لن يتخيل أحد قلق اللبناني الحالم والحريص، على قيام دولة لبنانية مدنية سوية، كما في معظم بلاد الأرض، إزاء ما يحصل حالياً في بلاده، فهذا اللبناني، وإن كان يهجس بالتغيير والتحديث، ويعرف، من دون عبقرية، خلل النظام الحاكم، يشعر بالأسى أمام أزمة مؤسسات الحكم الرئيسية، فالنظام الحالي، ولو مشوّهاً، أفضل من غيابه، أي أفضل من الفوضى. يعرف اللبناني أن هذا النظام الطوائفي، وإن كان يتعثر منذ نشوئه، عرف محاولات وإنجازات إصلاحية، مؤسساتية وقانونية، خصوصاً أثناء الفترة الشهابية نسبة الى الرئيس فؤاد شهاب، كما عرف إنجازات اقتصادية وخدماتية وثقافية وتربوية تحققت منذ استقلاله، وكان يمكن استمرارها، لولا الحرب الأهلية، وانه بدأ يتعافى ولو بصعوبة وعشوائية بعد انتهاء الحرب الخ... وهذا اللبناني يعرف في المقابل الانقسامات الحادة منذ الاستقلال عام 1943، ومنذ ما سمي"انتفاضة عام 1958"حتى اليوم، عدا عن الاختلالات الديموقراطية، السياسية، والاجتماعية والتنمية، الناشئة عن توزيع السلطات طائفياً، وكذلك الاختلاف حول"هوية لبنان"ووظائف هذه الهوية في الصراعات والمحاور الدولية والاقليمية، والتي هددت وتهدد، بديهياً، تماسك هذا النظام. ولا يغيب عن بال اللبناني ان هذه السيارة مش عم تمشي وبدها حدا يدفشها دفشة على ما تقول فيروز، بعبارة رمزية، استكملها ابنها زياد بعدها بپ"غيّر له النظام، بركي لعله بيمشي". كما يدرك اللبناني ان أحزاب الطوائف وبناها أقوى من الدولة ومؤسساتها وانها تهادن هذا الأخيرة، طالما انها تؤمن مصالح الطوائف ولا تحد من حرياتها. وقد تفيض حريات الطوائف فتنقض على نظام الدولة، في أي لحظة أو تطالب بتكييفه مع أهدافها، ما أن تستشعر باهتزاز مصالحها، أياً كانت طبيعة هذه المصالح. لكن اللبناني، حين يكون واقعياً، يعرف أن طبيعة التشكيلات السياسية الراهنة، ومعظمها قائم على عصبية دينية بحتة، مضاف اليها ترسانة من المؤسسات الاجتماعية والإعلامية، مشفوعة بتخلف وعي اللبناني السياسي المدني، يؤخران الى ما لا نهاية نشوء سلطة مدنية، فيضطر الى التعامل النسبي مع الواقع، راضياً بالنظام بالتي هي أحسن، حتى تحين فرص التغيير التدريجية. يعرف اللبناني ان النظام يحمل في متن فلسفته كنظام توافقي يتوزع فيه القرار على الطوائف في شكل لا منطقي عشوائي، يرتهن لموازين القوى لحظة صوغ مواثيقه، كما يرتهن للديموغرافيا، كأن حاجات أفراد الطوائف تختلف عندما تكبر هذه الطوائف أو تصغر، فتختص إحداها بإدارة التشريع وثانية بالتنفيذ والتقرير وثالثة بالتحكيم، وهذا يصح في مواقع أخرى في إدارة مؤسسات الدولة اللبنانية... يعرف ان هذا النظام يحمل في متن فلسفته بذور تعطيله، فلو لم يكن رئيس مجلس النواب، الذي يرفض حالياً دعوة المجلس الى الانعقاد، منتخباً بصفته شيعياً، ممثلاً لقوى سياسية شيعية، لكان على الأرجح رد فعله مختلفاً، ولما حدثت مثل هذه الاشكالية أصلاً. وكذلك لما شعر العماد عون بالاضطهاد والاستبعاد لأن ترشيحه لرئاسة الجمهورية غير مستساغ، على رغم حصوله على أعلى نسبة أصوات بين النواب المسيحيين، علماً أن الدستور لا ينص على هذا الشرط، لكن طائفية النظام السياسي تفتح على كل الاجتهادات الفقهية، مع أن تيار العماد عون ينادي بالعلمانية وأوقع كثيرين في فخ إغواء هذا المفهوم. والحكومة الحالية وفق هذه الاجتهادات دستورية للبعض وغير ميثاقية للبعض الآخر لمجرد انسحاب الوزراء الشيعة، مما يعني أن انتماءهم الطائفي يتقدم على دورهم المهني والوطني، ووفقها ما أثيرت للمرة الأولى في تاريخ لبنان فكرة الثلث المعطل الإلزامي وحصر هذا الثلث بمن يمثل قيم الأقلية النيابية، وإعطاء هذه الأقلية حق التقرير كرديف لحق التعطيل، والضغط السياسي عبر التجييش الطائفي وذريعة"حقوق الطوائف"، الى ما هنالك... هذه الملاحظات لا تعني، بالمنطق المدني، ان الهيئة السياسية المتبقية والمصرة على شرعيتها هي محصلة إرادات لبنانية مدنية شاملة. هي أصلاً غير موجودة بفعل النظام نفسه، لكنها نتاج هذا النظام الذي يوزع"نعمه"على الجميع. هي جزء شرعي منه. انه خلاف أهل النظام إذاً، ولو تطابقت عرضاً عناوين إحدى الفئتين السياسية مع رغبات عقليات مدنية، كأن يناصر بعضهم عناوين الاستقلال والسلام وآخرون استمرار المقاومة والحرب. لكن هذا لا يعني إغفال كون التناقض الجوهري العام في الخيارات ناجماً هو أيضاً عن مسارات سياسية خاصة بكل طائفة. والتلوين الطائفي المزعوم غير أساسي، فمضامين معارضة"حزب الله"لا تشبه دوافع طلال ارسلان مثلاً، وقس على ذلك... تعطيل هذا النظام، أي غياب الناظم ولو بالحدود الدنيا لعجلة الحياة السياسية والإدارية العمومية، وبالتالي الإطار الذي تدار فيه الخلافات السياسية والمفاهيمية، الناشئة هي نفسها عن هشاشته وعدم جهوز أي نظام بديل، يشكل قلقاً نسبياً لدى اللبناني سواء أيقن إشكالية النظام أم لا. وهذه الأزمة التي قد تطرح أسئلة جديدة على المفكرين، تطرح على السياسيين أسئلة أخلاقية تتعلق بالشعور بالمسؤولية العامة، وبضرورة البحث عن مخرج، وإيجاد وسائل لمعالجة الأمراض الناشئة عن النظام ذاته حتى إشعار آخر. * كاتبة لبنانية