جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تعايد منسوبيها بعيد الفطر المبارك    بلدية الظهران تحتفي بعيد الفطر بفعاليات ترفيهية مميزة    الذهب يرتفع ويتجه نحو خسارة أسبوعية رابعة على التوالي    قبيلة بني مبارك في صامطة.. بهجة العيد تُتوج بالفخر الوطني    وزير الخارجية يلتقي وزير خارجية الهند    موعد مباراة السعودية ومصر الودية    "البيئة": أمطار متفاوتة في 12 منطقة ومكة تتصدر المشهد    المملكة تؤكد التزامها بدعم العمل البيئي وتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة    الحذيفي: التقوى والثبات بعد رمضان طريق الاستقامة    رمضان والعيد يرفعان حجوزات السفر والسكن    رئيس جمهورية أوكرانيا يغادر جدة    المعيقلي: التقوى طريق النجاة والفوز الحقيقي    تعرّض ميناء الشويخ الكويتي لهجوم بمسيّرات دون وقوع إصابات    أمير حائل ونائبه يقدّمان العزاء لأسرة السبهان .    اتصال رونالدو لم يغيّر قراري.. والهلال كان الخيار الأذكى    كندا تفرض عقوبات جديدة على أفراد وكيانات تابعة لإيران    هطول أمطار غزيرة على منطقة نجران    ولي العهد يلتقي رئيس أوكرانيا    استشهاد فلسطيني برصاص مستعمرين في الضفة الغربية    الكويت تُفعّل نظام الإنذار المبكر للحالات الطارئة عبر الأجهزة الذكية    الفيصل يشهد مران المنتخب الوطني الأخير قبل مواجهة المنتخب المصري    سيدات النصر يُحققن لقب الدوري.. ورونالدو يشيد بالإنجاز    قرار القادسية بشأن ضم محمد صلاح وإمام عاشور    تشكيل منتخب السعودية المتوقع أمام مصر    منع القبلات وتصادم الأنوف    أمانة تبوك تكثِّف جهودها للتعامل مع الحالة المطرية ب205 معدة و238 كادرًا ميدانياً    أمير جازان يستقبل رئيس محكمة الاستئناف بالمنطقة    فيصل بن بندر يستقبل مديري التعليم والبيئة والمياه والزراعة بالمنطقة    التخصصي" يتوج بجائزة بيئة العمل الصحية من سيجما العالمية    الشؤون الإسلامية بجازان تعايد منسوبيها وتثمن جهودهم في رمضان وتعزز روح الألفة    الأصول الاحتياطية للبنك المركزي السعودي تتجاوز 1.7 تريليون ريال بنهاية 2025م بنمو سنوي 5.3%    بيعة ولاية العهد.. نماء ونهضة    أنغام تفتح تاريخها الفني في ليلة طربية مرتقبة    العيد في السعودية.. حكاية طمأنينة    بشار الشطي يطلق أغنية «بترد الأيام»    سيكولوجية الحروب    العولمة كدوّامة بصرية    طالب العراق بإيقاف هجمات «الفصائل» على دول الجوار.. بيان عربي سداسي: «خلايا إيران» تهدد الأمن والاستقرار    سقوط شظايا صاروخ على منزلين بالشرقية    خط شحن جديد مع البحرين    ارتفاع السوق    ذكريات العيد في مجلس البسام    تعدي عليها.. حبس شقيق شيرين عبد الوهاب    الاكتفاء بموافقة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني.. توحيد إصدار تراخيص التعليم الإلكتروني الخاص    بتنظيم وزارة الثقافة ..الرياض تستضيف مهرجان الفنون التقليدية 2026    أمير تبوك يواسي أبناء الشيخ علي زيدان البلوي بوفاة والدهم    14.8 مليار ريال تسوق أسبوع    إيران تعلن استهداف حاملة طائرات أمريكية بالخليج    تخصصي الدمام يعايد المرضى    أسرة محرق تتلقى التعازي    «التخصصي» ينجح في إجراء عملية سحب القولون ب «سونسن»    مختص: قياس الضغط المنزلي أدق من قراءة العيادة    شاشة الهاتف تسرع ظهور الشيب والتجاعيد    تحديد مواعيد زيارة مجمع طباعة المصحف    الصمعاني: تعزيز كفاءة الأداء لتطوير المنظومة العدلية    الأمم المتحدة: هجمات إيران على المدنيين في الخليج والأردن ترقى إلى جرائم حرب    "إفتاء عسير " يهنئ عضو هيئة كبار العلماء بعيد الفطر المبارك    الدفاع المدني: سقوط شظايا اعتراض صاروخ باليستي على سطح منزلين بالمنطقة الشرقية ولا إصابات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التكيف مع العجز
نشر في الحياة يوم 26 - 07 - 2012

في بداية عهدي ب"توِيتِر"، كتبت ردّاً على"تويت"لا أتذّكر محتواه للكاتب البرازيلي الشهير َاولو كويلو، وبالطبع لم أتوقّع أن يقرأه وهو من حيتان المتابعين العالميّين، قلت فيه:"قد نكون جميعاً ضحايا، ولكن هناك ضحيّة تستسلم، وضحيّة تُقاوِم". ففاجأني ردّه برابط لتدوينة له قائلاً:"اقرأ هذه".
كانت التدوينة عن حالة نفسيّة تُسمى"العجز المتكيّف"learned helplessness، وهي خلل يُصيب الإنسان أو الحيوان يجعله يتعوّد على السلوك العاجز فلا يتجاوب مع فرص متاحة لكي يُساعد نفسه بأن يتجنّب ظروفاً مزعجة أو يغنم عائداً إيجابيّاً، وذلك لأنّ إدراكه قد تكيّف على انعدام التحكّم في تحديد ما يؤول إليه وضعٌ ما. وينتهي الأمر بالكائن الحيّ المتكيّف على العجز إلى الاكتئاب الحادّ والنقص الشديد في الثقة بالنفس وأمراض نفسيّة أخرى ذات صلة.
العجز المتكيّف نظرية عالم النفس الأميركي المؤثّر مارتن سيلغمان MartinSeligman بناءً على بحوثه عن الاكتئاب التي بدأت عام 1967 في جامعة َنسل÷ينيا. وكان الاكتشاف من خلال تجارب تمّ فيها تعريض مجموعة كلاب إلى ألم متكرّر لا تستطيع تجنبّه، وفي النهاية يئست الحيوانات مِن محاولة تلافي الألم وتعوّدَت على تحمّله. ولمّا أتيحت لها الفرصة لإيقاف الألم، استمرّ السلوك العاجز لدى الكلاب مصحوباً بلا مبالاة ونزعة إلى ادّخار جهد الانشغال بالألم أي بالعامّيّة"كبّرَت دماغها"، وظهرت عليها أعراض شبيهة بالاكتئاب السريريّ المُزمن. وفي تجارب أخرى على بشر طُلِب منهم أداء وظائف ذهنيّة في وجود ضوضاء، كان إتاحة الخيار لإسكات الإزعاج بمفتاح كهربائي كفيلاً بتحسين الأداء على رغم عدم الاستفادة مِن استعمال المفتاح، أي أنّ مجرّد الوعي بتوفّر خيار إيقاف الضوضاء قلّل مِن تأثير تشويشها بشكل كبير. كما اتّضح أنّ الإنسان يتميزّ عن الحيوانات بإمكان تكيّفه على العجز"بالوكالة"أي من خلال مراقبة غيره يعاني فقدان التحكّم في وضعه. وإضافة إلى أعراض يشترك فيها مع الحيوانات كالسلبيّة والعدوانيّة المغروسة ونقائص اجتماعيّة وجنسيّة، توجد أعراض تشخيصيّة لدى الإنسان كالمزاج المُغتَمّ والشعور بانعدام القيمة وتخيّل الانتحار.
ومِن تدوينة كويلو:"يمكن اعتبار العجز المتكيّف آليّة يستعملها البعض للنجاة أو التعايش مع ظروف صعبة أو اضطهاديّة. فقد ينتهي الأمر بطفل معنّف أو زوجة أن يتكيّفا على السلبيّة والخنوع للمعتدي لأنّ محاولة المقاومة أو الهروب تبدو بلا جدوى". ونقرأ أيضاً:"العجز المتكيّف ناتج عن ترويض المرء ليكون مُثبّتاً ضمن نظام ما، مثل عائلة أو مجتمع أو ثقافة أو تقاليد أو مهنة أو مؤسّسة. ينشأ النظام في البداية لغاية معيّنة، لكن مع تطوّره ينتظم حول معتقدات وممارسات ومحظورات تخدم استمراره. تغيب الغاية الأصليّة عن الوعي ويعمل النظام بشكل ذاتيّ، فيتكلّس".
مِن السطور الأولى للتدوينة بدأتُ قي تصوّر العجز المتكيّف كحالة وطنيّة، وتذكّرتُ نظريّة"الشعب المكتئب"، وثقافة الانهزام والحدّ الأدنى وفقدان الثقة بالنفس، والتشبيهات والألقاب التهكّميّة على"ربعنا"و"جماعتنا"و"حريمنا"و"رجالنا"و"عيالنا"أو"بزارينّا"، وطافت في خيالي هاشتاغات تْوِتِر الساخرة والمثيرة للسخرية، ثمّ الساخرة مِن المثيرة للسخرية، ونكات البلاك-بيري التي كشفت روح فكاهة شعبيّة مكتسَبة بدأت في مجاراة شقيقتها المصريّة. ثمّ تأملتُ فيما وراء ذلك مِن سلبيّة تُكرّس مِن حيث لا تدري حتميّة شؤمنا، والعدوانيّة التي تنفجر فجأة في بيوتنا وشوارعنا، والمشادّات القاتلة، والثقافة العنفيّة، وأحلام السفر إلى الخارج، والتوجّس مِن أمثالنا المتجذّر في تدنّي الإحساس بذواتنا. وبدأت أشعر... بالعجز المتكيّف.
كم فرد منّا يدرك فقدان التحكّم في وضعه وتعوّده على عجزه؟ ما أثر حاصل الإدراك الجماعيّ بالعجز العامّ والتكيّف عليه على المجتمع؟ ما مدى عَمانا عن فرص تحسين أوضاعنا؟ وما مدى استعدادنا أصلاً لاستغلال تلك الفرص حتّى إن رأيناها؟ ما تأثير ما شهدناه من عجز آبائنا علينا إذ تكيّفنا على تكيّفهم عليه؟ وأمّهاتنا؟ يا إلهي، ما مدى العجز التي تكيّفتْ عليه الأنثى وكلّ مَن لجأ إلى حضنها يوماً ما؟
كم مِنّا ينظر إلى أُفق خياراته، فلا يرى إلا قحولة على مدّ البصر؟
لا شكّ أنّ هناك الكثير مِن الآلام التي نعانيها ولا نعيها إذ تبلّد إحساسنا بها، وإن وعيناها نظنّ أنفسنا حكماء بإدراك عبث المحاولة للتخلّص منها فلا نُبالي. وإن لم نُبالي بآلامنا فماذا يستحقّ مبالاتنا؟ والاضطهاد الذي يتكبّده الأضعف مِن الضعيف والضعيف مِن القويّ والقويّ مِن الأقوى، وكلّ فرد مِن ذي سُلطة عليه، كم مِنه يُمكن إيقافه لو لم يتكيّف المضطهَد مِنّا على عجزه؟ فالخنوع تَربّيْنا عليه كشرطٍ لنَيْل ما نحتاج، والمقاومة مِن الغباء إذ ستُشعل غضب مضطهدنا فيزداد شراسة ويوغل في اضطهادنا. والهروب ليس خياراً، فلا مهرب أصلاً.
بل ربّما لهول عجزنا غالَيْنا في التكيّف عليه، فوجدنا في العجز سُنّة حياة، ما أضعفنا، ولكن ما أحكَمنا في وعينا بضعفنا، ليس كغيرنا المخدوعين. هناك من يجد نفسه مختنقاً، فبدلاً مِن يسعى لإزالة أسباب الاختناق لأنّ ذاك مُحال في نظره، يُبالغ في التعايش فيتحدّى العالَم ويقول: نعم، أستطيع أن أعيش مختنقاً، بل هذه طبيعة الحياة وجميعنا يُفترض أن نعيش هكذا وإلا نافَيْنا فِطرتنا.
ولكن لم تتكيّف كلّ كلاب سيلغمان بالعجز الدائم، فحوالي ثلث العيّنة تمكّنوا مِن إيجاد مخارج مِن حالة مزعجة على رغم تجاربهم السابقة المحبِطة معها. واقترنَت الصفة المقابلة لهذه الظاهرة لدى الإنسان بالتفاؤل. فإن أردنا التصدّي للعجز المتكيّف، لنتذكّر كلمتين: الأمل، فهو لا ينضب"والتعلّم، فعندما نفشل نقترب مِن هدفنا لأنّنا اكتشفنا طريقة لا تنفع واكتسبنا خبرة لاكتشاف طريقة تنفع. وهكذا نُقاوِم ولا نستسلم، لأنّ الخيار الثاني لا نتيجة له إلّا الهلاك.
* كاتب مقيم في جدّة.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.