عندما قال الدكتور غسان الحسن كبير المُحكّمين في برنامج شاعر المليون في بداية الحلقة الأخيرة من البرنامج:"لقد بدّلنا معيار المسابقة"كان ذكاء منه أن يقول"بدّلنا المعيار"ولم يقل اكتشفنا أن البيت الذي طلب من الشعراء في نهاية الحلقة ما قبل الأخيرة أن يبنوا عليه قصائد التنافس في آخر حلقة من البرنامج كان مكسوراً. حتى لا يلفت انتباه الجمهور والمشاهدين ويكتشف الناس العاديين الفضيحة، أما نحن أهل الشعر فقد اكتشفنا سوء اختيار معظم الجالسين على منصة التحكيم منذ البداية. فنحن لسنا جهلة ولا يعمينا بريق المليون وفلاشات الأضواء والإمكانات الضخمة عن الحقائق الأدبية، كما يعمي العامة ويذهب بأبصارهم ولا يفوتنا ما يفوت خاصة الناس من إدراك ووعي بمقاييس الشعر الحقيقي. وبالنسبة إلينا من الحيف والعيب بل فضيحة أدبية ألا تعرف اللجنة المُحكّمة أصول النقد وأدبياته. وسكتنا على عشرات الهفوات والأخطاء وميل الهوى في اللجنة، لأننا قلنا إنها تجربة وليدة، وهي لخدمة الشعر ولعلها تنجح بأقل الأخطاء غير أن هذا لم يُحدث، بل على العكس شكّلت الحلقة الأخيرة من البرنامج انتكاسة كبيرة بكل المقاييس بدءاً من بيت المسابقة المكسور الذي كتبه الشاعر الإماراتي سعيد بن عتيق الهاملي، ولم يكتشف كسره إلا الشاعر والناقد فاضل الغشم الذي اتصل بالصحافي علي المسعودي وحذره قبل الحلقة الأخيرة بساعات أنه لا يجوز الطلب من الشعراء بناء قصائدهم على بيت مكسور، وعندما عادت اللجنة إلى التقطيع العروضي، اكتشفت أنه فعلاً مكسور فأرادت أن تصحح الخطأ باستبدال كلمة بدل كلمة، لكي تزنه والبيت على الطرق الهلالي القصير الذي تقريباً لا يجيده إلا أربعة في الخليج يقول بيت المسابقة : من عهد بن ظاهر وعصرٍ ماضي/ عيبٍ على بيتٍ يقال هزيل وعندما أرادت اللجنة تعديله جاء هكذا: تيفان بن ظاهر وعصرٍ ماضي/ عيبٍ على بيتٍ يقال هزيل وحتى بعد التعديل ظل البيت مكسوراً وقد أوجد الدكتور غسان الحسن لنفسه وللجنة مخرجاً بأن قال إن جميع الشعراء في قصائدهم كسر في الوزن ولم يحدد الأبيات المكسورة، لأنه هو نفسه لا يعرف الموزون من المكسور، وفي الحقيقة أنه خمّن تخميناً أن صعوبة البحر الهلالي وعدم معرفة أحد بقاعدة وزنه تعني أن الكل سيكسر، ولأن الشعراء أنفسهم لم يقل لهم أحد إن البيت الذي أعطتهم إياه اللجنة مكسور فمن الطبيعي أن تكون قصائدهم مكسورة، وطبعاً لن يكتشفوا هم الكسر، وليت الكسر اقتصر على البحر الهلالي الذي قد نلتمس العذر للجنة والشعراء في عدم معرفته، لكن الطامة أن تركي الميزاني في الحلقة الأخيرة كسر حتى في وزن المسحوب الذي يعتبر أكثر بحور الشعر سهولة وتداولاً بين الشعراء حتى إن هناك من أطلق على المسحوب حمار الشعراء لكثرة استخدامهم له، وكل شاعر جيد من سماع البيت على الطاير يعرف أنه مكسور. لقد كان واضحاً أن اللجنة في الحلقة الأخيرة أُلجمت وطُلب منها ألا تنتقد أحداً. وقد بدا الضيق واضحاً على وجه علي المسعودي، لذلك لم يقولوا شيئاً، ولم يُعلقوا كثيراً على القصائد، أو ينتقدوها. بالنسبة إلى توزيع الجوائز كان يفترض أن تجمع جميع علامات الحلقات السابقة لكل شاعر مع نتائج الحلقة الأخيرة، وتضاف إلى نسبة التصويت ليظهر الشاعر الحقيقي. أو على الأقل الذي حصل على أفضل العلامات من اللجنة، حتى تكون اللجنة في حِلْ من انتقادنا لها. وترمي بالكرة في ملعب المصوبين، وهذا لم يحدث. توزيع الجوائز لم يكن صحيحاً باستثناء جائزة محمد بن فطيس التي لا جدال في أنه يستحقها وفوزه بها فوز للشعر، وهو رمز وقدوة في أخلاقه العالية وتواضعه. لكن رأيي ورأي كل أهل الشعر أنه ليس من العدل والإنصاف أن يخرج محمد بن مريبد العازمي صفر اليدين، وأن يعود الفتي الفذ يوسف العصيمي الذي أعتبره طرفة بن العبد الجديد بأيد خاوية إلى العراق، وهو الذي لم يشغله الغزل بقدر ما شغله همّ بلاده العراق، وهمّ مأساة بغداد اليومية، وقصائده جيده خاصة قصيدته في الحلقة الأخيرة، كانت رائعة، ما كان يجب أبداً أن يخرج أحد خالي الوفاض من هذا التجمع الأجودي. ولا أريد أن أوجع قلوب الناس بحكاية العدل والإنصاف التي يبدو أنها لا تنسجم مع الملايين بأي شكل من الأشكال حتى لو حاول الشعر أن يكون واسطة خير. تريدون الحقيقة لا أحد يهمه الشعر الحقيقي والمستويات الجيدة، بقدر ما شُغل الناس بالأضواء والذهب ومجد القبيلة. الشعر كان في ذيل قائمة اهتمام الناس في كل مكان، لماذا نلوم اللجنة؟ وهل المصوتون صوتوا على أساس الأفضل؟ بالطبع لا... صوتوا من أجل صيت قبائلهم. كل ما نرجوه أن يكون القادم أفضل وإلا على الشعر السلام لأنه في أي قضية لا مفسد كالمال.