سجل ميزان المدفوعات اللبناني فائضاً مقداره 7،53 مليون دولار اميركي في نهاية 1992 مقابل فائض بلغ 8،1073 مليون دولار فائضاً في 1991، وعجزاً مقداره 4،431 مليون دولار عام 1990. وما سجله ميزان المدفوعات هو مؤشر واضح لواقع الاقتصاد اللبناني خلال العام الفائت، الذي تأثر بالواقع السياسي والاستحقاقات اضافة الى العامل النقدي الذي افتتح العام بالطلب على العملة الاميركية واستنزاف القدرة الشرائية للعملة اللبنانية. وبدت هذه التأثيرات واضحة في التغييرات الشهرية بين حجم الموجودات الخارجية للمصارف اللبنانية، اي مصرف لبنان، والمصارف التجارية. وهي تغييرات ارتبطت الى حد كبير بواقع صرف سعر العملات الاجنبية في سوق القطع في لبنان، وتقويم سعر الليرة اللبنانية تجاهها. وفي الاحصاءات الشهرية، ان الموجودات الخارجية لمصرف لبنان تراجعت 1،200 مليون دولار في كانون الثاني يناير 1992، و5،249 مليون دولار في شباط فبراير وهذا المبلغ يوازي تقريباً ما تم استنزافه من احتياطي المصرف المركزي بالعملات الاجنبية، التي اضطر المركزي ان يطرحها في سوق القطع ليثبت سعر العملة الوطنية بپ879 ليرة لبنانية للدولار الواحد. فالمصرف دفع بمبلغ 507 ملايين دولار اميركي في احتياطه بالاجنبي خلال الفصل الأول من سنة 1992، وتراجعت موجوداته الخارجية الصافية بمقدار 2،504 مليون دولار اميركي. ويؤكد هذا التوافق في التغيير ان العوامل التي اثرت في الموجودات الخارجية لمصرف لبنان، تتركز في حجم المبلغ الذي تدخل به في سوق القطع في بيروت، الى النفقات الصغيرة الخارجية. فاحتياط المركزي، الذي يعتبر موجودات خارجية يتكون مما لدى المصرف من ذهب يساوي 2،9 مليون اونصة ذهب، تقوّم شهرياً بسعرها بالدولار، وتغييراتها طفيفة، ومما لديه من عملات اجنبية، وتتكون على وجه التقريب من 90 في المئة بالدولار الاميركي، و10 في المئة بالعملات الاجنبية الاخرى. وبما ان موجودات الذهب لا يمكن المس بها، فان التغيير الحاصل في قيمتها عائد الى تغيير سعر اونصة الذهب في الاسواق العالمية. والتغيير الاساسي في الموجودات يتم على صعيد التبدلات في الموجودات من العملات الاجنبية. وبعد القرار الشهير الذي اتخذه مصرف لبنان في 19 شباط فبراير 1992، القاضي بعدم تدخله في سوق القطع في لبنان الا عند الضرورة القصوى، انحصرت التغييرات تراجعاً في موجوداته بمقدار التزامات الادارة الخارجية، التي يتم تسديدها عن طريق مصرف لبنان، مثل مخصصات السلك الخارجي، ومدفوعات ثمن القمح، واستيراد مادة الفيول اويل لحاجة مؤسسة كهرباء لبنان لانتاج المعامل الحرارية للطاقة الكهربائية. وكانت هذه المبالغ دون الخمسين مليون دولار اميركي شهرياً لغاية نهاية ايلول سبتمبر 1992. في مطلع تشرين الأول اكتوبر 1992 حدث امران ايجابيان على الصعيد السياسي والمالي في لبنان: الأول اجتياز لبنان مرحلة استحقاق الانتخابات النيابية، الذي خفف من حدة التشنج، فبدأ سعر الدولار الاميركي بالتراجع البطيء، الى ان تم تكليف الرئيس رفيق الحريري تشكيل الحكومة اللبنانية، فكان الحدث الثاني الايجابي، ولعله الاهم على صعيد الوضع الاقتصادي، فأقبل اللبنانيون، وفي ردة فعل عكسية لما حدث مطلع السنة، وباعوا قسماً كبيراً من مدخراتهم، بحيث اشترى مصرف لبنان، وخلال الشهر المذكور مبلغ 6،951 مليون دولار برزت فائضاً في الموجودات الخارجية لمصرف لبنان. وتخطت المليار دولار اميركي في تشرين الثاني نوفمبر الا انها عادت وتراجعت بمبلغ 5،87 مليون دولار في الشهر الاخير من السنة، وهو تراجع مرده الى مدفوعات خارجية. في المقابل، بدا وضع الموجودات الخارجية للمصارف التجارية فائضاً لغاية شهر ايلول سبتمبر. بحيث تراجعت في 4 اشهر بمبلغ 7،185 مليون دولار، وزاد في خمسة اشهر 1،372 مليون دولار بحيث حقق خلال الاشهر التسعة الأولى فائضاً تراكمياً بلغ 4،186 مليون دولار. الموجودات الخارجية للمصارف التجارية تحققت عن مشتريات المودعين اللبنانيين العملات الاجنبية، وعن طريق التحويلات الخارجية التجارية والسياسية وغيرها. وفي تشرين الأول اكتوبر 1992 تراجعت الموجودات الخارجية لدى المصارف التجارية بمقدار 6،597 مليون دولار، وجاءت نتيجة لتخلص المودعين منها وتحويلها الى الليرة اللبنانية، ومن ضمن هذا الواقع عمدت بعض مراكز القطع لدى المصارف الى عقد اتفاق مع مصرف لبنان، يؤمن لها ما تريده من العملات الاجنبية لتغطية مراكزها، لقاء ضمانات. وفي النهاية سجل واقع الموجودات الخارجية في مصرف لبنان فائضاً تراكمياً بلغ 2،231 مليون دولار، والموجودات الخارجية للمصارف عجزاً متراكماً بلغ 5،177 مليون دولار، بحيث سجلت التغييرات التراكمية للموجودات الخارجية فائضاً مقداره 7،53 مليون دولار، اتفق على تسميته انه فائض ميزان المدفوعات.