بعيداً من ضجيج الأحياء الحديثة في مدينة نجران، يقبع بهدوء وسط منطقة البلد، أو"المدينة القديمة"، سوق الجنابي الشعبية، يتقاسم داخله 25 محلاً الدالفين إلى السوق لاقتناء"رمز الرجولة"، أو حتى تطفل زائر سمع عن تجمع الحرفيين هناك. الواجهات الخارجية للسوق تتزين بأنواع متعددة من"الجنبية"، والإكسسوارات المرتبطة بصناعتها مثل الأحزمة والجلود. يجلس الحرفيون"الحضارمة"عند مداخل محالهم يصنعون جنبية جديدة أو يصلحون أخرى، إلا أن وجوه شبان شرق آسيويين غزت هذه السوق مثل غيرها، وسط روائح النار والجلود والسؤال عن الأخبار و"السوم"أو مفاوضات البيع والشراء. يعرض محسن آل صمع 33عاماً منتجات محله الصغير من الجنابي بابتسامة يستقبل بها المقبلين على بضاعته مرحباً على الطريقة النجرانية"أرحبوا"، ثم يوضح أنواع الجنابي: النجراني وهي الأغلى، العمانية، الحضرمية. يقول محسن عن عمله في هذه المهنة:"ورثتها أباً عن جد، وعلى رغم التطور في كل شيء، إلا أن هذه الحلية مازالت حية ويحبها الناس وأسواقها منتعشة، لأن الناس هنا يعشقون تراثهم ويحرصون على عدم اندثاره". ويبين محسن تميز الجنبية النجرانية:"تعرف بأن مقبضها يختلف، فلا يكون ذا قرون، بل تجدها بشكل انسيابي، ويصنع من قرن الحيوان المعروف باسم وحيد القرن، ويجلب من الهند وإفريقيا". ويكمل آل صمع شرح بقية أجزاء الجنبية:"بعد المقبض أو الخطمة أو الرأس، يأتي المبسم ثم النصل ويصنع من الحديد، ثم السلة التي تغلفه وتصنع من خامات مثل أشجار الصنوبر أو الطنب، ويغلف بالجلد ويطعم بالفضة، والحزام ويصنع من الجلد المدبوغ ويزين بخيوط لامعة". تتراوح أسعار الجنابي في سوقها داخل نجران بين 50 ريالاً التي يقتنيها الأطفال، والمتوسطة تصل أسعارها إلى أربعة آلاف ريال، اما أثمن جنبية بيعت في تلك السوق وصلت إلى 50 ألف ريال". وكان العالم شهد بيع أغلى جنبية بمليون دولار أميركي في اليمن، إذ اشترى أحد كبار شيوخ القبائل اليمنية ورمز من رموزها المعروفين جنبية تنسب ملكيتها إلى الإمام شرف الدين أحد أئمة اليمن الذين حكموها، ويعود تاريخها إلى 672هجرية، أي أن عمرها 754 عاماً. وتجمع معظم المصادر التاريخية على أن ولادة الجنبية كانت في عام 3000 قبل الميلاد، استناداً إلى شواهد قبور أثرية نقش عليها شكل الخنجر الهلالي، إلا أن آراء أخرى تشير إلى أن ارتداءها كان في العصر السبئي للدولة الحميرية. ويؤكد الرأي الأخير تمثال معد يكرب 500 قبل الميلاد مرتدياً جنبيته الذي اكتشف في أعمال الحفريات الأميركية في مطلع خمسينات القرن الميلادي الماضي في معبد أوام، وتأتي النقود الذهبية الحميرية، والتي زينت بها معظم مقابض الجنبية اليمنية القديمة لتقف في صف الرأي الأخير. الجيل الجديد من الشبان في نجران لم تأخذه المدنية بعيداً من الجنبية، حتى الشريحة المثقفة، بل إن الشبان يتسابقون في المناسبات المهمة مثل الأعياد والأعراس للتفاخر بما يملكون من جناب مميزة. ويتمسك حمد آل منصور 27 عاماً الذي يعمل في تحضير المختبرات العلمية بعادة حمل واقتناء الجنبية:"نعتبرها مصدر فخر واعتزاز، ورمزاً للرجولة، توارثناها من آبائنا وأجدادنا، ولا يمكن أن نتنازل عنها، بل إننا نفضل الأنواع القديمة من الجنابي". ويفضل حمد نوع من"الزراب"ويرى أن السلة والرأس هما اللذان يكسبان الجنبية سعراً غالياً، ويرى أنها"أداة الحرب والسلام، لأنها كانت تقتنى في الحروب وفي الصلح". وترتبط الجنبية في جنوب الجزيرة العربية بخرافات قديمة اندثر معظمها وتنتشر في اليمن مثل أن يقوم العريس بإعطاء عروسه جنبيته في ليلة زفافهما لضمان العبور الناجح من بيت العزوبية إلى بيت الزوجية. وتكون الجنبية على مدار الطريق حرزاً حصيناً لكلا العريسين، و"الرازم"أو"الكابوس"لا يستطيع مواجهة الجنبية مهما بلغت قوته ووحشيته. وفي الخيال الشعبي ما زالت الجنبية تمنع المس الشيطاني والكوابيس وتدافع عن الكرامة وترمز للوجاهة وتدل على اكتمال الشخصية.