مما لا شك فيه أن الجميع يكره الروتين الطويل، أو ما يسمى بالبيروقراطية، وقد عملت الحكومة الكثير لكي تقلل أو تختصر الإجراءات في كثير من النواحي، وبذا خففت الأعباء على الأجهزة الإدارية من جهة وسهلت على الناس وأصحاب العلاقة إنهاء إجراءاتهم من جهة أخرى، ولا ينكر احد اختصار الكثير من الإجراءات، مثل استخراج جوازات السفر وبطاقات الأحوال المدنية واستخراج السجلات التجارية على سبيل المثال لا الحصر. ولكن استمرار التطوير والتحسين وتخفيف الروتين يبقى مطلباً مستمراً بشرط ألا يخل بالهدف المرسوم للنظام وللإجراء. مع هذه المقدمة كمدخل لهذا الموضوع فإنه من اللافت للنظر في عدد من جرائدنا المحلية وجود نصف وأحياناً صفحة كاملة بما يسمى"الإعلانات الفردية"أو"إعلانات الأفراد"التي تكتب بأبناط صغيرة لتقليل كلفة الإعلان. وقد قمت ببحث إحصائي بسيط على هذه الإعلانات بعد أخذ عينة عشوائية من ما ينشر منها في إحدى الصحف المحلية، إذ اتضح أن 56 في المئة من هذه الإعلانات تتعلق بفقدان وثائق خاصة، مثل رخص القيادة وشهادات التخرج واستمارات السيارات، يليها 30 في المئة إعلانات تتعلق بطلب استخراج حجج استحكام أو تملك أراضٍ أو بيوت، والباقي 14 في المئة تخص إعلانات متنوعة موزعة بالتساوي بين تغيب وهروب مكفولين أو شهر اسم تجاري أو تعديل أسماء فردية. ومن المؤكد أن هؤلاء المعلنين يقومون بالإعلان وتحمل كلفته ليس حباً أو رغبة فيه، وانما لأن النظام أو الجهة المعنية طلبت منهم مثل هذا الإعلان كوثيقة أو مستند قبل إنهاء إجراءات معاملاتهم... والسؤال هو: هل هذا الإعلان الفردي يخدم ويحقق الغرض المنشود؟ وما مدى فائدته للمعلن وللجهة الحكومية ذات العلاقة؟ فإذا كان معظم بل ربما كل قراء الصحف لا يقرؤون ولا يعيرون أي اهتمام لهذه الإعلانات اللهم الا المعلن نفسه الذي يتابع ويقتطع الإعلان مضطراً لكي يقدمه كمستند مع المستندات النظامية الأخرى المطلوبة لإنهاء إجراءاته... فما فائدتها إذاً؟ ومن المسلم به عند وضع أي إجراءات إدارية أن يحدد الهدف المنشود منها، وأن ينظر في البدائل المختلفة والمناسبة، ومن ثم يتم في الأخير اختيار البديل الأنسب والمحقق للهدف المنشود بأقل روتين وكلفة ممكنة، فعلى سبيل المثال بدلاً من الإعلان ببنط صغير لا يكاد يُقرأ مع كلفة لا مبرر لها ألا يجدر النظر في تطبيق بعض البدائل مثل: 1- فقدان الوثائق: وضع رقم هاتف على كل وثيقة للاتصال به إن فقدت ووجدت من شخص آخر؟ 2- حجج الاستحكام: لو وضعت لوحة بمعرفة البلدية المعنية على قطعة الأرض أو المالك نفسه بحيث يراها ويلاحظها كل من يمر عليها. 3- تغيب المكفولين: من المؤكد أن الإعلان عديم الفائدة، والأجدى هو تشديد العقوبة على من يشغل أي شخص من دون موافقة كتابية مصدقة من كفيله النظامي، تمهيداً لنقل كفالته بحسب النظام خلال مدة محددة. 4- شهر اسم تجاري: من المفروض أن يتم التقدم إلى مكاتب السجل التجاري التي من خلال الرجوع إلى قاعدة البيانات المخزنة بالحاسب الآلي يمكنها اتخاذ القرار بقبوله أو رفضه.. وإن كان لا بد من الإشهار فيمكن لمجلات الغرف التجارية أن تعمل جداول مع فهرسة أبجدية للمسميات لكي يسهل على أصحاب العلاقة الاطلاع عليها، يذكر أن الجريدة الرسمية"أم القرى"صار الحيز الأكبر من صفحاتها مشغولاً بإعلانات إشهار الأسماء التجارية وربما العلامات والمسميات التجارية. 5- تعديل الأسماء: هذا موضوع معقد لتتداخل القبلية والعوائلية التي يصعب على كاتب هذه السطور الإلمام بكامل أبعادها... ولكن مهما كانت فإن الإعلانات الفردية فيها لا تحقق الغرض المنشود، وينبغي البحث عن بديل مناسب، كأن يكون تعديل الاسم الأول بموافقة كتابية موثقة من والد أو كبير العائلة، اما تغيير اسم العائلة فهذا قد يخلق مشكلة الا انه يمكن التغلب عليها بأن يطالب صاحب الشأن بإحضار عدد من الشهود لهم قرابة من الدرجتين الأولى والثانية لتوثيق الاسم. ليس هنا المجال لتقديم دراسة مفصلة لما ينبغي اتخاذه في كل مجال، إذ لا بد من درس عدد من البدائل لاختيار الأفضل منها، وما تقدم من اقتراحات ما هي إلا بدائل ممكنة. وما يثلج الصدر أن طريقة حضارية للتوصل إلى حلول في بعض الأمور الاقتصادية أو الإدارية أخذ بها في السنوات الأخيرة وهي الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، إذ قامت الدولة بإرسال وفود من أصحاب الاختصاص إلى عدد من الدول الإسلامية والنامية والمتقدمة في حقول التعليم والتدريب وبعض النواحي الاقتصادية للاستفادة من تجاربها في اتخاذ السياسات والقرارات المناسبة محلياً... وهنا فإن الإعلانات الفردية كما وردت هنا لا تجدها في صحف الدول المتقدمة أو حتى الدول النامية... لذا لعل الجهات الحكومية المعنية تدرس تجارب بعض الدول للاستفادة منها في تطبيق الأنظمة. وأخيراً، فإن قراء الصحف المحبون للقراءة، ومنهم كاتب هذه السطور، يقرؤون حتى الإعلانات اللافتة للاهتمام ولا يودون قطع رزق الصحف من هذا الإيراد، ولكن هذه الصحف تعمل خيراً لقرائها بأن يقرؤوا شيئاً مفيداً أو حتى إعلانات مفيدة... ولكن لا أحد يلومها على قبول هذه الإعلانات الفردية التي لا تُقرأ طالما أن الجهات الرسمية تتطلبها... لذا فإن البداية والمبادرة يجب أن تبدأ من الجهات الحكومية... وإن الجميع لمنتظر تحسين وتخفيف إجراءاتها... فهل من مجيب! [email protected]