية جديدة وطبقة رأسمالية ناشئة وفئة عريقة من الموظفين والاداريين الذين أشرفوا على تنظيم شؤون البلاد بمركزية مطلقة هو الأساس الذي مهد لما أصبح في ما بعد "المعجزة اليابانية".
وما لبث هذا التحالف أن أضحى "شراكة" كاملة وثابتة نالت رضى اليابانيين طالما انها ظلت قادرة على تحقيق طموحاتهم التي كانت قبل كل شيء اقتصادية ومعيشية. وعلى مدى عقود عدة لم يكن في المقدور التمييز بين أركان هذا التحالف المؤلف من الزعماء السياسيين التقليديين وكبار أصحاب الرساميل وأرباب الصناعة والتجارة وأركان البيروقراطية الادارية والحكومية ذات الشهرة الأسطورية في التحكم بشؤون البلاد والاشراف على الشاردة والواردة فيها. اما التعبير السياسي والحزبي لهذا التحالف فكان طبعاً الحزب الليبرالي الديموقراطي المحافظ الذي حكم البلاد من دون انقطاع على امتداد أربعة عقود نجحت خلالها اليابان في تحقيق معدلات نمو اقتصادية سنوية تراوحت بين 10 و15 في المئة بالمقارنة مع معدلات لم تكن تتجاوز 3 - 5 في المئة في الدول الصناعية الرئيسية الأخرى، وارتفع فيها الناتج القومي العام ليصل في مطلع التسعينات الى حوالي 4 آلاف مليار دولار في بلاد يبلغ عدد سكانها 125 مليون نسمة، بالمقارنة مع حوالي 6500 مليار دولار في الولايات المتحدة 260 مليون نسمة، وأقل من ألفي مليار دولار في المانيا الموحدة 80 مليون نسمة، ونحو 1200 مليار دولار في فرنسا 55 مليون نسمة، وأقل من ألف مليار دولار في بريطانيا 55 مليون نسمة.
لذلك لم يشعر اليابانيون طوال العقود الماضية بالحاجة الى التغيير. وعلى العكس، كان منطقياً ان يتركز اهتمامهم على المحافظة على الثبات والاستقرار السياسي، وتكريس نجاحهم الاقتصادي.
لكن هذا الشعور العام ب "الطمأنينة" كان يخفي في المقابل تساؤلات حقيقية فضّل اليابانيون طويلا التغاضي عنها. بل ان بعض منتقدي "التجربة اليابانية" والداعين الى مراجعتها يذهبون أحياناً ولو مع احتفاظهم بالديبلوماسية اليابانية المعهودة الى حد القول ان تلك التساؤلات كانت دائماً بمثابة "الهياكل العظمية المخبأة سراً في الخزانات اليابانية من دون ان يجرؤ أحد على الكشف عنها". وهم يقصدون بذلك مسائل يتناول بعضها صميم النفسية اليابانية وخلفيات تفكيرها، وصولاً الى طبيعة توجهاتها الذاتية والقومية منذ انبعاث البلاد من جديد داخلياً وخارجياً في الخمسينات. وعندما بدأت هذه التساؤلات في الظهور خصوصاً في الثمانينات، كان وقعها مؤلماً، اذ كانت من قبيل: هل تخلّى اليابانيون، شعبا أو مؤسسات حاكمة، فعلا عن أحلام السيطرة والتوسع ومشاعر الاستعلاء القومي على الشعوب الأخرى، خصوصاً الآسيوية المجاورة كالصينيين والكوريين وغيرهم، واكتفوا بطموحات السيطرة الاقتصادية والمالية والتفوق التكنولوجي؟ وهل خرجت اليابان فعلاً من إرث الحرب العالمية الثانية وأهوالها؟ وإذا كان ذلك صحيحاً فلماذا تصر المناهج التعليمية على اخفاء حقيقة ما دار في تلك الحرب على أيدي الجيوش الامبراطورية من فظائع عن الجيل الياباني الناشئ، بل ولماذا تتردد الحكومات المتعاقبة في طوكيو حتى في إبداء الأسف للشعوب الأخرى عما ارتكبته اليابان في حقها؟ وهل كانت الحكمة تقضي بأن تسلم اليابان مقدراتها السياسية والاستراتيجية والدفاعية العليا للولايات المتحدة طوال العقود الماضية تحت شعار التفرغ لخطط التنمية الاقتصادية والتوسع التجاري والصناعي، مع ما أدى اليه ذلك من تبعية شبه كاملة للسياسة الأميركية؟ وهل كان شعار المحافظة على الاستمرارية والاستقرار يهدف حقاً الى ذلك، أم أنه كان غطاء تم التستر به على جمود الحياة السياسية وتحجر الادارة البيروقراطية وفساد الزعماء والمتمولين وانعدام امكانات التغيير. وما هو التوازن المطلوب تحقيقه بين تقاليد اليابان وهويتها الحقيقية، وبين طموحاتها العالمية؟ وما هو الموقع الذي تريده اليابان لنفسها على الخريطة العالمية خلال القرن المقبل؟
الصدمة ...
"كان لا بد من صدمة تعيد احياء الذاكرة اليابانية الفردية والجماعية، وتوقظ الحاجة الى المراجعة والتفكير"، على حد تعبير البروفسور تايزو ياكوشيجي استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة كيو، الذي يضيف: "كانت ثمة حاجة الى تذكير اليابانيين بأن المعجزة لا يمكن أن تستمر الى الأبد، وانهم لا يستطيعون الاستمرار في سباتهم العميق وكأن شيئاً ماضياً لم يكن. فبالنسبة الينا، كان كل شيء على ما يرام، لكنه لم يكن صحيحاً". وإذا كانت بوادر "الصدمة" بدأت في الظهور أواخر الثمانينات، فإن وقعها الحقيقي "ضرب" اليابانيين بشدة اعتباراً من مطلع التسعينات. وكالعادة، كانت المؤشرات الأولى على أن "كل شيء لم يكن على ما يرام" اقتصادية الطابع أساساً. فنتيجة لمزيج من الممارسات المالية والتجارية الخاطئة، والمضاربات السيئة، والفساد السياسي والاداري الذي حاول التغطية على نتائجها، خسرت بورصة طوكيو خلال العام 1992 أكثر من نصف قيمة الأسهم المتداولة فيها. وتبع ذلك دخول الاقتصاد الياباني مرحلة ركود لم يسبق أن شهدها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتدهور معدل النمو الى مستوى قياسي بلغ أقل من واحد في المئة، فيما باتت اليابان مهددة للمرة الأولى، بالانضمام الى الدول الصناعية الأخرى في معاناتها من أخطار التضخم والبطالة وتردي مستويات المعيشة والخدمات الاجتماعية والصحية. وللمرة الأولى ايضاً شعر اليابانيون بأن التحالف أو "الثالوث المقدس" الذي كان يحكمهم قد لا يظل قادراً على توفير ما كان حتى الماضي القريب أمراً مفروغاً منه في نظرهم، أي مزيد من الازدهار الاقتصادي والرخاء الاجتماعي المبني أساساً على التوسع التجاري في العالم، في مقابل الاستمرار في السيطرة على مقدرات السلطة والادارة في البلاد.
وبسرعة لافتة اهتز التحالف الحاكم، وساهم في ذلك مسلسل من الفضائح السياسية والمالية والشخصية التي طالت التركيبة الحاكمة برمتها. "لقد انهار النظام الفاسد من أساسه، وعدنا في نهاية الأمر الى ما كنا عليه في مطلع السبعينات"، قال البروفسور ياكوشيجي في معرض وصفه لتلك المرحلة التي لم تقتصر مفاعيلها على الهزات السياسية فحسب، بل ساهمت أحداث أخرى في تحويلها الى ما يشبه الأزمة الوطنية العامة بما اتسمت به من شعور متنام بفقدان الثقة بالذات وبالمؤسسات الحاكمة لدى اليابانيين. وفي أعقاب انتخابات 1993، فقد الحزب الليبرالي الديموقراطي للمرة الأولى الأكثرية التي طالما تمتع بها في البرلمان ليشكل الحكومة بالتالي غريمه التقليدي الحزب الاشتراكي في أول مناسبة من نوعها منذ حوالي نصف قرن. وتوالت على البلاد سلسلة من الائتلافات الحكومية الضعيفة والمفككة التي دفعت الكثيرين الى تشبيه الوضع السياسي الياباني بالوضع في ايطاليا. ومع تزايد الدعوات الى ضرورة اصلاح النظام والادارة وتعديل قوانين الانتخاب وتقليص تأثيرات عناصر المال والنفوذ في شؤون الحكومة والدولة، نمت ظاهرة الانقسامات الحزبية التي نشأت عن منافسات وحزازات ذات طابع شخصي ضيق. وكانت الفترة 1994 - 1995 الأصعب على الاطلاق، اذ افتقرت فيها المؤسسة السياسية اليابانية الى القيادة الحقيقية، فيما ظل الوضع الاقتصادي يعاني من ركود حاد ترافق مع تصاعد قيمة الين في مقابل العملات الدولية الأخرى ما فرض ضغوطاً شديدة على الصادرات الى الخارج، وراوحت المفاوضات الحيوية مع الولايات المتحدة في شأن التوصل الى اتفاقية جديدة للتبادل التجاري بين البلدين مكانها، وتفاقم شعور اليابانيين بحدة المنافسة التجارية والاقتصادية التي باتت تشكلها الدول الآسيوية الأخرى ذات النمو المتسارع مثل تايوان وكوريا الجنوبية وحتى ماليزيا وتايلاندا وسنغافورة. وجاء الزلزال المدمر الذي ضرب مدينة كوبي الصناعية مخلفاً أكثر من 6300 قتيل وعشرات الألوف من المصابين ومئات الألوف من المشردين ليكشف الى حد كبير عقم الأجهزة الادارية والحكومية في مواجهة الكارثة. وتبعت ذلك الهجمات بالغازات السامة التي تعرضت لها أنفاق "المترو" ومحطاته في طوكيو على يد جماعة "أوم شن ركيو" الحقيقة المطلقة الدينية - القومية المتشددة التي سرعان ما أظهرت التحقيقات انها تضم ما لا يقل عن 10 آلاف شخص من المؤمنين بضرورة القضاء على النظام القائم في البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولتؤكد بالتالي ان هناك فعلاً قطاعات من المجتمع الياباني لا تزال خارج اطار الاجماع السياسي والايديولوجي السائد، وهي تظل قادرة على اثارة المخاوف واشاعة الرعب على رغم محدودية حجمها وهامشية دورها في الحياة اليابانية العامة.
نتيجة لكل ذلك، اعتبر الكثيرون ان انتخابات 1996 ستحمل معها رياح التغيير الذي طال انتظاره. فالأحزاب التي خاضتها تنافست على اظهار تصميمها على اصلاح ما أفسدته سنوات الجمود الطويلة. وحتى الحزب الليبرالي الديموقراطي، المثال الأول على ذلك الجمود، شارك في هذه المنافسة من خلال برنامج انتخابي طرح فيه وعوداً بتقليص حجم الوزارات والادارات الحكومية، وهو جانب حظي باجماع القوى السياسية وتأييد الرأي العام.
وخلافاً لكل التوقعات، أسفرت الانتخابات عن عودة الليبراليين الديموقراطيين باعتبارهم الحزب الأكبر حجماً في البرلمان بعد فوزهم ب 239 مقعداً من أصل 500 مقعد بالمقارنة مع 211 مقعداً كانوا يحتلونها في برلمان 1993. ومع أن ذلك لم يكن كافياً لاعطائهم الأكثرية المطلقة المطلوبة 251 مقعداً، فإن حجم الانتصار كان كبيراً، خصوصاً لجهة الفارق بينهم وبين الأحزاب المنافسة الأخرى. صحيح ان الحزب الليبرالي الديموقراطي لم يتمكن من الفوز بالأكثرية المطلقة، ما فرض عليه الدخول من جديد في ائتلاف حكومي مكّنه من تشكيل الوزارة الجديدة. لكن الصحيح ايضاً ان اليابانيين "فضلوا الاستمرارية على التغيير". وفي صورة أدق تعبيراً عن الواقع "اختاروا المحافظة على التركيبة القائمة مع اقرارهم بضرورة اصلاحها وتطويرها من الداخل"، على حد قول أحد المعلقين السياسيين اليابانيين البارزين. والاهم من ذلك ان الناخبين اقترعوا لمصلحة رجل أصبح يعتبر رمزاً لنمط جديد من القيادات السياسية في البلاد، وهو ريوتارو هاشيموتو، الذي لم يخطئ الليبراليون الديموقراطيون عندما اختاروه زعيماً جديداً للحزب، وبالتالي رئيساً للحكومة الائتلافية السابقة التي تولت مقدرات البلاد منذ مطلع العام 1996 وحتى الانتخابات الأخيرة.
هاشيموتو زعيم المستقبل؟
وربما كان هاشيموتو المثال الأفضل على المزيج الغريب الذي يبدو أن اليابانيين يشعرون بالاطمئنان حياله. فهو يجمع بين الحداثة والتقليد، ومشهور أساساً بالحزم والابتعاد عن المهاترة مع احتفاظه بروح الدعابة، ويعتبر عموماً في منأى عن تهم الفساد المالي والسياسي التي شابت سمعة أقرانه من الزعماء الحزبيين مع اشتهاره في الوقت نفسه بمغامراته العاطفية. وفوق ذلك، فإنه من المؤمنين بضرورة "اصلاح النظام وتطويره من دون تغييره أو تعريضه للهزات"، وهو يدعو الى "الاستمرارية والمحافظة مع التأقلم والتقدم". وبينما برزت شهرته أساساً من خلال الموقف المتشدد الذي اتخذه خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة في شأن اتفاقية التبادل التجاري بين البلدين، وكاد أن يؤدي الى انهيار تلك المفاوضات، فإن نجاحه في التوصل الى الاتفاقية شكل أيضاً دليلاً على مرونته وحنكته. وكان هذا "المزيج من الصلابة والمرونة" بارزاً أيضاً في موقفه من مسألة اعتذار اليابان من جيرانها الآسيويين لما ارتكبته في حقهم خلال الحرب العالمية الثانية، اذ أبدى قدراً كبيراً من الجرأة عندما أعرب عن "أسف اليابان العميق للمآسي والآلام التي تسببت بها" من دون أن يصل الى حد الاعتذار، فأرضى بذلك الجيران وتجنب إثارة المحافظين في الداخل. وأخيراً، يؤمن هاشيموتو بشدة بدور اليابان الاقليمي والعالمي، ويعتبر ان الدفاع يجب أن يشكل أولوية للحكومات اليابانية، ويدعو الى انفاق المزيد من الأموال لتعزيز القوات المسلحة، مع تشديده على اعتبار البلاد "جزءاً لا يتجزأ من التحالف الغربي". وهو يتبع التوجه نفسه في تعامله مع المسألة الحساسة المتعلقة بالوجود العسكري الأميركي في جزيرة أوكيناوا. فمن جهة يرغب في تقليص هذا الوجود ويعمل من أجل التوصل الى صيغة مشتركة مع واشنطن تكفل تحقيق ذلك، مع تركيزه في المقابل على صلابة التحالف السياسي والاستراتيجي الثابت بين بلاده والولايات المتحدة.
وربما نتيجة لكل هذه الاعتبارات اختار اليابانيون هاشيموتو. فالرجل يعكس بشكل أو بآخر ذلك الخليط من التناقضات والمشاعر والطموحات والمخاوف التي تجعل منهم ذلك المجتمع الفريد من نوعه الى حد بعيد. وربما أيضاً لكل هذه الأسباب لم تثر الانتخابات الأخيرة الا ذلك القدر اليسير من الاهتمام أو الانفعال الشعبي. فزائر طوكيو عشية عمليات الاقتراع لم يكن ليشعر أن البلاد في خضم حملة انتخابية كان يفترض فيها ان تكون الأكثر حسماً وتحديداً في تاريخها المعاصر. بل ان اهتمام اليابانيين تركز أكثر بكثير على بدء موسم التصفيات النهائية في دوري لعبة "البيسبول"، وعلى نتائج جلسات المحاكمة المتتابعة لزعيم جماعة "أوم شن ركيو" واعضائها، وطبعاً على أرقام الاحصاءات الاقتصادية التي تجمع على ان البلاد خرجت من ركود السنوات الأربع الماضية وانها مقبلة على مرحلة جديدة من الانتعاش الاقتصادي.
وبالفعل سجلت الانتخابات أدنى نسبة مشاركة تشهدها البلاد منذ الخمسينات، اذ لم تتجاوز 59 في المئة. وجاءت نتائجها لتعيد هاشيموتو وحزبه الى السلطة، وتثير خيبة أمل دعاة التجديد والتغيير. اضافة الى عودة شعور اليابانيين بالثقة، وهو شعور تظهر معالمه في صورة دور عالمي جديد أكثر نشاطاً وتأثيراً.
وبمزيجهم المعهود من الحرص واللياقة والحزم لا يخفي اليابانيون اقتناعهم بأن "الصدمة الثانية أدت مفعولها، فالمارد استيقظ من جديد، ونجحنا في تجاوز السنوات العجاف لنتطلع قدماً الى شراكة عالمية جديدة تفتح لنا أبواب المستقبل... أسواقاً ومنتجات ونفوذاً سياسياً واقتصادياً ومالياً ناجماً عنها". فقد لا يكون اليابانيون مهتمين بالتحول من جديد الى قوة عسكرية عالمية، لكنهم من دون شك عازمون على تكريس موقعهم كقوة إقتصادية عظمى في عالم القرن الواحد والعشرين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.