يبني الإسلام في أتباعه شعورَ الثقة بالنفس، ويربيهم على استقلال الشخصية من خلال توجيهاته الآمرة بالحفاظ على الهُوية خشيةً أن تنماعَ في ثقافات أخرى، ومن خلال التذكير بكرامة المسلم على الله وفي الحديث"لزوال الدنيا أهون عند الله من إراقة دم امرئٍ مسلم"، وهو الشعور الذي يجده المؤمن وهو يقرأ قوله تعالى: وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ... الآية إن الشعور بالعزة لا يأتي إلا من خلال الثقة بالدين. ولأجل الحفاظ على الهوية وعلى شعور العزة بالدين جاء النهي عن التشبه بالكفار عموماً، بل جاء الأمر بمخالفتهم قصداً في صور كثيرة. وأول ما يجب أن يُبدأ به في هذه المسألة هو معرفةُ حدودِ التشبه المنهي عنه، وإلا فإن فهم معنى التشبه على نحو مغلوط هو في حقيقته تشبّه باليهود في تحريفهم الكلم عن مواضعه، وتشبهٌ بالنصارى في عبادتهم لله على ضلالة. إن الإسلام لا ينهى المسلم أن يكون كسائر الناس من مسلمين وكفارٍ في القضايا التي تحكمها الأعراف والعادات المتمحضة التي لا يشوبها محرم.. ليس مقصوداً في الشرع أن يكون المسلم شاذاً من بين سائر الناس، قاصداً لمخالفتهم في كل شيء، من أجل التميز لذاته. إنما المقصود ألا يحاكيَ الكفارَ في ما هو من خصائصهم وشعائرهم التي تميزهم، وقد قال ابن عثيمين رحمه الله في ضابط التشبه:"مقياس التشبه أن يفعل المتشبِّه ما يختص به المتشبَّه به ، فالتشبُّه بالكفار أن يفعلَ المسلم شيئاً من خصائصهم .أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز له الكفار فإنه لا يكون تشبُّهاً، فلا يكون حراماً من أجل أنَّه تشبَّه إلاَّ أن يكون محرَّماً من جهة أخرى". وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - معلقاً على حديث أنس -رضي الله عنه- أنه رأى قوماً عليهم الطيالسة، فقال:"كأنهم يهود خيبر"وإنما يصلح الاستدلال بقصة اليهود في الوقت الذي كانت الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة، فصار داخلاً في عموم المباح. إن قصد المخالفة للمشركين وأهل الكتاب في ما هو من خصائصهم أو شعائر دينهم وهي صور محدودة لا يوقع المسلم في دائرة العزلة الشعورية عن المجتمع، ولا يفضي به إلى الشذوذ عن الناس بسبب مخالفته للمشركين"لأنها مخالفةٌ في صور محدودةٍ تعد من خصائصهم ومن شعائر دينهم، إنها في الحقيقة مخالفة لشذوذهم عن الناس وتمنع عن متابعتهم على شذوذهم الذي أرادوا أن يتميزوا به. إنها في حقيقتها قصدٌ لمخالفة الشذوذ، وقصد لمخالفة المعتقدات والتصوراتِ الباطلة. أما ما كان من قبيل العادات في ما هو من أمور المعاش ويتعلق بتنظيم حياة الناس فلا نهي فيها عن التشبه، ولا أمر فيها بالمخالفة، لأنها ليست من قبيل الشعائر المختصة بملةٍ من الملل، فلا يحرم لبس البنطال من أجل أنه تشبه بالكفار"لأن البنطال ليس باللباس الذي تعرف به نصرانية النصراني، أو يهودية اليهودي"ولكنه لباس عرف وانتشر وصار لباس العامة في أقطار كثيرة، وقد يحرم من جهة أخرى"كضيقه، أو كشفه للعورة، أو كونه من لباس مرضى الشذوذ. ويقال في غيره ما قد قيل فيه، أما أن يخالف المسلم الكفار في كل ما اعتادوه من لباس أو نظام لا يختص بملتهم، فهذا ما لا تحتمله نصوص النهي عن التشبه، وقد يوجد من يفهم هذا الفهم المغلوط ولكن العبرة بفهم العلماء المحققين وما استنبطوه من ضوابط لذلك. لقد كان عليه الصلاة والسلام يلبس لبسة العرب إلا ما كان محرماً لذاته"كالنجس والحرير، ولم يكن يقصد مخالفتهم في لباسهم"لأنها جرت بينهم بحكم العادة، لا بحكم خصيصة الملة. بل كان يلبس ما يجلب إلى المدينة من ألبسة تخاط في الشام، وكانت بلاداً للنصارى. والمقصود: أن الانتهاء عن التشبه بالمشركين وقصد مخالفتهم في شعائرهم الخاصة لا يوقعنا في ورطة العزلة عن العالم"لأن تلك الشعائر التي نهينا عن التشبه بهم فيها هي الشذوذ عينُه، فمخالفتها مخالفة للشذوذ. وهذا كلام نفيس لابن تيمية، الذي طالما اتُهم بالتطرف، يحرر فيه مسألة من مسائل التشبه بالكفار، فيقول:"لو أن المسلم بدار الحرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر - الذي ليس بمحرم لذاته - إذا كان في ذلك مصلحة دينية، من دعوتهم إلى الدين.. أو دفع ضرر على المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الحسنة"اقتضاء الصراط المستقيم 176-177. وأخيراً كيف يتهم الإسلام بأنه يحرض أتباعه على العزلة وقصدِ الشذوذ عن الناس، وهو الذي نهى عن لباس الشهرة، وهو اللباس الذي يشذ به لابسه عن سائر الناس مما ليس بلباس مأمور به، أو مقصود في وقته كلباس الإحرام مثلاً. * محاضر في الشريعة في جامعة "الإمام" [email protected]