كان صيف هذا العام حافلاً بالأنشطة الثقافية المختلفة، ففي مدينة الطائف ظهر ملتقى"سوق عكاظ"الذي صاحبته أمسيات شعرية، وفعاليات ثقافية وأدبية، من محاضرات وندوات، ومعروضات شعبية، وحقيقة أسفت كثيراً لعدم حضوري هذا الملتقى، وعلى رغم أنني تلقيت دعوة للمشاركة فيه بإحياء أمسية شعرية مع بعض الأخوات الشاعرات والأخوة الشعراء، إلا أن سفري وعدم تحديد يوم معين لأمسيتي من المنظمين حال دون ذلك، وهذا من سلبيات إعداد الملتقيات الثقافية عندنا، إذ لا بد أن يكون هناك جدول واضح ترتب فيه الأيام، وتحدد تواريخها ويبلغ بها المشاركون فيها حتى لا يحدث ما حدث معي، إذ فوجئت باتصال من الطائف ليلة الأمسية يتساءل عن عدم حضوري وكنت خارج المملكة ولم يخطر في بالهم أنهم لم يحددوا لي اليوم والزمن، وهذا يعود إلى سوء التنظيم، وعدم تنسيق مثل هذه الفعاليات مسبقاً وإخضاعها لدراسة تنظيمية مكثفة قبل البدء فيها. وعلى كل أن فكرة بعث إحياء سوق عكاظ الجاهلي في حد ذاتها خطوة جيدة، فقد كان يشكل ملتقى كبيراً للعرب من شعراء وخطباء يتنافسون بإبداعاتهم التي استمرت حتى بعد ظهور الإسلام، ومعروف أن الرسول"صلى الله عليه وسلم"شهد سوق عكاظ في صباه محارباً ومتسوقاً، كما ذكر ذلك الأديب الأستاذ"محمد موسم المفرجي"في كتابه"سوق عكاظ"، ثم بعد نزول الوحي عليه جاءه داعياً إلى الله، ومكث صلى الله عليه وسلم عشر سنين يحضر مواسم سوق عكاظ، ومجنه، وذي المجاز، يتبع فيها الحجاج ليدعوهم إلى الإسلام، إلا أن هذه السوق بدأ دورها في الاضمحلال مع بداية انتشار الإسلام بين القبائل العربية في الجانب الأدبي للسوق، أما الجانب التجاري فقد استمر خلال العصر الإسلامي حتى نهاية العصر الأموي، كما تشير إلى ذلك المصادر التاريخية، فالسوق لم تزل قائمة إلى أن خربت ونهبت على أيدي الخوارج الحرورية سنة 129ه. كنت أتمنى على المسؤولين عن فعاليات هذا الملتقى أن يحيوا ذكرى أستاذنا الأديب الراحل محمد موسم المفرجي فهو أول من دعا إلى بعث هذه السوق بعد دعوة الملك فيصل بن عبدالعزيز- رحمه الله -عندما كان ولياً للعهد، وأول من كتب عنها في بحث جمع فيه كل المعلومات والكتابات المتعلقة بها، مع مجموعة من الصور والخرائط الدالة عليها وطبعها في كتاب يحمل الاسم نفسه، وبين يدي الآن الكتاب في طبعته الثالثة عام 2001، والأستاذ محمد المفرجي معروف على مستوى الساحة الأدبية والثقافية وله الكثير من المؤلفات، كان آخرها كتابه المعنون باسم"المرحلة"، إذ تناول فيه مرحلة ظهور الحداثة في مشهدنا الثقافي بأطروحاتها وحواراتها ونماذجها ومعاركها حتى تاريخ رحيله عن دنيانا العام الماضي - يرحمه الله. وعودة إلى سوق عكاظ وبعثها الآن من ماضيها العتيق فإنها تفتح لتراثنا العربي وجهه الأصيل من مواقعه وأمكنته، لربط الجيل الجديد بماضيه وتاريخه النابض بالفكر منذ العصر الجاهلي والى عصرنا الحاضر، ليعكس للمتلقي مرآتنا الحضارية المنحدرة منذ القدم، وإذا كان اسم عكاظ مشتقاً من قولك"عكظت الرجل عكظاً، إذ قهرته بحجتك، لأنهم كان يتعاكظون هناك بالفخر"، كما قال ابن واقد، فاني أرجو أن يكون التعاكظ في هذا الملتقى في سنواته المقبلة لأجل الفكر وقهر كل أنواع الجهل والانغلاق، ليكون لنا فكر حر منصب على إنسانية الإنسان والرقي بحياته الثقافية شعراً ونثراً، وتلافي سلبيات التنظيم وتطويره سنوياً حتى يغدو علامة بارزة في ثقافتنا الأدبية، كما كان مهرجان المربد في العراق ومهرجان الجنادرية لدينا. [email protected]