بعد التعديل الجزئي لحكومته، اعلن سيد احمد غزالي الاسبوع الماضي خطته لانعاش الاقتصاد، في خطوة تحاول عبرها السلطات الجزائرية ترجمة الوعود التي اعطتها منذ تولي المجلس الاعلى للدولة مقاليد الحكم. ففي مؤتمر صحافي، حدد رئيس الحكومة الجزائرية خطته الاقتصادية التي تتضمن اعادة تنشيط الاقتصاد الوطني والاهتمام بأزمة السكن واعطاء دفع جديد للزراعة واعادة النظر في بنية الصناعة وتطهير المؤسسات المالية، والتكفل بالمشاكل الاجتماعية للمواطن والحد من البطالة. واذا كان غزالي لم يدخل في تفاصيل هذه الخطة، فمن الواضح ان تكاليفها المالية الكبيرة تعتمد الى حد كبير على ما حققته الاتصالات الجزائرية مع مجموعة المصارف الغربية لتحريك اتفاق المساعدات البالغة 5،1 مليار دولار، ومع البلدان الخليجية العربية الغنية للحصول على الدعم. وفي غياب الحياة البرلمانية في الجزائر، رغب غزالي ان يطرح برنامجاً حكومياً يركز على ضرورة اعتماد قوانين اقتصادية تساعد على التحرك نحو اقتصاد السوق، مشدداً على ان الاموال اللازمة لتنفيذ الجانب الاقتصادي من هذا البرنامج "ستدخل في الاشهر المقبلة الى الجزائر ولو كره الكارهون". ومن اجل اعطاء دفع للتعديل الحكومي الجزئي الذي لم يحدث الصدمة السياسية المرجوة على الصعيد الداخلي لدى اعلانه، اكد غزالي ان مهمة حكومته ليست تصفية التيار الاسلامي، في اشارة تهدف الى طمأنة الاطراف الاسلامية من غير الجبهة الاسلامية للانقاذ، وانما تعمل من اجل "مد اليد الى كل الجزائريين"، في دعوة واضحة الى الذين تتوفر لديهم "الارادة السياسية للالتحاق بالفريق الحاكم". ويعتقد المراقبون ان البرنامج الحكومي الذي اعلنه غزالي، بعد التعديل الحكومي، يهدف الى تهدئة الاوضاع في اطار خطة لعزل المتشددين في "الانقاذ". وتراهن السلطة الجديدة في ذلك على توسيع الحوار بين الاطراف من اجل استقطاب مزيد من التأييد الداخلي. ويلاحظ في هذا الصدد ان التعديل الحكومي الذي دخلت الوزارة بموجبه شخصيات انتمت الى جبهة الانقاذ وجبهة القوى الاشتراكية يظهر النية في عدم اقفال الباب امام المتعاطفين مع هذين التيارين، حتى وان كان الوزراء الثلاثة الجدد سعيد قشي الشغل والتكوين المهني سامي العموري الشؤون الدينية، من قدامى "الانقاذ". والهاشمي نايت الجودي المناجم والصناعة، من قدامى جبهة القوى الاشتراكية، يعتبرون من معارضي احزابهم، حتى وان كان الامر كذلك فان مجرد وجودهم في الحكومة يظهر ان ثمة مجالاً امام المعترضين على سياسة احزابهم للمشاركة في السلطة. ومن البدهي ان يتأثر الوضع الملتبس للوزراء الثلاثة بالتعليقات والتحليلات، خصوصاً ان الانقاذ والقوى الاشتراكية لا تزالان ترفضان اي تعامل مع السلطة وتعتبران الوزراء بمثابة "خونة"، لكن العنصر الأهم في التعديل هو عمليات دمج ست وزارات في ثلاث من اجل تسهيل عملية اتخاذ القرارات، خصوصاً الاقتصادية منها، في اطار يتولى فيه غزالي نفسه عبر وزارة الاقتصاد الاشراف على برنامج النهوض الاقتصادي المقترح. الى ذلك، احتفظ الوزراء الاساسيون الدفاع والداخلية والعدل والطاقة والخارجية بمناصبهم، وهو الامر الذي كان متوقعاً بالنسبة الى معظمهم، لكن المراقبين توقفوا عند استمرار وزير الداخلية العربي بلخير الذي كان قريباً جداً من الرئيس السابق الشاذلي بن جديد. اذ ان كثيرين، استناداً الى هذه العلاقة، شككوا بولائه التام للمجلس الأعلى. وجاء تثبيته في المنصب، اضافة الى الآخرين، ليؤكد استمرار "النواة الصلبة" للسلطة الجديدة خصوصاً ان بلخير، عبر مسؤوليته عن ضبط الامن، لم يخيب امل الفريق الجديد خلال عمليات التصدي لپ"الانقاذ". وفي رد غير مباشر على منتقدي اوضاع حقوق الانسان والغاء الوزارة التي كانت تشرف على هذا القطاع، انشأ رئيس المجلس الاعلى للدولة محمد بوضياف "المرصد الوطني لحقوق الانسان" والحقه برئاسة المجلس الاعلى. علماً ان رئيس المجلس كان اكد انه لن يقبل قط اي اساءة جسدية او معنوية تلحق بالمعتقلين، وانه يتعهد "شخصياً" بعدم السماح بأي تجاوز في هذا الشأن. ويعتقد المراقبون ان الحكومة الجديدة جاءت بتركيبتها لتعكس تصور السلطة الجديدة لفكرة اقامة تجمع وطني يتكون من استقطابات من الاحزاب الجزائرية المختلفة. وهي الفكرة التي انطوت عليها دعوة بوضياف الى الحوار.