تعتبر سوق البطحاء أحد شرايين الرياض التجارية النابضة، ويتوافر فيها كل ما قد يرغب المرء في اقتنائه، ولكن هذا المعلم التجاري، أصبح ملاذاً لكل ما هو ممنوع ومخالف للنظام. إذ أصبحت البطحاء وكراً للهاربين من كفلائهم وللمقيمين غير الشرعيين أيضاً، وابتكر هؤلاء طرقاً لاستثمار وجودهم وغفلة أعين الشرطة عنهم، فخلقوا مصادر دخل متنوعة ركزوا فيها على الممنوع لكونه الأكثر عائداً، واتخذت هذه العصابات كل حسب تخصصه من البطحاء مقراً لها. فبالنسبة لسرقة الخطوط الهاتفية والتحويل غير الشرعي للمكالمات الدولية، فهي ليست من الأمور الجديدة، إذ يعرف كل من المواطن والمقيم كيفية التحويل وأسعارالمكالمات، ولكن ما لا يعرفه الجميع هو أن هذه العصابات تعمل في وضح النهار وسكون الليل. ويتعدى مرتكبو هذا الجرم المئات إن لم يكونوا بالآلاف. ولتوضيح الأمور بشكل أفضل قامت "الحياة" بجولات عدة على هذه الأوكار، واستدرجت بعضهم للحديث عن خبايا عملهم وحجم أرباحهم ومصدر شجاعتهم... وإليكم التفاصيل: سألنا عدداً من الوافدين عن هذه المكالمات، فأجاب معظمهم بتفاصيل دقيقة، وأعطانا كل منهم معلومات عن الأسعار حتى لا نكون ضحية نصب،على حد تعبيره، ومنهم من زودنا بأسماء أشخاص معينين نصحنا بهم لكونهم كريمين ويمكنهم إعطاءنا دقيقتين أو ثلاث مجانية، ولكن هذا العرض الذي يتضمن دقائق مجانية متوافر من الساعة الواحدة فجرا إلى السادسة صباحاً، وهو وقت التخفيض إذ تبلغ تكلفة الدقيقة لأي بلد ريالاً واحداً مع دقيقتين مجانيتين، وحسم 20 في المئة حين تصل المكالمة إلى ساعة فما فوق. أما في وقت الذروة وهو من بعد السادسة صباحاً إلى الواحدة بعد منتصف الليل، فتلغى الدقائق المجانية ويصبح سعر الدقيقة ريالاً واحداً وخمسين هللة. ولكن من اجل كسب المزيد من الزبائن والتشجيع على المكالمات الطويلة تحتفظ هذه العصابة بعرضها المتعلق بالحسم الخاص للمتحدث أكثر من ساعة وإن كانت تخفضه 10 في المئة... كما حذرنا بعض المقيمين من السماسرة الذين يتصيدون كل أجنبي يقصد البطحاء لهذا الغرض، فبعضهم لا يتمتع بنقاوة الصوت في مخادعهم الهاتفية، اضافة إلى أنهم قد يسرقون دقيقة من الوقت المسموح لك به، وهناك كما أعرب مرشدونا، "لا يمكنك المجادلة ففرصتك في التفاوض تكون خارج هذه الأوكار، أما إن دخلتها فلا مجال للتراجع أو تغيير الاتفاق أو حتى الاعتراض، فبعض هؤلاء الوافدين من الجنسيات الآسيوية التي تراها في الشارع مدعاة للشفقة وتلبس قناع المسكنة، تتحول إلى وحوش كاسرة لا مجال إلا للخضوع لها". كمائن ونظراً لكون العروض تزداد ليلاً في هذه المواقع توجهت في تمام الساعة الثانية والنصف صباحاً إلى مواقعهم، وكنت متخوفاً من أن تمنع الأمطار التي كانت تهطل بغزارة يومها هؤلاء السماسرة من الوقوف خارجاً وتقديم عروضهم المغرية. ولكن قبل أن أصل إلى محطتهم الأولى بدا لي عدد من الوافدين من الجنسية الآسيوية كمن ينتظرون صديقاً أو يقضون حاجة ملحة على رغم هذه الأمطار. والمفاجأة اني كنت أنا العمل والصديق، فبمجرد أن أوقفت سيارتي، وعلامات التوتر والحيرة بادية على وجهي، اقترب مني أحد السماسرة تاركاً مسافة نحو مترين بيننا، وبعد تحديقنا في وجه بعضنا بعضا، سألني إن كنت أريد التحدث عبر الهاتف، فهززت رأسي إيجاباً... ليغمرني بعض من الخوف، إذ بمجرد موافقتي على عرضه تهافت على سيارتي نحو سبعة أشخاص كل يقدم عرضاً منافساً وكل يمدح خدمته، والخوف الذي ذكرته صراحة لم يكن على حياتي فأنا لم أصبح ملكاً لهم بعد، ولكنه كان على سيارتي المستأجرة التي كانت تهتز من شدة حماستهم. وبعد أخذ ورد، ترجلت لأسير خلف أحدهم الذي التفت إلى زملائه وملامح الانتصار بادية على وجهه، وبعد سيرنا في أحد الدروب الضيقة، طرق الأبواب هامساً بكلمات السر، واستجاب الطرف الثاني بفتح الباب وأشار إلي بصيغة الأمر بالدخول بسرعة... دور أو دوران وبعدهما باب آخر كان مفتوحاً وفي انتظاري شخص أمرني مرة أخرى بالدخول سريعا بمجرد ان لمحني أتقدم صوبه، وداخل البيت الآيل للسقوط، وزع عدداً من الكراسي مراعاة للمنتظرين منا. حاولت التظاهر بالقساوة والتذمر، فقلت موجهاً كلامي لأحدهم وقد اخترته في الحقيقة لنحالة جسمه وقصر قامته، اذا كان هناك كثر قبلي فأنا أرغب بالمغادرة. ولكن صاحبنا وجه نظره إلي واتجه نحوي بكل تأن وكبرياء وقال لي بصوت لم أتصور أن يكون مصدره هذا الجسم، اجلس وانتظر دورك بهدوء، طبعاً لم أناقشه قط واكتفيت برسم ابتسامة توحي بموافقتي على التزام الصمت. وحين حان دوري سألني عن الرقم الذي أرغب الاتصال به ثم ناولني السماعة وأشار إلى غرفة أقصدها مراعاة للخصوصية، وبعد انقضاء المكالمة تغيرت نبراتهم لتصبح وديعة مرة أخرى وسألوني إن كنت أرغب في طلب رقم آخر، وبعد نفيي ذلك تمنوا لي الحضور مرة أخرى لأن هناك حسماً خاصاً للزبائن الكثيري التردد عليهم. خرجت من التجربة الاولى مصدوما وآسفاً، وقبل وصولي إلى سيارتي سألني سماسرة آخرون إن كنت أرغب في اجراء مكالمة أخرى في مكان أكثر راحة وبأسعار منافسة. وقال أحدهم: "في شركتي لا تخف من الشرطة"، الأمر الذي أثار انتباهي جله فلحقت به محاولا السير على خطاه السريعة ، وعند دخولنا في وكر - شركته ? أشار إلى مجموعة من السلالم الخشبية المتنقلة، وقال: "لو وردنا خبر عن مداهمة الشرطة، تصعد هذه السلالم ثم تهرب عبر السطوح المجاورة لتجد نفسك في حي آخر!" كان هذا الرجل "صاحب الشركة" جيد المعاملة دائم الابتسامة، يشرف على أعماله بنفسه. وبدا واضحاً أنه يحقق النجاح، إذ كان مقره يشهد ازدحاماً كثيفاً، وانتظرت اكثر من ساعة ونصف الساعة لإجراء مكالمتي، وكنت خلالها أفكر وأتساءل، أين أعين الشرطة من هؤلاء الذين ينهبون البلد ويسيئون إلى المقيمين جميعهم؟ كم تبلغ إيراداتهم المالية لكي يغامروا من دون خوف من العواقب؟ من ينظم هذه الشبكات ويصنع مقراتها؟، أين كفلاؤهم؟... اكتشاف أسئلة عدة كانت تراودني، ولكني حصلت على أجوبة معظمها بعد أن زرت هذه الأماكن أكثر من مرة وأصبحت أتبادل الحديث والمزاح معهم. بالنسبة للشرطة، وضعت العصابة فرداً يراقب الطريق عند مدخل أو مخرج كل حارة مؤدية إلى أوكارهم. ويعزز بعضهم المراقبة مستعينا بخدمات أفراد مدربين للمراقبة على بعد خمسة كيلومترات. والبعض الآخر يستخدم كاميرا تصوير في أكثر من اتجاه. ولم أكن أصدق ذلك لو لم أره بأم عيني. أما بالنسبة لمردودهم المادي، فقال لي أحدهم إنه يتجاوز 150 ألف ريال في كل منزل، ولكن المساكين أمثاله من السماسرة لا يتعدى نصيبهم خمسة آلاف ريال شهرياً، ويدفعون منها ما بين 200 ريال للكفيل، إضافة إلى مبلغ 200 ريال تدفع شهرياً من قبل العاملين جميعهم في هذا القطاع، وتخصص لتسديد أجور الأوكار وراتب شهري للشخص الذي يوثق عقد الإيجار باسمه. وصعقت حين علمت أن نسبة المقيمين غير الشرعيين، أي الذين أتوا إلى البلاد لأداء مناسك العمرة، ثم استقروا في البطحاء باتفاق مع أباطرة العصابة هناك، تجاوزت 20 في المئة من العاملين في القطاع. وهناك نسبة 40 في المئة ممن هربوا من كفلائهم الذين لا يعلمون شيئا عنهم، أي أن هناك نسبة 40 في المئة فقط من النظاميين، حيث يقوم رجال الأمن بحملات تفتيش مفاجئة ويجدون الأوراق السليمة للعاملين قانونية وسارية المفعول، ويبرر أحدهم وجوده في المنطقة بأنه يسكن في الجوار. وتدفع هذه الفئة مبالغ شهرية للكفيل، إضافة إلى مبلغ محترم عند كل تجديد للإقامة. ولكن حسب ما علمت لا يطّلع الكفيل على مجال عملهم، ولكن يعلم أنهم يتعاطون مهناً كثيرة. وزيادة في الاطمئنان يمنع منعاً باتاً التعامل مع أي سعودي، وإن كان يرتدي زي الأجانب إلا أن هذه الفئة مع تمرسها وخبرتها، أصبحت قادرة على تمييز المواطن من بين كل الجنسيات الأخرى. ومع تعدد أسباب هذا الوضع المزري الذي أصبحت عليه البطحاء، يجب سرعة التحرك في معالجة الوضع، قبل أن يصبح خارج السيطرة، وقبل أن تصبح البطحاء ملاذاً للمخالفين ومروجي المخدرات، وإن كان بعضهم يختارها فعلاً مقراً له.